أعلنت الهيئة العامة للرعاية الصحية تجهيز 119 وحدة رقمية وتشغيلية داخل أول مستشفى افتراضي بمحافظة الإسماعيلية تمهيدا لافتتاحه قريبا باعتباره نقلة طبية جديدة تهدف إلى تقديم الاستشارات عن بعد وربط المنشآت الصحية بالمراكز المتخصصة.
ويأتي الاحتفال بالمشروع بينما يواجه المرضى واقعا مختلفا تسيطر عليه أزمات نقص الأدوية وتراجع الخدمات وعجز الأطباء وضغوط الموازنات بما يجعل الافتتاح أقرب إلى دعاية حكومية تضع الشاشات أمام انهيار الاحتياجات الأساسية.
واجهة رقمية فوق العجز
وبحسب التصريحات الرسمية يضم المشروع وحدات للفرز الإلكتروني وطب القلب والأشعة والطوارئ والعناية المركزة إلى جانب عيادات افتراضية وغرف للقيادة والتحكم بهدف تبادل المعلومات وتقديم الاستشارات الطبية بين المستشفيات التابعة للمنظومة.
لكن التحول الرقمي لا يصنع علاجا من فراغ لأن الطبيب الموجود خلف الشاشة يحتاج إلى مستشفى مجهز وممرضة مدربة وجهاز يعمل وتحليل متاح وسرير رعاية ودواء حاضر في اللحظة التي يصل فيها المريض.
كما أن البيانات المعلنة لم تكشف بصورة واضحة تكلفة المشروع أو تفاصيل العقود التقنية أو عدد الأطباء المخصصين لتشغيله أو آليات حماية بيانات المرضى أو المؤشرات التي ستستخدمها الوزارة لتقييم نجاحه بعد الافتتاح.
وفوق ذلك يطرح اختيار الإسماعيلية مركزا للمشروع تساؤلات حول استفادة المحافظات البعيدة والقرى المحرومة التي تعاني ضعف الاتصالات ونقص الأجهزة لأن الاستشارة الرقمية تصبح بلا قيمة عندما تفتقر المنشأة الطرفية إلى أدوات تنفيذها.
وبالتالي قد يتحول المستشفى الافتراضي إلى غرفة أنيقة تدير العجز عن بعد بدلا من علاجه إذا لم يسبقه تمويل كاف للمستشفيات القائمة وتوفير الأدوية والمستلزمات والكوادر وإصلاح منظومة الإحالة الطبية.
ومن ناحية أخرى لا يمثل العلاج عن بعد فكرة مرفوضة في ذاته بل أداة يمكن أن تقلل انتقال المرضى وتستدعي الخبرات المتخصصة غير أن نجاحها يظل مشروطا بوجود بنية صحية حقيقية قوية وممولة.
لذلك يصبح وصف المشروع بأنه الأول أو الأكبر جزءا من لغة الأرقام القياسية التي تفضلها الحكومة بينما المعيار الذي يهم المريض هو زمن الانتظار وتوافر العلاج وسهولة الوصول إلى طبيب وسرير.
ومع غياب هذه المؤشرات يبدو الافتتاح المرتقب محاولة لصناعة صورة نجاح سريعة يستطيع الوزير تسويقها أمام الكاميرات بينما تبقى الأسئلة الحقيقية معلقة حول المستشفيات المتعثرة والأقسام المغلقة والمشروعات التي لم تكتمل.
دواء غائب ومريض محاصر
في المقابل تتزايد شكاوى المرضى من نقص أدوية الأمراض المزمنة والأورام والمناعة والسكري والضغط والقلب بما يجعل الأزمة تهديدا مباشرا لحياة الملايين وليس مجرد نقص مؤقت في صنف تجاري داخل الصيدليات.
وبهذا المعنى لا تتوقف المعاناة عند غياب الدواء بل تمتد إلى اضطرار الأسر للبحث بين الصيدليات وتحمل زيادات الأسعار أو شراء بدائل مرتفعة التكلفة وسط تراجع الدخول واتساع الأعباء الاقتصادية على المواطنين.
علاوة على ذلك يؤدي نقص الدواء داخل المستشفى الحكومي إلى نقل العبء مباشرة نحو جيب المريض الذي يشتري المحاليل والحقن والمستلزمات والتحاليل من الخارج رغم أن العلاج العام يفترض تغطيته من الموازنة.
وفي الوقت ذاته تتكرر تصريحات حكومية تنفي وجود نقص شامل وتؤكد توافر بدائل لكن وجود البديل على الورق لا يحل المشكلة عندما يغيب من الصيدليات أو لا يناسب الحالة الطبية أو يرتفع سعره.
ومن ثم يحتاج المريض قبل الاستشارة المرئية إلى وصفة يستطيع صرفها ومعمل قادر على إجراء الفحوص وقسم طوارئ مجهز لأن الشاشة لا توقف نزيفا ولا تجري جراحة ولا توفر جلسة علاج.
كذلك تكشف الأزمة تناقضا حادا بين الإنفاق على المنصات ومراكز التحكم الجديدة وبين الاحتياجات اليومية البسيطة داخل المستشفيات من قفازات ومحاليل وأدوية تخدير ومضادات حيوية وأجهزة تحتاج إلى الصيانة والإصلاح.
وبصورة مباشرة يجب أن يخضع كل جنيه ينفق على مشروع تقني غير واضح التكلفة والعائد لسؤال المقارنة بينه وبين شراء الأدوية وإصلاح الأجهزة وفتح الأقسام المتوقفة وتقليل قوائم الانتظار الطويلة.
لهذا لا يكفي أن تعلن الوزارة أن المستشفى الافتراضي سيدعم الطوارئ والرعاية المركزة بل يجب أن تكشف خريطة المنشآت المرتبطة به ومستوى جاهزيتها وقدرتها على تنفيذ التعليمات الطبية فور صدورها.
وإلى جانب ذلك يظل المريض هو الطرف الغائب عن الاحتفالات الرسمية لأن نجاح المشروع لا يقاس بعدد الشاشات أو غرف القيادة بل بعدد الحالات التي تلقت علاجا حقيقيا وانخفض انتظارها وتحسنت فرص نجاتها.
موازنات عاجزة وكوادر هاربة
أما الموازنات الصحية فتروج لها الحكومة باعتبارها متزايدة سنويا لكن الزيادة الاسمية لا تعني تحسنا حقيقيا مع التضخم وارتفاع تكلفة الأدوية المستوردة والمستلزمات والأجهزة والطاقة والتشغيل وصيانة المنشآت الطبية القديمة.
وبالرغم من الخطاب الرسمي تظل الموازنة العامة محاصرة بفوائد الديون وأقساطها وهو ما يضغط على الإنفاق الاجتماعي ويترك المستشفيات أمام احتياجات متزايدة وموارد محدودة لا تكفي لتقديم خدمة آدمية.
إضافة إلى ذلك تكشف مناقشات الموازنات المتكررة استمرار نقص الاعتمادات المخصصة للمستشفيات الجامعية والعلاج على نفقة الدولة والأدوية بما يؤكد أن الأزمة ليست في غياب الشعارات بل في ضعف التمويل الفعلي.
وبالتوازي يواجه القطاع الصحي عجزا حادا في الأطباء والممرضين بسبب ضعف الأجور وساعات العمل الطويلة والاعتداءات ونقص المستلزمات وهو ما دفع أعدادا كبيرة من الكوادر إلى الهجرة والعمل خارج البلاد.
ومن جهة ثانية لا تستطيع المنصة الافتراضية تعويض طبيب غادر المستشفى لأن الاستشارة عن بعد تحتاج بدورها إلى كوادر مستقرة ومدربة وليست مجرد أجهزة متصلة بشبكة داخل مبنى جديد مزود بالشاشات.
وعليه يبدأ الاستثمار الحقيقي بتحسين أجور الفرق الطبية وتأمين بيئة العمل وتوفير التدريب والسكن بالمناطق النائية قبل الإنفاق على واجهات رقمية تستفيد من الطبيب نفسه دون معالجة أسباب هروبه.
كذلك يجب إعلان موازنة المشروع وتكلفة تشغيله السنوية والجهات المنفذة وعقود الصيانة والتراخيص حتى لا يتحول بعد الاحتفال إلى منظومة معطلة بسبب نقص التمويل أو غياب التدريب أو انتهاء التعاقدات.
وفي المحصلة لا يستهدف الانتقاد رفض التكنولوجيا وإنما رفض استخدامها ستارا يحجب انهيار الأولويات لأن المريض لا يحتاج لقبا قياسيا جديدا بقدر حاجته إلى دواء متاح وطبيب حاضر ومستشفى قادر على علاجه.
وأخيرا سيظل المستشفى الافتراضي فنكوشا حكوميا ما لم يثبت بالأرقام أنه خفض الوفيات والانتظار وحسن الوصول إلى العلاج بينما أي افتتاح بلا شفافية وتمويل للمستشفيات القائمة لن يتجاوز صورة دعائية جديدة.

