أعلن المجلس الأعلى للأزهر تطبيق نظام البكالوريا على طلاب الصف الأول الثانوي بالمعاهد الأزهرية بدءا من العام الدراسي 2026 و2027 ليثير القرار سؤالا مباشرا حول انتقال عدوى نظام مثير للجدل إلى مستقبل التعليم الأزهري.

 

ويضع القرار مؤسسة تعليمية عريقة أمام تجربة لم تثبت نتائجها بعد بينما تمضي السلطة في تعميم تغييرات مصيرية فوقية من دون انتظار تقييم مستقل يحمي الطلاب والأسر من كلفة الارتباك وسوء التخطيط.

 

تغيير قبل التقييم

 

وبداية يقتصر التطبيق على الطلاب الجدد الملتحقين بالصف الأول الثانوي بينما يواصل طلاب الصف الثاني دراستهم وفق النظام الحالي بما ينشئ مرحلتين متوازيتين داخل المعاهد خلال فترة انتقالية مؤقتة وواضحة.

 

وفي المقابل أكد قطاع المعاهد أن المواد الشرعية والعربية ستظل دون تغيير باعتبارها جوهر الهوية الأزهرية ومناهجها التاريخية في محاولة لتهدئة مخاوف الطلاب وأولياء الأمور من ذوبان خصوصية التعليم الديني.

 

كما أوضح مسؤولو الأزهر أن العمل جار لوضع الضوابط والإجراءات التنفيذية التي تناسب طبيعة المعاهد غير أن غياب التفاصيل حتى الآن يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن المناهج والتقييم والامتحانات وطرق التطبيق.

 

ومن جهة أخرى لا ينفصل القرار عن توجه حكومي أوسع لإعادة تشكيل المرحلة الثانوية على أساس تعدد المسارات وتقليل المواد وإتاحة فرص متكررة للامتحان وتحسين النتائج بدلا من فرصة واحدة.

 

علاوة على ذلك يبدأ التخصص في النظام الجديد من الصف الثاني عبر مسارات الطب وعلوم الحياة والهندسة وعلوم الحاسب والأعمال والآداب والفنون بما يغير خريطة الدراسة والاختيارات المبكرة للطلاب داخل المعاهد الأزهرية.

 

غير أن نقل هذه المسارات إلى المعاهد يطرح تحديا إضافيا لأن الطالب الأزهري يدرس مواد شرعية وعربية مكثفة إلى جانب المقررات العلمية والأدبية بما قد يضاعف العبء بدلا من تخفيفه.

 

وبالتالي يصبح السؤال حول كيفية توزيع المواد وعدد الحصص والامتحانات أكثر إلحاحا إذ لا تكفي تطمينات الحفاظ على الهوية من دون نشر خطة دراسية واضحة قابلة للتطبيق داخل المعاهد في الواقع العملي.

 

وفي هذا الإطار يتطلب النظام تأهيل المعلمين وتحديث الجداول وتوفير بنية رقمية وإدارية قادرة على تنظيم فرص الامتحان المتعددة وهي متطلبات قد تواجه تفاوتا كبيرا بين المحافظات والمعاهد المختلفة على أرض الواقع.

 

ومن ثم يخشى أولياء الأمور أن يتحول التطبيق السريع إلى تجربة يتحمل أبناؤهم نتائجها خصوصا أن التعليم العام نفسه لم يقدم بعد دليلا زمنيا كافيا على نجاح البكالوريا أو عدالة مساراتها.

 

هوية تحت الاختبار

 

كذلك يرى أنصار النظام أنه يقلل ضغط الثانوية العامة ويمنح الطالب أكثر من فرصة لتحسين مجموعه ويتيح اختيار مجال يتناسب مع ميوله بدلا من ربط مستقبله كله بامتحان نهائي واحد.

 

أما منتقدوه فيحذرون من أن تعدد المحاولات قد يخلق سوقا جديدة للدروس الخصوصية ويمنح الأسر الأعلى دخلا قدرة أكبر على إعادة الامتحانات والاستعداد لها في كل مرة مقارنة بالطلاب محدودي الموارد.

 

فضلا عن ذلك تثير الرسوم المرتبطة بإعادة بعض الامتحانات مخاوف من تحويل تحسين الدرجات إلى حق غير متكافئ يعتمد على القدرة المالية بما يضرب مبدأ تكافؤ الفرص والعدالة التعليمية داخل التعليم.

 

وفي الوقت نفسه يحتاج الأزهر إلى تحديد العلاقة بين المسارات الجديدة وكليات جامعته إذ لا يزال الطلاب يترقبون قواعد القبول والمواد المؤهلة لكل كلية وكيفية احتساب الدرجات والمحاولات في النظام الجديد.

 

وبناء على ذلك لا تبدو القضية مجرد تغيير في اسم الشهادة بل إعادة هندسة كاملة للمرحلة الثانوية الأزهرية تشمل المناهج والامتحانات والقبول الجامعي ومسار الطالب منذ سن مبكرة داخل المؤسسة العريقة.

 

في المقابل قد يساعد توحيد فلسفة الثانوية بين التعليمين العام والأزهري في تقليل الفجوة بين الخريجين وتسهيل انتقال الطلاب إلى الجامعات لكنه قد يفرض نموذجا لا يراعي اختلاف البنية التعليمية.

 

ومن ناحية ثانية يمتلك التعليم الأزهري تاريخا مستقلا يقوم على الجمع بين العلوم الدينية واللغوية والمعارف الحديثة ولذلك فإن استنساخ نظام التعليم العام قد يضعف خصوصيته إذا غابت صياغة محلية دقيقة.

 

لهذا يطالب مراقبون بنشر وثيقة تنفيذية مفصلة تشرح عدد المواد في كل صف ومسارات التخصص ونظام الامتحانات وموقع المواد الشرعية والعربية وآليات الانتقال إلى الجامعة قبل بدء التطبيق بصورة كاملة وواضحة.

 

وفي غضون ذلك يظل المعلمون طرفا أساسيا في نجاح التجربة لأن أي تغيير في المناهج والتقييم يحتاج إلى تدريب حقيقي ووقت كاف وأدوات تعليمية لا مجرد تعليمات مركزية تصدر قبيل الدراسة.

 

كلفة التنفيذ والعدالة

 

إضافة إلى ذلك تختلف إمكانات المعاهد بين المدن والقرى حيث تعاني مؤسسات من نقص المعلمين والمعامل والتجهيزات وهو ما قد يجعل المسارات المتخصصة متاحة نظريا فقط لبعض الطلاب في الواقع العملي.

 

وفوق ذلك قد يؤدي تفاوت الإمكانات إلى انقسام جديد بين طلاب معاهد قادرة على تقديم المسارات بكفاءة وآخرين محاصرين بخيارات محدودة وهو ما يعمق الفجوة الجغرافية والاجتماعية داخل التعليم الأزهري.

 

نتيجة لذلك لا يكفي إعلان بقاء المواد الشرعية والعربية كما هي لأن جوهر الأزمة يتعلق بكيفية دمجها مع نظام جديد دون إضعافها أو تحميل الطالب جدولا يفوق قدرته اليومية المعتادة.

 

ومع ذلك يمكن للتجربة أن تفتح بابا لتطوير حقيقي إذا خضعت لتقييم مرحلي مستقل وشاركت فيها هيئة التدريس والطلاب والأسر بدلا من التعامل معها كقرار نهائي غير قابل للمراجعة أو التراجع.

 

وعلى صعيد آخر ينبغي إعلان مؤشرات واضحة لقياس النجاح تشمل نسب التسرب والتحصيل والضغط النفسي وتكلفة الدروس والعدالة بين المعاهد حتى لا يتحول التقييم إلى دعاية رسمية منفصلة عن الواقع.

 

وفي المحصلة تبدو عدوى البكالوريا قد وصلت بالفعل إلى الأزهر لكن الاختبار الحقيقي لن يكون في تغيير اسم النظام بل في قدرته على حماية الهوية وتحقيق العدالة وتجنب تكرار أزمات التعليم العام.

 

وأخيرا يظل مستقبل التعليم الأزهري معلقا على تفاصيل لم تعلن بعد إذ قد يصبح النظام فرصة لتحديث مدروس أو عبئا جديدا يوسع الارتباك إذا بدأ قبل اكتمال الاستعداد والتوافق المجتمعي.