أعاد عبد الفتاح السيسي في القاهرة خلال الذكرى 74 لثورة 23 يوليو وعده بأن القادم أفضل داعيا المصريين إلى الصبر رغم الضغوط والأزمات لتتجدد الأسئلة حول حصيلة 12 عاما من الخطاب المتفائل والواقع المتراجع.

 

ويضع هذا الوعد المتكرر المصريين أمام مفارقة سياسية وإنسانية قاسية إذ تطلب السلطة مزيدا من الاحتمال بينما تتآكل الدخول وترتفع الديون والأسعار وتغيب آجال واضحة لنهاية الأزمة أو محاسبة من صنع خياراتها الاقتصادية.

 

وعود تتجدد بلا موعد

 

وبداية قدم السيسي رسالته بوصفها دعوة إلى الأمل مؤكدا أن الدولة تعمل برؤية علمية لبناء مستقبل واعد لكنه ربط تحقق هذا المستقبل بعبور ظروف عصيبة وضغوط جسيمة وتحديات وصفها بغير المسبوقة.

 

ومنذ توليه الحكم عام 2014 ارتبط خطابه بوعود متكررة عن تحسن قريب تارة بعد إنجاز المشروعات القومية وتارة بعد انتهاء إجراءات الإصلاح وتارة أخرى بعد تحمل آثار أزمات محلية وإقليمية متلاحقة.

 

وبالتالي لم تعد عبارة القادم أفضل مجرد تعبير احتفالي عابر بل أصبحت جزءا ثابتا من خطاب السلطة يستخدم لطلب الوقت وامتصاص الغضب وتأجيل تقييم السياسات التي انعكست مباشرة على حياة المواطنين.

 

كما قدمت قناة السويس الجديدة والمؤتمرات الاستثمارية والعاصمة الإدارية وغيرها باعتبارها محطات ستطلق طفرة اقتصادية واسعة لكن النتائج المعيشية لم تمنح أغلبية المصريين إحساسا مماثلا بالرخاء أو الاستقرار المالي المأمول.

 

وفي المقابل عاد السيسي خلال المؤتمر الاقتصادي عام 2022 ليقول إنه لم يقدم وعودا جميلة منذ البداية وإنه تحدث صراحة عن تحديات ضخمة وهو ما بدا محاولة لإعادة تفسير الخطاب السابق بعد تعثر نتائجه.

 

ومن ناحية أخرى حمل أحداث 2011 و2013 وجماعة الإسلام السياسي مسؤولية جانب كبير من الأزمات الراهنة رغم مرور سنوات طويلة امتلكت خلالها السلطة الحالية أدوات القرار والتشريع والإنفاق دون رقابة سياسية حقيقية.

 

علاوة على ذلك يكشف الجمع بين نفي الوعود وتجديدها تناقضا مركزيا إذ تؤكد السلطة كل مرة أن المستقبل الأفضل قريب ثم تتراجع عند المحاسبة إلى القول إن أحدا لم يتعهد أصلا بنتائج سهلة.

 

غير أن الخطاب الرسمي لا يقدم تاريخا محددا لانتهاء مرحلة الصبر ولا مؤشرات قابلة للقياس تسمح للمواطن بتقييم النجاح بل يكتفي باستدعاء الأخطار الإقليمية والدولية لتبرير تمديد المهلة السياسية والاقتصادية.

 

ديون تلتهم المستقبل

 

وبحسب الأرقام المتاحة بلغ الدين الخارجي المصري نحو 163.9 مليار دولار بنهاية 2025 وهو مستوى يعكس اتساع الاعتماد على الاقتراض لتمويل الإنفاق والالتزامات الخارجية بعد سنوات من الوعود بخفض أعباء الدين.

 

وفي الوقت نفسه فقد الجنيه المصري أكثر من 90% من قيمته أمام الدولار خلال العقد الأخير ما رفع أسعار الغذاء والدواء والوقود والإيجارات وحول أي زيادة محدودة في الأجور إلى تعويض سريع التآكل.

 

إضافة إلى ذلك ارتبطت سنوات الحكم بإنفاق ضخم على مشروعات بنية تحتية وعقارية كبرى قدمتها السلطة باعتبارها قاطرة للنمو بينما رأى منتقدون أنها استنزفت التمويل ووسعت الديون دون عائد إنتاجي سريع.

 

ومن ثم أصبحت العاصمة الإدارية رمزا لهذا الجدل إذ تفاخر الحكومة بقيمتها وأصولها بينما يسأل المواطن عن أولوية الإنفاق على مدينة جديدة في ظل تراجع الخدمات العامة وارتفاع كلفة المعيشة اليومية.

 

كذلك أظهرت استطلاعات سابقة أن قطاعا واسعا من المصريين لا يرى الوعود وقد تحققت على الأرض خاصة مع استمرار الغلاء وتراجع القوة الشرائية واتساع الفجوة بين الأسعار والدخول في المدن والقرى.

 

وفوق ذلك لا تعكس المؤشرات الاقتصادية وحدها عمق الأزمة لأن ملايين الأسر اضطرت إلى تقليل الإنفاق على الطعام والعلاج والتعليم وتأجيل الزواج والسكن بينما أصبح الادخار ترفا بعيدا عن الطبقات المتوسطة والفقيرة.

 

ولهذا يبدو طلب الصبر منفصلا عن توزيع عادل للتكلفة إذ يتحمل المواطن زيادات الضرائب والرسوم والأسعار بينما تستمر مشروعات الإنشاء والاقتراض وبيع الأصول دون نقاش مجتمعي واسع أو رقابة برلمانية مستقلة.

 

في المقابل يرى مؤيدو السيسي أن جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية وصراعات المنطقة أثرت على الاقتصاد المصري وأربكت سلاسل الإمداد ورفعت أسعار الطاقة والغذاء بما يتجاوز قدرة أي حكومة منفردة.

 

ومع ذلك يرد المنتقدون بأن الأزمات الخارجية لا تفسر وحدها هشاشة الاقتصاد ولا انخفاض العملة بهذا الحجم لأن السياسات المحلية المتعلقة بالديون والاستيراد والمشروعات والعجز الإنتاجي ضاعفت أثر الصدمات بدلا من امتصاصها.

 

الصبر يفقد مصداقيته

 

وبناء على ذلك يتحول الجدل من سؤال وجود تحديات إلى سؤال كيفية إدارتها ومن دفع ثمنها ولماذا استمرت الأولويات نفسها رغم ظهور نتائجها في التضخم والدين ونقص العملة وتراجع مستوى المعيشة.

 

أما سياسيا فإن تكرار الوعد يختبر قدرة الخطاب الرسمي على الحفاظ على الثقة بعد أكثر من عقد إذ يصعب مطالبة الناس بتصديق المستقبل نفسه بينما تتدهور مؤشرات حاضرهم عاما بعد عام.

 

وفي السياق ذاته تعتمد السلطة على المناسبات الوطنية لتقديم سردية تربط الصبر بالوطنية وتجعل الاعتراض أقرب إلى التشكيك في الدولة بينما يطالب المواطن بحق طبيعي في مساءلة السياسات دون اتهامه بعدم الاحتمال.

 

فضلا عن ذلك يضع غياب المجال السياسي المفتوح الإعلام الرسمي في موقع المروج الوحيد للرواية الحكومية وهو ما يمنع نقاشا علنيا متوازنا حول البدائل ويحول الوعود إلى رسائل أحادية بلا اختبار جدي.

 

نتيجة لذلك يتزايد استقبال الخطابات المتفائلة بالسخرية أو الشك على منصات التواصل لأن المواطن يقارن العبارات بحسابات السوق وفاتورة الكهرباء وسعر الدواء والإيجار ولا يجد تحسنا يوازي حجم التضحيات المطلوبة.

 

بالتوازي يصبح السؤال الأهم ليس ما إذا كان القادم قد يكون أفضل نظريا بل ما السياسات المحددة التي ستجعل ذلك ممكنا وما الجدول الزمني ومن يتحمل المسؤولية إذا تكررت الوعود دون نتائج.

 

وعلى هذا الأساس يحتاج استعادة الثقة إلى شفافية في أرقام الدين والإنفاق وأولويات المشروعات وإلى حماية اجتماعية حقيقية وربط الأجور بالأسعار وفتح المجال أمام رقابة مستقلة تراجع القرارات قبل تحولها إلى أزمات.

 

وأخيرا تكشف رسالة يوليو أن خطاب الصبر بلغ مرحلة الاختبار الأشد فبعد 12 عاما لم يعد الأمل وحده كافيا لإقناع مجتمع أنهكته الديون والغلاء بل أصبحت النتائج الملموسة الشرط الوحيد لاستعادة المصداقية.