أثارت دعوات جديدة، أطلقها مسؤولون وشخصيات محسوبة على دوائر الحكم في مصر لصياغة دستور جديد، تساؤلات حول ما إذا كانت القاهرة تستعد لترتيبات سياسية جديدة لما بعد عام 2030. ويرى الكاتب سام حمد، في تقرير نشره موقع «العربي الجديد»، أن هذه الدعوات، بالتزامن مع تشجيع هادئ للأحزاب السياسية على توسيع نشاطها العلني، قد تمثل بداية نقاش أوسع حول مستقبل الحياة السياسية في مصر بعد انتهاء الولاية الحالية رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي.
وبحسب مصادر مصرية تحدثت إلى «العربي الجديد»، شارك ممثلو عدد من الأحزاب السياسية مؤخرًا في اجتماع مع جهة حكومية تتولى الإشراف على الشؤون السياسية، حيث شُجعت الأحزاب على زيادة نشاطها البرلماني والإعلامي. وقالت المصادر إن المشاركين تلقوا دعوات لتنظيم مزيد من الفعاليات العامة والظهور الإعلامي، مع السماح بقدر محدود من الانتقاد في بعض القضايا، ضمن ما وصفته المصادر بـ«الخطوط الحمراء» التي تضعها الدولة.
ورغم عدم مناقشة مسألة تعديل الدستور بصورة مباشرة خلال الاجتماع، أشارت المصادر إلى أن أجواء اللقاء توحي بإمكانية دخول القضية إلى دائرة النقاش السياسي الأوسع خلال الأشهر المقبلة.
دعوات لصياغة دستور جديد بدلًا من تعديل دستور 2014
وجاء أحدث طرح علني بشأن الدستور الثلاثاء، عندما دعا عضو مجلس الشيوخ ورئيس حزب المصريين الأحرار عصام خليل إلى صياغة دستور جديد لمصر، بدلًا من الاستمرار في إدخال تعديلات على دستور عام 2014.
وقال خليل في بيان إن «الجمهورية الجديدة» التي تتشكل في عهد السيسي تحتاج إلى «حوار وطني جاد حول بناء منظومة دستورية وتشريعية حديثة تواكب احتياجات الدولة المصرية خلال العقود المقبلة»، بعيدًا عن الحلول الجزئية أو معالجة المشكلات بصورة منفردة.
وأضاف أن مصر تحتاج إلى دستور يعبر عن فلسفة «الجمهورية الجديدة»، بما يحقق الاستقرار المؤسسي، ويمنح السلطة التشريعية المساحة اللازمة لتطوير القوانين بما يتناسب مع احتياجات المجتمع وتغير الظروف.
وجاءت تصريحات خليل بعد مواقف مشابهة أطلقها رئيس محكمة الاستئناف خالد القاضي خلال ندوة في مكتبة الإسكندرية، حيث قال إن دستور 2014 صيغ في ظل ظروف استثنائية، وإن مصر تحتاج حاليًا إلى وثيقة دستورية تعكس المرحلة الراهنة من تطورها.
وتعيد هذه التصريحات فتح ملف التعديلات الدستورية، لكن بصورة تختلف عن النقاشات التي سادت خلال السنوات الماضية. فبعد إقرار دستور 2014، تركزت المناقشات بصورة أساسية على تعديل مواد محددة، خصوصًا المواد المتعلقة بمدد الرئاسة.
وفي عام 2019، أقرت تعديلات دستورية رفعت مدة الولاية الرئاسية من أربع سنوات إلى ست، وسمحت للسيسي بالبقاء في منصبه حتى عام 2030. أما المقترحات الجديدة فتتجاوز تعديل مواد بعينها، وتدعو إلى استبدال الدستور الحالي بالكامل.
هل يمهد الدستور الجديد لبقاء السيسي بعد 2030؟
قال خبير الشأن المصري والأستاذ المساعد في جامعة سايمون فريزر، روبرت سبرينجبورج، إن هذه التحركات لا تعني بالضرورة وجود نقاش محسوم داخل النظام، لكنها قد تعكس محاولة لجس نبض النخب السياسية بشأن الخطوات المحتملة.
وأوضح سبرينجبورج لـ«العربي الجديد» أن هناك فرقًا بين «وجود نقاش حقيقي» وبين مجرد طرح فكرة النقاش، مشيرًا إلى احتمال أن تكون الدائرة المقربة من السيسي تختبر آراء النخب بشأن إمكانية اتخاذ خطوات تسمح بتمديد رئاسته بعد انتهاء ولايته الحالية في 2030.
وأضاف أن النقاش قد يتراوح بين صياغة دستور جديد بالكامل وإجراء تعديل أضيق نطاقًا يركز على المادة 140، التي تمنع السيسي حاليًا من الترشح لولاية جديدة بعد عام 2030.
ويرى سبرينجبورج أن السؤال الأوسع يتمثل في التغييرات الدستورية التي يرى السيسي وأنصاره أنها ضرورية لترسيخ «الجمهورية الجديدة» أو «الجمهورية الثانية» وإطالة عمرها بعد انتهاء فترة حكم السيسي، ومدى قبول هذه التغييرات سياسيًا.
وأشار الخبير إلى أهمية توقيت هذه الدعوات، موضحًا أن أي تعديلات دستورية تحتاج إلى موافقة ثلثي أعضاء البرلمان، ثم طرحها في استفتاء شعبي وفقًا للمادة 226 من الدستور، ما يعني أن أي إصلاح دستوري سيحتاج إلى إعداد سياسي دقيق.
وقال إن نظام السيسي يحرص دائمًا على إظهار صورة الالتزام بالقانون والكفاءة، ولذلك فإن الإسراع في تمرير تعديلات دستورية قد يتعارض مع هذه الصورة التي يسعى إلى ترسيخها.
من جانبه، شكك الخبير في القانون الدستوري والسياسي الناصري حامد جبر في توقيت هذه الدعوات، متسائلًا عما إذا كانت تعكس توجهًا داخل السلطة التنفيذية، أم أنها مجرد مبادرات شخصية، وما إذا كان لدى الرئيس أسباب تدفعه إلى تبني مثل هذا الاقتراح.
وقال جبر لـ«العربي الجديد»، إن تعديلات عام 2019 حسمت بالفعل مسألة مدد الرئاسة، بينما وسعت في الوقت نفسه صلاحيات السلطة التنفيذية بصورة كبيرة، ما جعل مبدأ الفصل بين السلطات، بحسب تعبيره، «مجرد حبر على ورق».
وحذر من أن صياغة دستور جديد بهدف إزالة القيود المفروضة على مدد الرئاسة ستؤدي فعليًا إلى «إطفاء الأمل في انتقال السلطة» وتقويض أي طريق نحو حياة ديمقراطية حقيقية.
ومع ذلك، قال جبر إنه لا يعتقد، في الوقت الراهن على الأقل، أن الشخصيات التي تدعو إلى تغيير الدستور تلقت توجيهات مباشرة للقيام بذلك.
جدل سياسي مبكر حول مستقبل الجمهورية الجديدة
ويرى جبر أن صياغة دستور جديد يمكن أن توفر مسارًا قانونيًا وسياسيًا للالتفاف على القيود التي يفرضها الدستور الحالي، معتبرًا أن التصريحات الأخيرة قد تمثل «بداية طرح الفكرة في المجال العام»، تمهيدًا لفتح نقاش سياسي وإعلامي أوسع حولها.
ولم تعلن مؤسسة الرئاسة أو الحكومة أو البرلمان حتى الآن تأييدها الرسمي لفكرة صياغة دستور جديد. لكن الدعوات العلنية الصادرة عن شخصيات محسوبة على دوائر الحكم، إلى جانب التحركات غير المعلنة لتشجيع الأحزاب على زيادة نشاطها السياسي والإعلامي، أثارت تكهنات جديدة بشأن مستقبل الإطار الدستوري في مصر قبل انتهاء الولاية الحالية للرئيس عبد الفتاح السيسي عام 2030.
ويفتح هذا الجدل الباب أمام عدة سيناريوهات، بدءًا من استمرار العمل بالدستور الحالي مع إدخال تعديلات محدودة، وصولًا إلى صياغة دستور جديد يعيد تعريف شكل «الجمهورية الجديدة» وصلاحيات مؤسسات الدولة.
وفي الوقت نفسه، يظل مستقبل مدد الرئاسة النقطة الأكثر حساسية في أي نقاش دستوري مرتقب، خصوصًا مع اقتراب عام 2030.
وبينما لا يزال من المبكر الجزم بوجود خطة رسمية لتغيير الدستور أو تمديد حكم السيسي، فإن انتقال الحديث من تعديل مواد محددة إلى الدعوة لصياغة دستور جديد يمثل تحولًا لافتًا في طبيعة النقاش السياسي المصري، وقد يكون مؤشرًا على استعداد دوائر داخل النظام لفتح نقاش أوسع حول شكل الدولة ومستقبل السلطة خلال السنوات المقبلة.
https://www-newarab-com.cdn.ampproject.org/v/s/www.newarab.com/news/inside-egypts-new-constitution-debate-and-sisis-future?amp=&_gsa=1&_js_v=a9&usqp=mq331AQIUAKwASCAAgM%3D#amp_tf=From%20%251%24s&aoh=17848284828418&referrer=https%3A%2F%2Fwww.google.com&share=https%3A%2F%2Fwww.newarab.com%2Fnews%2Finside-egypts-new-constitution-debate-and-sisis-future

