كشفت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، المستندة إلى بحث شمل 22 ألف أسرة في مصر، تراجع جودة العمل والأجور، بالتزامن مع إعلان بطالة عند 6% واتجاه لفرض ضريبة 14% على الإيجارات الإدارية، بما يوسع الأعباء المعيشية.
سياسياً وإنسانياً، تفضح الأرقام تناقضاً صارخاً بين احتفاء الحكومة بمعدلات التشغيل وبين واقع ملايين العاملين الذين يتقاضون أجوراً هزيلة دون عقود أو تأمين، ثم يواجهون ضرائب جديدة تلتهم ما تبقى من دخولهم.
أجور تحت الضغوط
وبحسب البحث السنوي للقوى العاملة لعام 2025، يواجه نحو ثلثي العاملين في القطاع الخاص ظروفاً قاسية تحرمهم من العمل اللائق، وتكشف اتساع الفجوة بين الأجر الفعلي والاحتياجات الأساسية للأسر المصرية.
كما أن البحث اعتمد على عينة بلغت 22 ألف أسرة موزعة على 1800 منطقة في مختلف المحافظات، ما يمنح مؤشراته أهمية واسعة في قياس أوضاع التشغيل والدخول والحماية الاجتماعية داخل سوق العمل.
ومن جهة أخرى، سجل متوسط الأجر الشهري للعامل نحو 6450 جنيهاً مقابل عمل فعلي لمدة 26 يوماً، وهو مستوى يقل عن الحد الأدنى القانوني المحدد عند 7000 جنيه رغم ارتفاع الأسعار.
وبالتالي، يعمل كثير من الموظفين شهراً شبه كامل دون أن يصل دخلهم إلى الحد الأدنى الذي أعلنته الدولة نفسها، بما يحول التشريع إلى رقم نظري لا يضمن حياة كريمة أو حماية فعلية.
إضافة إلى ذلك، ارتفعت نسبة أصحاب المهن العلمية الذين يحصلون على أجور متدنية إلى 24.6% خلال 2025، مقارنة بنحو 16.7% في العام السابق، بما يكشف تراجع قيمة المؤهلات والخبرات.
وفي قطاع التعليم، صعدت نسبة العاملين منخفضي الأجر من 12.9% إلى 21.2% خلال عام واحد، وهو ارتفاع يعكس تدهور أوضاع القائمين على إعداد الأجيال وتحميلهم أعباء تفوق دخولهم.
أما في قطاعي الصحة والعمل الاجتماعي، فقد ارتفعت النسبة من 15.4% إلى 19.2%، رغم اعتماد المجتمع على العاملين فيهما لتقديم خدمات أساسية يفترض أن تقابلها أجور وحماية وظيفية مناسبة.
وفوق ذلك، أشارت دراسة لمنظمة العمل الدولية صادرة في فبراير 2025 إلى أن نحو 65% من العمالة غير المنتظمة بين الرجال تتقاضى أقل من الحد الأدنى، بما يعكس هشاشة واسعة.
وبالنسبة للنساء، ترتفع النسبة إلى نحو 91%، وهو ما يكشف وجهاً أكثر قسوة للأزمة، حيث تتقاطع الأجور المنخفضة مع التمييز وضعف الحماية والاعتماد على أعمال غير مستقرة.
كذلك، لم تتجاوز نسبة المشتركين في التأمينات الاجتماعية 37.7% من العاملين، ما يعني أن أغلبية واسعة تعمل دون ضمانات كافية عند التقاعد أو الإصابة أو فقدان الوظيفة.
وعلى صعيد التأمين الصحي، بلغت نسبة المشمولين 33.7% فقط، وهو مستوى يترك ملايين العمال وأسرهم معرضين لتكاليف العلاج المرتفعة، رغم مساهمتهم اليومية في تشغيل المؤسسات وتحقيق أرباحها.
فضلاً عن ذلك، لم تتخط نسبة العاملين بعقود قانونية موثقة 36.3%، بما يوضح أن غالبية سوق العمل تفتقر إلى الوثائق التي تحفظ الأجر وساعات العمل والإجازات والتعويضات.
بطالة على الورق
في المقابل، أعلن وزير العمل تراجع معدل البطالة إلى 6% خلال الربع الأول من عام 2026، وقدمت الحكومة الرقم باعتباره دليلاً على تحسن سوق العمل ونجاح سياسات التشغيل.
غير أن خبراء ومتخصصين شككوا في دلالة المؤشر، خصوصاً أن منهجية الاحتساب قد تصنف من عمل ساعة واحدة فقط خلال أسبوع كامل باعتباره شخصاً مشتغلاً وخارج صفوف البطالة.
ومن ثم، لا تعكس نسبة البطالة المعلنة بالضرورة وجود وظائف مستقرة أو أجور كافية، إذ يمكن أن تضم فئة المشتغلين أشخاصاً يعملون ساعات محدودة أو بصورة متقطعة ودون حماية.
وفي هذا السياق، وصفت أستاذة الإحصاء هبة الليثي هذه الحالة بأنها تشغيل غير كامل، موضحة أن مجرد وجود نشاط محدود لا يعني أن العامل حصل على فرصة كافية لتلبية احتياجاته.
بعبارة أخرى، قد يتراجع رقم البطالة بينما تتسع البطالة المقنعة والعمل الهش، فتبدو المؤشرات الرسمية إيجابية على الورق، في حين يواصل المواطن البحث عن ساعات إضافية أو مصدر دخل آخر.
علاوة على ذلك، أشارت مؤسسة التدريب الأوروبية في تقرير صدر عام 2025 إلى أن انخفاض البطالة قد ينتج عن توقف بعض الباحثين عن العمل عن البحث بعدما فقدوا الأمل.
وبناء على ذلك، يمكن أن يخرج المواطن من قوة العمل إحصائياً دون أن يحصل على وظيفة، فتتحسن النسبة الحكومية ظاهرياً بينما يبقى عاطلاً فعلياً بلا دخل أو فرصة مناسبة.
وفي الوقت نفسه، يسمح التركيز على معدل البطالة وحده بتجاهل مؤشرات أكثر ارتباطاً بحياة الناس، مثل الأجر وساعات العمل والتأمين والعقود والاستقرار والقدرة على مواجهة تكاليف المعيشة.
لهذا، يصبح الحديث عن التشغيل الكامل مضللاً عندما يتقاضى العامل أقل من الحد الأدنى، أو يعمل دون عقد، أو يخشى الفصل المفاجئ، أو يضطر إلى الجمع بين أكثر من وظيفة.
ضرائب فوق الأعباء
على صعيد آخر، تتجه الحكومة إلى إضافة أعباء ضريبية على القطاع العقاري، بعدما فرضت ضريبة على السكن الخاص الذي تتجاوز قيمته الإيجارية السنوية 100 ألف جنيه.
وبالتوازي مع ذلك، يجري التحرك لإخضاع تأجير الوحدات والمباني الإدارية لضريبة القيمة المضافة بنسبة 14%، وهي خطوة يتوقع أن ترفع تكاليف الشركات والمكاتب والأنشطة الخدمية.
نتيجة لذلك، حذر عاملون وخبراء في السوق من دخول الملاك والمستأجرين في موجة مفاوضات لإعادة هيكلة العقود، مع محاولة كل طرف تجنب تحمل الزيادة الضريبية الجديدة وحده.
ومن ناحية الملاك، قد يجري تحميل الضريبة على القيمة الإيجارية للحفاظ على هامش الربح، بينما سيطالب المستأجرون بخفض الإيجار الأساسي حتى لا ترتفع التكلفة الإجمالية بصورة تهدد نشاطهم.
في المقابل، لا تأتي الضريبة الجديدة منفردة، إذ يتحمل القطاع بالفعل الضريبة العقارية وضريبة الدخل على الأرباح والإيرادات الإيجارية، بما يزيد الشعور بتراكم الجباية دون تحسن مواز في الخدمات.
وعليه، قد تنتقل الكلفة من أصحاب العقارات والشركات إلى المستهلك النهائي عبر زيادة أسعار السلع والخدمات، فيدفع المواطن الضريبة بصورة غير مباشرة إلى جانب تراجع أجره الحقيقي.
أخيراً، تجمع المؤشرات بين أجور تقل عن الحد القانوني وبطالة محسوبة بمعايير لا تكشف التشغيل الهش وضرائب جديدة ترفع النفقات، لتؤكد أن الخطاب الرسمي يتحسن بينما تتدهور حياة العاملين.

