تسلمت مصر 1.5 مليار يورو من الاتحاد الأوروبي ضمن برنامج مساعدات مالية كلية قيمته 4 مليارات يورو، بهدف سد جزء من الفجوة التمويلية ودعم الاستقرار الاقتصادي، بينما تتصاعد الأسئلة حول جدوى القروض وأثرها على حياة المواطنين.

 

سياسيا وإنسانيا، تكشف الشريحة الجديدة استمرار إدارة الأزمة بمنطق الاستدانة لا بمنطق الإنتاج، إذ تتحمل الأسر كلفة التضخم والضرائب ورفع الأسعار، بينما تقدم السلطة القروض باعتبارها إنجازا رغم أنها تضيف التزامات جديدة إلى أعباء الدولة.

 

أولا، تأتي الأموال الأوروبية في لحظة تعاني فيها الموازنة من ارتفاع خدمة الدين واتساع الاحتياجات التمويلية، بما يجعل أي تدفق خارجي متنفسا مؤقتا للخزانة، لكنه لا يغير وحده البنية الهشة للاقتصاد أو مصادر ضعفه المزمنة.

 

ثانيا، يرتبط صرف المساعدات بتنفيذ حزمة إصلاحات اقتصادية ومالية متفق عليها مع الاتحاد الأوروبي، بالتوازي مع التزامات برنامج صندوق النقد الدولي، ما يعني أن التمويل ليس منحة مفتوحة بل قرض مشروط بسياسات وتوقيتات محددة.

 

ثالثا، تستهدف الآلية الأوروبية مساعدة القاهرة على تغطية جزء من احتياجاتها الخارجية والحفاظ على الاستقرار الكلي، لكنها لا تقدم ضمانا بأن تتحول الأموال إلى استثمارات منتجة أو وظائف مستقرة أو تحسين مباشر في الدخول والخدمات العامة.

 

رابعا، يمنح وصول 1.5 مليار يورو الحكومة قدرة أكبر على الوفاء بالتزامات عاجلة وتدبير العملة الأجنبية، غير أن هذه القدرة تظل مرهونة باستمرار تدفقات مماثلة، وهو ما يعمق اعتماد الاقتصاد على الخارج بدل تقوية موارده الذاتية.

 

خامسا، لا يمكن فصل الشريحة الجديدة عن سلسلة ممتدة من القروض والودائع وصفقات بيع الأصول التي استخدمت خلال السنوات الماضية لتخفيف ضغوط النقد الأجنبي، دون بناء قاعدة إنتاجية قادرة على إنهاء الحاجة الدائمة إلى التمويل الخارجي.

 

تمويل يؤجل المواجهة

 

وبالتالي، يصبح السؤال الحقيقي ليس عن حجم الأموال التي وصلت، بل عن قدرتها على وقف دوامة الاقتراض، لأن استخدام القروض لسداد التزامات سابقة يترك أصل الأزمة قائما ويؤجل لحظة المواجهة بدل أن يصنع حلا مستداما.

 

كما أن توجيه التمويل إلى سد فجوات الموازنة وخدمة الدين يقلل من أثره التنموي، إذ لا يشعر المواطن بتحسن لمجرد ارتفاع الاحتياطي أو استقرار مؤقت لسوق الصرف، طالما ظلت الأسعار والدخول والخدمات تحت الضغط.

 

لذلك، تبدو الشريحة الأوروبية أقرب إلى شراء وقت إضافي أمام الحكومة، فهي تخفف ضغوطا عاجلة وتمنع اختناقا ماليا، لكنها لا تعالج تراجع الإنتاجية وضعف الصادرات ولا تعيد التوازن بين الإنفاق العام والموارد الحقيقية.

 

ومن ثم، يتحول التمويل الخارجي من أداة مساعدة للنمو إلى ضرورة متكررة لبقاء النظام المالي قادرا على الحركة، وهي حالة تكشف أن الاقتصاد لم يعد يمول احتياجاته من نشاطه الطبيعي، بل من قروض واستثمارات سريعة الخروج.

 

غير أن القروض الميسرة تظل ديونا واجبة السداد، حتى إن جاءت بفوائد أقل وفترات سماح أطول، وهو ما يعني انتقال العبء إلى موازنات لاحقة وأجيال لم تشارك في صناعة القرارات التي رتبت هذه الالتزامات.

 

علاوة على ذلك، يؤدي تراكم الديون إلى تضييق المساحة المتاحة للإنفاق على الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، لأن جزءا متزايدا من الإيرادات يذهب لخدمة القروض، بينما تواصل الحكومة تحميل المواطنين كلفة العجز عبر الرسوم والضرائب والأسعار.

 

بناء على ذلك، فإن نجاح التمويل لا يقاس بوصوله إلى البنك المركزي، بل بقدرته على تمويل مشروعات تنتج سلعا قابلة للتصدير وتوفر وظائف مستقرة وتقلل الواردات، وهي نتائج لم تظهر بصورة كافية خلال موجات الاقتراض السابقة.

 

في المقابل، قد يساهم التدفق الأوروبي في تهدئة سوق العملة وتقليل ضغوط الاستيراد مؤقتا، لكن هذا الأثر يظل معرضا للتآكل سريعا إذا استمرت فاتورة الاستيراد مرتفعة ولم تتحسن الإيرادات الدولارية من مصادر إنتاجية دائمة.

 

اقتصاد بلا محركات كافية

 

إلى جانب ذلك، يواجه الاقتصاد أزمة أعمق من نقص السيولة، تتمثل في ضعف تنافسية الصناعة وتراجع مساهمة القطاعات القادرة على التصدير، مقابل توسع أنشطة تعتمد على الإنفاق العام والعقارات والمشروعات الكبرى كثيفة التمويل ومحدودة العائد النقدي.

 

فضلا عن ذلك، يضغط الحضور الواسع للدولة وأجهزتها في النشاط الاقتصادي على فرص القطاع الخاص، ويخلق تفاوتا في المنافسة والوصول إلى الأراضي والتمويل والتعاقدات، بما يضعف الاستثمار المنتج ويحد من قدرته على خلق وظائف طويلة الأجل.

 

في السياق نفسه، أكد صندوق النقد الدولي أن استدامة الاستقرار تتطلب تسريع الإصلاحات الهيكلية وتقليص بصمة الدولة وتحسين بيئة الأعمال، بينما أشار إلى أن التقدم في بيع الأصول وتحقيق تكافؤ الفرص ظل أبطأ من المستهدف.

 

مع ذلك، لا تكفي دعوات تقليص دور الدولة إذا تحولت الخصخصة إلى بيع أصول لسد عجز عاجل، لأن الإصلاح الحقيقي يتطلب شفافية في التقييم والمنافسة، وحماية المال العام، وتوجيه الحصيلة إلى الاستثمار لا الاستهلاك المالي المؤقت.

 

وفوق ذلك، يؤدي الاعتماد على الأموال الساخنة إلى هشاشة شديدة أمام تغير الفائدة العالمية أو التوترات السياسية، إذ يمكن لهذه الاستثمارات أن تدخل سريعا بحثا عن العائد ثم تخرج بالسرعة نفسها، تاركة ضغطا جديدا على العملة.

 

وبالمثل، لا يمكن اعتبار بيع الأصول موردا دائما، فهو يوفر سيولة لمرة واحدة لكنه يقلل ما تملكه الدولة من ممتلكات منتجة، وإذا استخدمت الحصيلة لسداد التزامات جارية فلن يتبقى أصل ولا مورد مستدام للمستقبل.

 

وعليه، يحتاج الاقتصاد إلى تحول واضح نحو الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والسياحة عالية القيمة، مع سياسات تدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة وتخفض كلفة التمويل والطاقة والنقل، بدلا من استمرار نموذج يقوم على الاقتراض والإنفاق ثم الاقتراض مجددا.

 

المواطن يدفع الفاتورة

 

أما المواطن، فلا يقيس نجاح البرنامج بعدد المليارات التي تدخل الحسابات الحكومية، بل بسعر الخبز والدواء والإيجار والمواصلات وفاتورة الكهرباء، وبقدرة راتبه على الصمود أمام التضخم وانخفاض قيمة الجنيه وتراجع الخدمات العامة.

 

وبالتوازي، تكشف فجوة الخطاب الرسمي أن الاستقرار المالي المعلن لا ينعكس تلقائيا على مستويات المعيشة، لأن إجراءات التصحيح غالبا ما تبدأ برفع الأسعار وتقليص الدعم وزيادة الضرائب، بينما تتأخر مكاسب النمو أو لا تصل إلى الفئات الأضعف.

 

في الوقت نفسه، تتحمل الطبقات الوسطى والفقيرة كلفة السياسات عبر تآكل الأجور والمدخرات، فيما تظل شبكات الحماية الاجتماعية محدودة أمام حجم الغلاء، ما يجعل القرض الأوروبي وسيلة لحماية التوازنات المالية أكثر من حماية الحياة اليومية للمصريين.

 

من ناحية أخرى، لا توجد قيمة اجتماعية حقيقية للتمويل إذا لم يرتبط بخطة معلنة توضح أين ستذهب الأموال وكيف ستخفض الدين وتزيد الإنتاج، مع رقابة برلمانية ومجتمعية تضمن عدم تبديدها في مشروعات ضعيفة العائد أو نفقات غير ضرورية.

 

لهذا، تظل الشريحة الجديدة فرصة مشروطة لا إنجازا مكتملا، إذ يمكن استخدامها لتخفيف الأزمة وبدء إصلاح إنتاجي جاد، كما يمكن تبديدها في إعادة تدوير الديون واستمرار السياسات نفسها حتى موعد استحقاق القرض التالي.

 

وأخيرا، لا تنقذ المليارات اقتصادا يفتقر إلى محركات إنتاج قوية وعدالة في توزيع الأعباء، فالخروج من الأزمة يبدأ بخفض الدين وزيادة الصادرات وتمكين القطاع الخاص وحماية الفقراء، لا بتقديم كل قرض جديد بوصفه نهاية للأزمة.