أعلنت وزارة المالية تخصيص 822.8 مليار جنيه لأجور العاملين بالدولة في موازنة 2026 و2027، مع رفع الحد الأدنى إلى 8 آلاف جنيه، بينما قفزت مخصصات المستشارين ومساعدي الوزراء إلى 437.5 مليون جنيه، بما يعمق فجوة العدالة داخل الجهاز الحكومي.
ويفضح هذا التوزيع خطاب التقشف الرسمي، إذ تطلب السلطة من الموظف مواجهة الغلاء بزيادة تلتهمها الأسعار، ثم توسع إنفاقها على دوائر المستشارين والمقربين، بينما تتراجع حصة الأجور من الإنفاق العام ويتآكل مستوى المعيشة.
زيادة لا تهزم الغلاء
بدايةً، تستعد الحكومة لصرف رواتب يوليو بالزيادات الجديدة، غير أن الحد الأدنى البالغ 8 آلاف جنيه يأتي بعد موجات متلاحقة من التضخم وخفض قيمة الجنيه، ما يقلص أثر الزيادة قبل وصولها فعليًا إلى جيوب العاملين.
وفي المقابل، ارتفعت مخصصات الأجور الإجمالية إلى 822.8 مليار جنيه، لكنها لا تمثل سوى نحو 3.33 في المئة من الناتج المحلي و15.86 في المئة من المصروفات، بما يكشف تراجع وزن الموظفين داخل أولويات الإنفاق.
ومن زاوية أخرى، انخفض نصيب الأجور من المصروفات العامة من نحو 19 في المئة خلال 2022 و2023 إلى 15.86 في المئة بالموازنة الحالية، وهو تراجع يعكس تحميل العاملين جانبًا من فاتورة الانضباط المالي.
وبحسب الباحثة الاقتصادية سلمى حسين، فإن الموازنة لا تقاس بحجم الزيادة الاسمية وحده، بل بقدرتها الحقيقية على حماية الأجور من التضخم، لأن ارتفاع الأسعار يلتهم الزيادات ويحولها إلى تعويض مؤقت لا يحقق تحسنًا معيشيًا.
وإضافةً إلى ذلك، تشير قراءة حسين للموازنة إلى أن فوائد الديون تتفوق على مخصصات الأجور والدعم والصحة والتعليم مجتمعة، ما يعني أن خدمة المقرضين أصبحت أسبق من حماية الموظفين وتمويل الخدمات الأساسية للمواطنين.
وعلى هذا الأساس، تبدو زيادة الرواتب جزءًا من إدارة الغضب لا من إصلاح هيكل الأجور، إذ لا يصاحبها ضبط للأسعار أو توسع حقيقي في الخدمات العامة، بينما تستمر الضرائب والرسوم ورفع الدعم.
وبالتالي، يواجه الموظف زيادة ورقية تصطدم بتكاليف الغذاء والإيجارات والمواصلات والعلاج، فيما ترفض الحكومة ربط الأجور تلقائيًا بالتضخم، وتترك ملايين الأسر تحت رحمة سوق منفلت وسياسات نقدية خفضت قيمة دخولهم ومدخراتهم.
وفوق ذلك، لا تشمل صورة الحد الأدنى جميع العاملين بالقدر نفسه، بسبب اختلاف القوانين والكوادر والبدلات، ما يخلق تفاوتات واسعة داخل المؤسسات ويجعل الإعلان الحكومي أكثر بريقًا من الأثر الفعلي على الرواتب.
امتيازات تتضاعف سريعًا
في الوقت نفسه، ارتفع إجمالي مخصصات المستشارين ومعاوني ومساعدي الوزراء من 159.8 مليون جنيه خلال 2022 و2023 إلى 437.5 مليون جنيه في موازنة 2026 و2027، بنسبة زيادة تتجاوز 173.7 في المئة.
وعلاوة على ذلك، صعدت مخصصات المستشارين وحدهم من 139 مليون جنيه إلى 281.5 مليون جنيه خلال 4 سنوات، رغم تكرار تصريحات حكومية عن تقليص أعدادهم وترشيد الاستعانة بهم داخل الوزارات والمصالح العامة.
أما مخصصات مساعدي ومعاوني الوزراء، فقفزت من 56.8 مليون جنيه إلى 156 مليون جنيه، بما يكشف توسعًا في الإنفاق على الحلقات المحيطة بالوزراء، بينما تخضع الترقيات والتعيينات داخل الجهاز الإداري لقيود ممتدة.
ومن جانبه، يرى الباحث الاقتصادي وائل جمال أن قراءة الموازنة يجب أن تكشف من يتحمل التقشف ومن يستفيد من الإنفاق، لأن الأرقام الحالية تظهر ضغطًا على الخدمات والأجور مقابل استمرار مساحات إنفاق غير خاضعة لرقابة مجتمعية كافية.
كما يلفت جمال إلى أن الديون والتزامات سدادها تبتلع الجزء الأكبر من الموارد، ما يدفع الحكومة إلى تقليص الإنفاق الاجتماعي، بينما تظل بنود المستشارين والامتيازات الإدارية بعيدة عن التقشف الذي يفرض على المواطنين.
وفي السياق نفسه، ارتفعت مكافآت الخبراء الوطنيين إلى 65.1 مليون جنيه، بزيادة تقارب 26 مليون جنيه خلال 4 سنوات، وهو نمو يطرح أسئلة بشأن معايير الاختيار وطبيعة المهام والعائد الحقيقي على الإدارة العامة.
ومن ثم، لا تكمن الأزمة في وجود خبرات متخصصة عند الحاجة، بل في غياب كشف علني بأعداد المستشارين وتخصصاتهم وعقودهم ومكافآتهم، بما يفتح الباب أمام التعيينات بالمجاملة وتكرار الوظائف وإهدار المال العام.
وبناءً على ذلك، يصبح الحديث عن ترشيد الإنفاق فاقدًا للمصداقية، عندما تتقلص حصة أجور ملايين الموظفين نسبيًا، بينما تتضاعف مخصصات فئات محدودة ترتبط مباشرة بمكاتب الوزراء وتظل تفاصيل عملها بعيدة عن الجمهور.
شفافية غائبة ومحاسبة مؤجلة
في غضون ذلك، طالب نواب داخل لجنة القوى العاملة بالكشف عن أعداد المستشارين في الوزارات وقيمة أجورهم ومكافآتهم، بعدما أظهرت بيانات الموازنات تناقضًا واضحًا بين وعود التقشف وبين الارتفاع المستمر في مخصصاتهم.
وبحسب وكيل اللجنة إيهاب منصور، فإن نظام الاستعانة بالمستشارين يحتاج مراجعة شاملة تضمن ترشيد الإنفاق وتعزيز الشفافية، لأن غياب البيانات الدقيقة يمنع البرلمان والمجتمع من تقييم الحاجة الفعلية إلى هذه الوظائف.
ومن جهتها، ترى الباحثة الاقتصادية مي قابيل أن تسوية دفاتر الموازنة وتحقيق فائض أولي لا يعنيان حماية الاقتصاد، طالما تستنزف خدمة الديون الموارد المتاحة، وتظل مخصصات الأجور والخدمات عاجزة عن مواجهة التضخم والمخاطر الاجتماعية.
إلى جانب ذلك، تكشف المطالبة البرلمانية أن الحكومة لم تقدم حصرًا واضحًا ومحدثًا للمستشارين ومساعدي الوزراء، رغم مرور نحو عامين على إعلان اتجاهها إلى تقليص أعدادهم ضمن إجراءات السيطرة على المصروفات.
غير أن الأرقام الجديدة تسير في الاتجاه المعاكس تمامًا، إذ ترتفع المخصصات عامًا بعد عام، من دون تفسير يوضح أسباب الزيادة أو عدد المستفيدين أو مدى ارتباطها بتحسين الأداء الحكومي والخدمات المقدمة للمواطنين.
لذلك، تبدو الرقابة البرلمانية محدودة الأثر ما لم تتحول الأسئلة إلى إلزام بنشر العقود والأسماء والقيم المالية، ووقف أي تعيين لا يستند إلى احتياج مهني معلن ومسابقة شفافة وتقييم دوري للنتائج.
وفي الإطار ذاته، لا يمكن فصل تضخم هذه المخصصات عن أزمة أوسع في إدارة المال العام، حيث تنفق الحكومة على الديون والمشروعات الضخمة والدوائر العليا، ثم تطالب المواطن بقبول الغلاء بدعوى محدودية الموارد.
وعوضًا عن ذلك، كان يمكن توجيه جانب من هذه الزيادات إلى تحسين أجور الدرجات الأدنى، أو دعم خدمات العلاج والنقل للعاملين، أو سد العجز الوظيفي الذي تعانيه المدارس والمستشفيات والوحدات المحلية.
وأخيرًا، تكشف الموازنة أن المشكلة ليست نقص الأموال وحده، بل ترتيب الأولويات ومن يملك قرار توزيعها، فالموظفون يحصلون على زيادة تتآكل سريعًا، بينما تتوسع امتيازات المستشارين في دولة ترفع شعار التقشف على الفقراء فقط.
استند التحقق إلى بيانات وزارة المالية بشأن مخصصات الأجور، ووثائق إعداد الموازنة التي تحدد بنود مكافآت المستشارين ومساعدي الوزراء، وتحليل المبادرة المصرية للحقوق الشخصية لأعباء الديون وتراجع القيمة الحقيقية للإنفاق الاجتماعي.

