كشف بنك دويتشه الألماني تراجع متوسط صافي الراتب الشهري بعد الضرائب في مصر إلى نحو 220 دولارا خلال 2026، مقابل 347 دولارا في 2016، بما يعني فقدان الأجور قرابة 37 في المائة من قيمتها الدولارية خلال 10 سنوات.

 

ويفضح هذا التراجع حصيلة عقد من التعويم والاقتراض والتقشف، دفعت خلاله السلطة كلفة اختياراتها إلى العمال والموظفين، بينما ظلت الأجور تطارد أسعارا منفلتة، وتراجعت قدرة الأسر على الغذاء والعلاج والتعليم والسكن الكريم.

 

وبحسب تقرير البنك، تقارن البيانات بين متوسطات الرواتب الصافية وتكاليف المعيشة في عشرات المدن، بما يجعل الرقم مؤشرا على موقع القاهرة داخل الاقتصاد العالمي، وليس إحصاء شاملا لكل المشتغلين أو المحافظات المصرية.

 

وفي المقابل، لا يعني ارتفاع الأجر الاسمي بالجنيه تحسن مستوى المعيشة، لأن قيمته الحقيقية تتحدد بما يشتريه داخل الأسواق، وبسعر الصرف عند مقارنة الدخل بتكاليف السلع المستوردة والخدمات المرتبطة بالدولار.

 

وعلى امتداد العقد، تعرض الجنيه لموجات متتالية من خفض القيمة، بينما ارتفعت أسعار الغذاء والطاقة والنقل والإيجارات، وهو ما بدد أثر زيادات الأجور الحكومية وحولها إلى تعويضات متأخرة لا تلاحق التضخم.

 

وفوق ذلك، جاءت الزيادات الرسمية في الحد الأدنى للأجور على فترات متباعدة، وفي كثير من الحالات بعد أن تكون الأسعار قد استوعبتها مسبقا، ما أبقى العامل داخل دائرة مستمرة من تراجع الدخل الحقيقي.

 

 

تآكل الأجر الحقيقي

 

ترى الباحثة الاقتصادية سلمى حسين أن تقييم الأجر لا يجوز أن ينفصل عن التضخم، موضحة في دراسات سابقة أن القيمة الحقيقية للحد الأدنى تتآكل عندما لا ترتبط الزيادات بمؤشر منتظم للأسعار وتكاليف المعيشة.

 

وبالتالي، فإن المقارنة بين 220 دولارا حاليا و347 دولارا قبل عقد تكشف أن العامل المصري صار يحصل على مقابل دولاري أقل، رغم زيادة الرقم المكتوب بالجنيه عدة مرات خلال الفترة نفسها.

 

كما أن سلمى حسين تربط أزمة الأجور ببنية أوسع تشمل الضرائب غير العادلة، وضعف الحماية الاجتماعية، وتراجع الإنفاق العام، مؤكدة أن سياسات صندوق النقد عمقت آثار التضخم والديون على الدخول وتوزيع الثروة.

 

ولذلك، لا تبدو الأزمة مجرد نتيجة لتحركات الأسواق العالمية، بل حصيلة مباشرة لسياسة اقتصادية انحازت إلى الدائنين والمستثمرين الكبار، بينما تركت أصحاب الدخول الثابتة يواجهون وحدهم انخفاض العملة وارتفاع الأسعار.

 

ومن ثم، صار كثير من الموظفين يلجأون إلى وظائف إضافية أو الاقتراض أو تقليص الإنفاق على البروتين والعلاج والدروس، وهي تحولات اجتماعية تكشف أن الراتب لم يعد يؤدي وظيفته الأساسية في ضمان حياة مستقرة.

 

وبالتوازي، أضعفت الأزمة قدرة الأسر على الادخار، إذ تراجع الادخار المحلي بصورة حادة، بينما تحولت الرواتب إلى دخل يستهلك بالكامل قبل نهاية الشهر، ولا يترك هامشا للطوارئ أو تكوين الأصول.

 

وعوضا عن معالجة أسباب التآكل، تواصل الحكومة تقديم زيادات دورية باعتبارها إنجازا اجتماعيا، من دون الاعتراف بأن القيمة الحقيقية لتلك الزيادات تُستنزف سريعا بفعل الضرائب والرسوم وارتفاع تكاليف الخدمات الأساسية.

 

 

الفقر يتسع بصمت

 

تؤكد أستاذة الإحصاء هبة الليثي أن ارتفاع الدخول الاسمية لا يعني تحسن الأحوال عندما تزيد الأسعار بوتيرة أسرع، لأن النتيجة تكون انخفاض الدخل الحقيقي واتساع الفقر حتى بين العاملين وأصحاب الوظائف المنتظمة.

 

وفي هذا السياق، قدرت دراسة أعدتها هبة الليثي ارتفاع معدل الفقر إلى 35.7 في المائة خلال 2022 و2023، معتبرة التضخم عاملا أساسيا وراء دفع شرائح جديدة إلى ما دون خط الفقر.

 

علاوة على ذلك، يتجاوز أثر تراجع الرواتب حدود الاستهلاك اليومي، إذ يرتبط الفقر بسوء التغذية وتراجع جودة التعليم وتأجيل العلاج، ما يحول أزمة الأجر إلى أزمة صحة وفرص وعدالة بين الأجيال.

 

وبناء على ذلك، فإن متوسط 220 دولارا لا يعكس فقط ضعفا في قيمة العمل، بل يكشف اختلالا في توزيع ثمار النمو، بعدما ظلت مؤشرات الاقتصاد الكلي تتحسن أحيانا دون أن يصل أثرها إلى غالبية المواطنين.

 

ومن ناحية أخرى، تعني الأسعار المرتبطة بالدولار أن تراجع الراتب الدولاري ينعكس مباشرة على الدواء والأجهزة والملابس ومدخلات الغذاء، حتى عندما تكون عملية الشراء بالجنيه داخل السوق المحلية.

 

وبالرغم من إعلان الحكومة زيادات متتابعة في الحد الأدنى، أكدت تقارير اقتصادية أن قيمته الحقيقية تراجعت، لأن التضخم وخفض العملة التهما جزءا كبيرا من الزيادة قبل أن تتحول إلى تحسن ملموس.

 

كذلك، تحمل العمالة غير المنتظمة العبء الأكبر، لأن ملايين العاملين خارج الأجهزة الحكومية والشركات الكبرى لا يحصلون فعليا على الحدود المعلنة، ولا يتمتعون بتأمين اجتماعي أو علاوات دورية تحميهم من الصدمات.

 

وفي المحصلة، اتسعت الفجوة بين رواتب قطاعات محدودة تحصل على دخول مرتبطة بالعملات الأجنبية، وبين أغلبية تقبض بالجنيه وتتحمل وحدها آثار التعويم، ما يعمق التفاوت الطبقي ويعيد رسم الخريطة الاجتماعية.

 

 

الديون تبتلع الموارد

 

يرى خبير الموازنات عبد النبي عبد المطلب أن خدمة الدين تستحوذ على النصيب الأكبر من الإنفاق العام، بما يقلص قدرة الدولة على زيادة الأجور والإنفاق على الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية بصورة حقيقية.

 

وبحسب عبد النبي عبد المطلب، تعتمد الموازنة على الاقتراض وبيع الأصول ورفع الرسوم، وهي أدوات تنقل عبء الأزمة إلى المواطن، بدلا من بناء قاعدة إنتاج وصادرات تمول الخدمات وتحمي قيمة العملة.

 

إضافة إلى ذلك، يؤدي توجيه جانب ضخم من الإيرادات إلى الفوائد والأقساط إلى جعل زيادات الرواتب محدودة، بينما تستمر الحكومة في تقليص الدعم ورفع أسعار الوقود والكهرباء والمواصلات لتلبية اشتراطات خفض العجز.

 

وفي الوقت ذاته، فرضت برامج الإصلاح المدعومة من صندوق النقد مرونة واسعة لسعر الصرف ورفعا للفائدة وتقليصا لدور الدولة الاقتصادي، وهي إجراءات ساهمت في موجات غلاء متتالية وأضعفت القوة الشرائية.

 

وأمام ذلك، تبدو أرقام النمو عاجزة عن إخفاء الحقيقة الاجتماعية، فاقتصاد يحقق توسعا اسميا بينما تتراجع رواتب مواطنيه دولاريًا لا يقدم تنمية عادلة، بل يوسع أرباح فئات محدودة على حساب الأغلبية.

 

ختاما، يكشف انخفاض الراتب من 347 إلى 220 دولارا أن المصري دفع ثمن السياسات الاقتصادية مرتين، مرة عبر تراجع الجنيه، ومرة عبر ارتفاع الأسعار، بينما بقيت الأجور عاجزة عن حماية أبسط حقوقه المعيشية.