علن صحفيون مصريون، عبر منصات مهنية، تنظيم وقفة احتجاجية على سلالم نقابة الصحفيين في القاهرة بعد صلاة العصر، اعتراضا على تأخر صرف بدل التدريب والتكنولوجيا البالغ 4500 جنيه، بما فاقم معاناة أكثر من 650 صحفيا بلا دخل ثابت.
ويكشف التحرك حجم الانهيار الذي أصاب أوضاع العاملين بالمهنة، بعدما تركت السلطة مؤسسات صحفية تتآكل وأجورا تفقد قيمتها، بينما تحول البدل الحكومي إلى وسيلة ضبط وإخضاع، وصار الصحفي ينتظر الإعانة بدلا من امتلاك أجر يحفظ كرامته.
وبحسب الدعوة المتداولة، ينتمي أغلب المتضررين إلى الصحف الحزبية والخاصة أو قوائم المتعطلين، في وقت حصل فيه العاملون بالمؤسسات القومية على مستحقاتهم منذ 9 يوليو، بما أعاد الاتهامات بالتمييز بين أعضاء النقابة الواحدة.
وفي المقابل، اتهم أصحاب الدعوة مجلس النقابة بالتخاذل عن المطالبة بزيادة البدل وضمان انتظام صرفه، مؤكدين أن المبلغ الحالي لا يغطي العلاج أو الاحتياجات الأساسية لأسبوع واحد، في ظل قفزات الأسعار وتراجع القوة الشرائية للجنيه.
علاوة على ذلك، أشار المحتجون إلى أن مئات الصحفيين لا يحصلون على مرتبات أو معاشات أو تأمين صحي، وهو ما يحول أي تأخير مالي إلى تهديد مباشر للغذاء والدواء والإيجار، لا مجرد خلل إداري يمكن احتماله.
ومن ثم، لم يعد بدل التدريب والتكنولوجيا مخصصا لتطوير المهارات المهنية كما يوحي اسمه، بل أصبح راتبا بديلا تعتمد عليه أسر كاملة، بعدما تخلت مؤسسات كثيرة عن مسؤوليتها في دفع أجور عادلة ومنتظمة للعاملين لديها.
وبالتالي، تكشف الأزمة اختلالا هيكليا يتجاوز موعد الصرف، لأن الدولة تمول البدل من خارج علاقات العمل الطبيعية، ثم تسمح لأصحاب المؤسسات بتقليص الرواتب أو تأخيرها، بينما يبقى الصحفي أسيرا لمساومات حكومية ونقابية متكررة.
كما أن تحويل الزيادة إلى حدث يرتبط بالموافقات الرئاسية يجعل حقا مهنيا أساسيا أقرب إلى منحة شخصية، ويكرس تبعية الصحافة للسلطة التنفيذية، بدلا من بناء نظام أجور شفاف ومستقل يحمي الصحفي من الضغوط والابتزاز.
البدل صار راتبا
في هذا السياق، قالت الكاتبة الصحفية نادية سلامة إن البدل الذي أنشئ لدعم التدريب والتطوير تحول مع مرور السنوات إلى المصدر الرئيسي لدخل أعداد واسعة من الصحفيين، نتيجة تدني الأجور وتوقف مؤسسات عن دفع المستحقات.
وبحسب سلامة، يستدين بعض الصحفيين حتى يحين موعد صرف البدل، بينما يؤجل آخرون العلاج والفواتير والاحتياجات المنزلية، في مشهد يكشف الهوة بين الصورة الاجتماعية القديمة للمهنة وواقع أصحابها الذين يواجهون الفقر وعدم الاستقرار.
فضلا عن ذلك، انتقدت سلامة النظرة التي تتعامل مع الصحفي باعتباره صاحب امتيازات، موضحة أن دخول قطاعات مهنية عديدة أصبحت أكثر استقرارا، بينما تراجع الصحفي إلى مرتبة اجتماعية واقتصادية جعلته من أكثر أصحاب المهن معاناة.
ومع ذلك، لا تعترف المؤسسات الرسمية بأن اعتماد الصحفي على البدل يمثل دليلا على انهيار بنية الأجور، بل تواصل تقديم كل زيادة محدودة باعتبارها إنجازا استثنائيا، رغم أن التضخم يلتهم قيمتها قبل وصولها إلى مستحقيها.
إضافة إلى ذلك، جاءت زيادة البدل بقيمة 600 جنيه خلال أغسطس 2025، ليرتفع إلى 4500 جنيه، بعد موافقات حكومية جرى الاحتفاء بها إعلاميا، دون معالجة الفجوة الواسعة بين المبلغ الجديد والاحتياجات الفعلية للصحفي وأسرته.
وعلى الرغم من الزيادة، ظل البدل أقل من أن يوفر علاجا مناسبا أو يغطي إيجارا شهريا في القاهرة، كما بقي صرفه مرهونا بإجراءات مالية معقدة تتسبب دوريا في تأخيره، خصوصا للصحفيين خارج المؤسسات القومية.
لذلك، يرى المحتجون أن القضية لم تعد مرتبطة بزيادة رقمية محدودة، وإنما بضمان حد أدنى كريم للأجور وإلزام المؤسسات الصحفية بالعقود والتأمينات، مع إنشاء آلية ثابتة للصرف تمنع استخدام البدل كورقة ضغط أو دعاية.
أما استمرار الانتظار حتى منتصف الشهر أو بعده، فيعني أن الصحفي يتحمل وحده نتائج الخلافات بين الحكومة والنقابة والمؤسسات، بينما لا تتحمل أي جهة مسؤولية التعويض عن التأخير أو الأضرار التي تلحق بالأسر المتضررة.
نقابة تحت الاختبار
ومن ناحية أخرى، قال الكاتب الصحفي جلال نصار إن أموال الصحفيين، رغم محدوديتها، أصبحت منظورة ومكشوفة أمام الجميع، بعدما تحول البدل إلى عنصر حاسم وضاغط في انتخابات النقابة ومساومات المجالس المتعاقبة مع الحكومة.
وفقا لنصار، يجب إدراج قيمة البدل بوضوح في الموازنة العامة للدولة، بما يسمح بالإفصاح والمحاسبة، ويمنع التعامل معه باعتباره منحة غامضة يجري إعلانها في المناسبات أو توظيفها لحصد الشعبية داخل الجمعية العمومية.
بناء على ذلك، يطرح نصار مقارنة بين الماضي والحاضر، موضحا أن رواتب الصحفيين كانت خلال عقود سابقة في قمة هرم الأجور، بينما يتقاضى أغلب العاملين حاليا مرتبات تقترب من الحد الأدنى أو تقل عنه.
في غضون ذلك، تراجعت معاشات الصحفيين إلى مستويات وصفها نصار بالمهينة، بالتزامن مع أزمات اقتصادية ضربت المؤسسات الصحفية وسوق الإعلان والتوزيع، لكنها لم تدفع الدولة أو المالكين إلى صياغة خطة إنقاذ تحمي العاملين.
إلى جانب ذلك، أدى ضعف موارد الصحف الخاصة والحزبية إلى توقف أجور وإغلاق إصدارات وتسريح عاملين، بينما ظل الصحفيون المقيدون بالنقابة مطالبين بسداد التزاماتهم المهنية والمعيشية دون وجود صندوق بطالة فعال أو حماية اجتماعية كافية.
في حين، يواجه الصحفي المتعطل مفارقة قاسية، إذ لا يعتبر موظفا مستحقا للأجر ولا عاطلا مشمولا بإعانة مستقرة، لكنه يبقى مسؤولا عن أسرته وعلاجه ومصروفاته، معتمدا على بدل يتأخر أو يتآكل بفعل التضخم.
وعليه، تصبح نقابة الصحفيين مطالبة بتجاوز البيانات التقليدية، والانتقال إلى تحرك تفاوضي معلن يحدد جدولا لصرف المستحقات، ويطالب بزيادة حقيقية مرتبطة بمعدلات الأسعار، ويكشف للرأي العام أسباب التأخير والجهات المسؤولة عنه.
دعم يثير الصراع
في الأثناء، أكد نقيب الصحفيين خالد البلشي مرارا أن تحسين الأجور والحماية الاجتماعية يمثلان أولوية نقابية، وأن البدل لا ينبغي أن يكون بديلا عن الرواتب، لكنه يظل ضروريا في ظل الأوضاع المتدهورة داخل المؤسسات.
ومن جهة أخرى، أثار إعلان دعم صندوقي المعاشات والعلاج بمبلغ 30 مليون جنيه صراعا حول الجهة صاحبة الفضل، بين من نسب الخطوة إلى تحركات النقابة، ومن اعتبرها نتيجة تدخل وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان.
بالتوازي مع ذلك، قال أمين صندوق النقابة هشام يونس إن الدعم جاء بعد حوار مؤسسي استمر قرابة عام، وشهد تقدما بعد تولي رشوان منصبه، مع تعاون من وزير المالية أحمد كجوك بشأن مطالب النقابة.
رغم ذلك، رأى صحفيون أن التنافس على نسب الإنجاز يعكس انشغال القيادات بتسجيل المواقف، بينما بقيت المطالب الأساسية دون حسم، وفي مقدمتها انتظام البدل وزيادته وتوفير معاشات عادلة وتأمين صحي للمتعطلين والصحفيين المستقلين.
وفوق ذلك، تظهر الأزمة كيف توظف السلطة احتياجات الصحفيين لتقديم نفسها راعية للمهنة، بينما تفرض قيودا واسعة على حرية العمل والتعبير، وتترك المؤسسات المستقلة تواجه الحصار المالي والقانوني وتراجع الموارد دون حماية حقيقية.
أخيرا، لا تمثل زيادة البدل أو دعم صندوقي العلاج والمعاشات سوى مسكن مؤقت، لأن إنقاذ الصحافة يبدأ بأجور عادلة ومؤسسات مستقلة ونقابة قوية، لا بانتظار منح حكومية تتآكل قيمتها أو تتأخر كلما اشتدت حاجة الصحفيين.

