أعلنت الحكومة المصرية، عقب اجتماع برئاسة مصطفى مدبولي في مدينة العلمين الجديدة، استهداف إدراج نحو 20 شركة مملوكة للدولة في البورصة اعتبارا من ديسمبر المقبل، بما يسرع برنامج التخارج ويوسع مشاركة المستثمرين في الأصول العامة.
ويأتي هذا الاندفاع بينما يرزح المصريون تحت غلاء متصاعد وخدمات متراجعة وضرائب متزايدة، في وقت تبدو فيه السلطة مستعدة لتحويل ممتلكات عامة تراكمت عبر عقود إلى سيولة عاجلة تسند موازنة أنهكتها الديون والمشروعات مرتفعة الكلفة.
وبحسب هاشم السيد، مساعد رئيس الوزراء والرئيس التنفيذي لوحدة الشركات المملوكة للدولة، تشمل الاستعدادات مراجعات قانونية ومالية وإعادة هيكلة واستكمال متطلبات الحوكمة والقيد، قبل الانتقال من التسجيل المؤقت إلى الطرح والتداول الفعلي.
وفي المقابل، لا توضح الحكومة حتى الآن قائمة الشركات المستهدفة كاملة، ولا نسب الحصص المزمع بيعها، ولا القيمة التقديرية للأصول، ولا المعايير التي تحدد ما إذا كانت الشركة ستطرح جزئيا أو تنتقل السيطرة عليها إلى المستثمرين.
وعلاوة على ذلك، يتزامن البرنامج مع وصول الدين الخارجي إلى نحو 164.78 مليار دولار بنهاية مارس 2026، بما يعزز المخاوف من توجيه حصيلة الطروحات إلى خدمة التزامات عاجلة بدلا من تمويل استثمارات إنتاجية طويلة الأجل.
ومن ثم، يصبح السؤال الأساسي متعلقا بسبب بيع شركات رابحة أو أصول استراتيجية في توقيت تتعرض فيه الدولة لضغط تمويلي شديد، لأن الحصول على إيراد استثنائي مرة واحدة يعني التخلي عن جزء من أرباح مستقبلية متكررة.
وبالتالي، لا يمكن تقييم الطرح بمجرد الإعلان عن دخول القطاع الخاص، بل يجب فحص سعر البيع وتوقيت الصفقة وهوية المشترين ومصير العمال والحصيلة المالية، فضلا عن الأثر المتوقع على الخدمات والأسعار والسيادة الاقتصادية.
كما أن تسريع الإجراءات في ظل ضعف الجنيه وارتفاع تكلفة التمويل قد يؤدي إلى تقييم الأصول بأقل من قيمتها الحقيقية، خصوصا عندما يكون البائع مضطرا إلى السيولة والمشتري مدركا لحجم الضغوط التي تحاصر الخزانة العامة.
أصول تحت ضغط الديون
في هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب أن بيع الأصول قد يمنح الحكومة تدفقات نقدية مؤقتة، لكنه لا يعالج الاختلالات الأساسية ما لم يقترن بزيادة الإنتاج والصادرات وتقليل الاقتراض وتحسين إدارة الموارد العامة.
وبحسب عبد المطلب، فإن استخدام حصيلة البيع لسداد ديون قائمة يعيد إنتاج الأزمة، لأن الأصل يخرج من ملكية الدولة بينما تبقى أسباب المديونية قائمة، فتعود الحكومة لاحقا إلى الاقتراض أو بيع أصول أخرى لتغطية الالتزامات الجديدة.
فضلا عن ذلك، تواجه مصر استحقاقات خارجية كبيرة خلال 2026، وهو ما يجعل الطروحات جزءا من سباق أوسع لتدبير العملة الأجنبية، إلى جانب الاقتراض وجذب الأموال الساخنة وبيع حصص لمستثمرين استراتيجيين.
ومع ذلك، تقدم الحكومة البرنامج باعتباره إصلاحا هيكليا يرفع الكفاءة ويعزز المنافسة، من دون نشر دراسات تفصيلية تثبت أن الملكية العامة كانت سبب ضعف الشركات، أو أن المستثمر الجديد سيضيف إنتاجا وتكنولوجيا بدلا من اقتناص أرباح جاهزة.
إضافة إلى ذلك، لا يعرف المواطن إن كانت الحصيلة ستدخل الخزانة العامة أو صندوقا سياديا أو حسابات خاصة بإعادة الهيكلة، كما لا يعرف حجم المبالغ التي ستخصص للديون مقارنة بما سيوجه للاستثمار والتشغيل.
وعلى الرغم من الحديث عن تعظيم قيمة الأصول، فإن البيع تحت ضغط المواعيد والالتزامات الدولية قد يحول الطروحات إلى عملية خصخصة متعجلة، تمنح المشتري قدرة تفاوضية أكبر وتضعف قدرة الدولة على انتظار السعر الأنسب.
لذلك، يطالب اقتصاديون بنشر تقييمات مستقلة قبل كل صفقة، وإعلان أسماء المقيمين ومستشاري الطرح، وكشف نسب الملكية والحقوق الإدارية وشروط التخارج، حتى لا تتحول عبارة تعظيم العائد إلى غطاء لصفقات مغلقة.
صفقات بلا رقابة كافية
ومن ناحية أخرى، يحذر الخبير الاقتصادي وائل النحاس من أن غياب الشفافية يجعل الرأي العام عاجزا عن التمييز بين شراكة توسع النشاط وبيع يستهدف سد فجوة مالية، خصوصا مع عدم إعلان خطط استخدام الحصيلة.
وفقا للنحاس، يجب أن تمر الأصول العامة عبر نقاش ورقابة حقيقية، لأن تقييم الشركات في ظروف اقتصادية مضطربة قد يظلم الدولة، بينما تؤدي السرعة إلى تجاهل البدائل الممكنة مثل الإدارة المحترفة أو زيادة رأس المال دون فقد السيطرة.
بناء على ذلك، يصبح دور البرلمان جوهريا في مراجعة التقييمات والعقود ومصير العوائد، غير أن التجربة السابقة أظهرت محدودية النقاش العلني حول الصفقات الكبرى، وصدور القرارات بعد اكتمالها بدلا من إخضاعها للمساءلة المسبقة.
في غضون ذلك، يظل العمال الحلقة الأضعف، إذ قد تقترن إعادة الهيكلة بتقليص العمالة أو تغيير شروط التوظيف والأجور، بينما تكتفي البيانات الرسمية بوعود تحسين الكفاءة من دون إعلان ضمانات واضحة لحماية الحقوق المكتسبة.
إلى جانب ذلك، لا تقدم الحكومة تصورا يحدد القطاعات التي يجب أن تبقى تحت سيطرة عامة لأسباب استراتيجية، مثل النقل والطاقة والبنية الأساسية والخدمات الحيوية، مقابل القطاعات التي يمكن فتحها للمنافسة دون تهديد للأمن الاقتصادي.
في حين، تنص وثيقة ملكية الدولة على توسيع مشاركة القطاع الخاص، لكن تطبيقها يظل محل جدل بسبب اتساع حضور جهات حكومية وعسكرية في الاقتصاد، بما يخلق منافسة غير متكافئة ويجعل التخارج المدني وحده إصلاحا منقوصا.
وعليه، فإن بيع حصص في شركات مدنية رابحة مع استمرار توسع كيانات غير خاضعة للرقابة نفسها لا يبني سوقا تنافسية، بل يعيد توزيع الملكية والنفوذ دون معالجة التشوهات التي تمنع المستثمرين والمنتجين المحليين من المنافسة العادلة.
إصلاح أم تصفية ممتلكات
في الأثناء، يرى الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة أن الطرح في البورصة قد يكون مفيدا عندما يجذب تمويلا جديدا ويطور الإدارة ويوسع قاعدة الملكية، بشرط اختيار التوقيت المناسب وضمان تقييم عادل واحتفاظ الدولة بالأصول الاستراتيجية.
ومن جهة أخرى، يفرق بدرة بين طرح حصة لزيادة رأس المال وبين بيع ملكية قائمة لتوفير سيولة للخزانة، لأن الخيار الأول يوجه الأموال إلى الشركة نفسها، بينما قد يختفي عائد الخيار الثاني داخل خدمة الدين والعجز.
بالتوازي مع ذلك، يمكن للبورصة أن توفر قدرا أعلى من الإفصاح مقارنة بالبيع المباشر لمستثمر واحد، لكن هذا لا يلغي ضرورة إعلان تقييمات الطرح وتوزيع الأسهم ومنح المستثمرين الأفراد فرصا حقيقية بدلا من حصر الصفقات في مؤسسات كبرى.
رغم ذلك، يبقى معيار الإصلاح مرتبطا بما يحدث بعد البيع، فإذا ارتفع الإنتاج والصادرات والأجور والاستثمار أصبحت الشراكة ذات جدوى، أما إذا تقلصت العمالة وارتفعت الأسعار وتحولت الأرباح إلى الخارج فقد خسرت الدولة أصلا وعائدا.
وفوق ذلك، لا تستطيع الحكومة إقناع المواطنين بجدوى التخارج بينما ترفض كشف الحساب الكامل لما بيع سابقا، وما دخل الخزانة، وكيف أنفقت العوائد، وما إذا أسهمت فعليا في خفض الدين أو تحسين الخدمات العامة.
أخيرا، يضع طرح 20 شركة مصر أمام اختبار يتجاوز حركة البورصة، لأن القضية تتعلق بمن يملك الثروة العامة ومن يقرر بيعها، وهل تستخدم العوائد لبناء اقتصاد منتج أم لإطالة عمر نموذج يراكم الديون ثم يسددها من الأصول.

