صدّق قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي على القانون رقم 147 لسنة 2026 في القاهرة، محولاً جهاز مستقبل مصر إلى هيئة اقتصادية تتبعه مباشرة، بما يفتح أمامها ابتلاع أصول عامة وإدارة قطاعات واسعة خارج قواعد المنافسة المتكافئة.
يأتي القرار بينما يواجه المصريون غلاءً متصاعداً وتراجعاً في الخدمات وفرص العمل، لتواصل السلطة تركيز الثروة والقرار في كيان واحد محصن بالامتيازات، بدلاً من إخضاع المال العام لرقابة شعبية ومؤسسات مستقلة.
وبموجب القانون، لم يعد الجهاز مجرد ذراع لتنمية الأراضي الزراعية، بل تحول إلى مركز اقتصادي ضخم يجمع بين التخطيط والترخيص وتخصيص الأراضي والاستثمار والتحصيل، وهي سلطات متعارضة تضع الخصم والحكم داخل المؤسسة نفسها.
كذلك يمنح التنظيم الجديد رئيس الجمهورية قدرة واسعة على نقل أراض وأصول وحصص في شركات مملوكة للدولة إلى الجهاز، بما يحول الملكية العامة إلى مخزون قابل لإعادة التوزيع بقرارات فوقية محدودة الرقابة.
وفوق ذلك، يتيح القانون إنشاء مناطق تنمية مستدامة تتمتع بمعاملة ضريبية وجمركية استثنائية، ما يصنع سوقاً بطبقتين، إحداهما محمية بالإعفاءات والأرض والنفوذ، والأخرى مطالبة بتحمل الضرائب وكلفة التمويل والمنافسة غير العادلة.
هيمنة بلا رقابة
ترى الباحثة ندى عرفات أن القانون يمنح الجهاز وضعاً استثنائياً غير مسبوق، ويكرس تمدده في الأرض والغذاء والأسواق والعقارات، بعد سنوات جرى خلالها توسيع اختصاصاته دون وضوح كاف لحدود التفويض أو المسؤولية.
وبحسب عرفات، فإن جمع التخطيط ووضع القواعد والترخيص والتخصيص والاستثمار وإدارة الأصول والرقابة والتحصيل داخل جهة واحدة يخلق تضارباً مؤسسياً خطيراً، لأن الجهاز يصبح منظماً للسوق ومشاركاً فيها ومستفيداً من قراراته.
ومن ناحية أخرى، تكشف سرعة تمرير المشروع حجم الاستهانة بالنقاش العام، إذ أحيل إلى لجنة مشتركة تضم 18 لجنة برلمانية، ثم نوقش وعدل خلال أيام قليلة قبل إقراره في نهاية الدورة التشريعية.
وعليه، تبدو الرقابة اللاحقة مجرد غطاء شكلي لا يعالج أصل الخلل، لأن السلطة التنفيذية نفسها هي التي تعين القيادة وتحدد المناطق وتنقل الأصول، بينما يظل البرلمان بعيداً عن صناعة القرارات الاقتصادية اليومية.
كما أن تقييد حق الطعن على العقود والتصرفات يحاصر المجتمع المدني والمواطنين أمام صفقات تمس المال العام، ويجعل كشف المخالفات رهناً بأطراف التعاقد أو بأحكام جنائية نهائية يصعب الوصول إليها مبكراً.
اقتصاد مواز للدولة
يصف الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب تمدد الجهاز بأنه تعبير عن قناعة رسمية بعجز المؤسسات التقليدية عن الإصلاح، لكن النتيجة الفعلية ليست إصلاحها، بل سحب اختصاصاتها وبناء إدارة موازية أكثر غموضاً ونفوذاً.
ويشير عبد المطلب إلى أن نقل ملف القمح من هيئة السلع التموينية إلى الجهاز جاء بعد اعتبار المنظومة القديمة عاجزة هيكلياً، ثم شجع نجاح التجربة في نظر السلطة على توسيع الاختصاصات إلى قطاعات أخرى.
لكن هذا المنطق يحول الفشل الحكومي إلى ذريعة لإنشاء مؤسسات فوق الحكومة، بدلاً من إصلاح الهيئات القائمة وتطوير قواعد الشراء والرقابة والمساءلة، وهو مسار يضاعف الازدواجية ويهدر الخبرات المتراكمة داخل الجهاز الإداري.
وبالتالي، أصبح الجهاز مسؤولاً عن استيراد القمح وإدارة بحيرات ومصايد، ومشاركاً رئيسياً في البورصة السلعية، ثم توسع إلى العقارات والطاقة والتشييد وحليب الأطفال، بلا حدود واضحة تفصل الاحتياجات الاستراتيجية عن التجارة.
إضافة إلى ذلك، نفذ الجهاز صفقات في السياحة والطب والدواجن والزراعة والغذاء، ورفع حصته في شركة التعمير والاستشارات الهندسية إلى 12.89 في المائة، بما يكشف تحولاً من تنفيذ المشروعات إلى بناء محفظة استحواذات.
ومن ثم، لا يتعلق الأمر بتسريع إجراءات مشروع قومي محدد، بل بتكوين تكتل اقتصادي متعدد القطاعات يستطيع شراء الشركات وضم الأراضي وتأسيس الصناديق والاستفادة من امتيازات لا تتاح للمستثمر العادي أو الشركة العامة.
منافسة محسومة مسبقاً
يحذر الخبير الاستثماري ليسلي ماسدورب من أن جذب الاستثمار إلى مصر يتطلب تسوية حقيقية بين الكيانات الحكومية والخاصة، مؤكداً أن القطاع الخاص لا يمكنه قيادة النمو بينما تواجهه مؤسسات تتمتع بأفضلية الأرض والضرائب والقرار.
وفي هذا السياق، يمنح القانون الجهاز إعفاءات ومعاملة خاصة في الوقت الذي تعلن فيه الحكومة التزامها بتوسيع دور القطاع الخاص، ما يحول الوعود الرسمية إلى خطاب دعائي يناقض البنية القانونية التي يجري تثبيتها.
غير أن أخطر ما يرسخه القانون هو استخدام المال العام لتمويل منافس معفى من الأعباء التي تتحملها الشركات الأخرى، ثم تقديم تفوقه المتوقع باعتباره دليلاً على الكفاءة، رغم أن السباق محسوم قبل بدايته.
علاوة على ذلك، يؤدي ضم الأراضي والشركات إلى الجهاز بقرارات تنفيذية إلى تقليص قدرة المواطنين على معرفة قيمة الأصول وشروط نقلها والعائد المتحقق منها، خصوصاً مع غياب نشر دوري مفصل للميزانيات والعقود.
لهذا، تتسع مخاطر الفساد حين تتجمع سلطة التخصيص والتسعير والترخيص والاستثمار في يد واحدة، لأن غياب الفصل بين المنظم والمستفيد يضعف الضوابط ويحول القرارات العامة إلى أدوات لتوسيع النفوذ الاقتصادي المغلق.
وبالتوازي، تدفع الخزانة العامة ثمن الإعفاءات بصورة غير مباشرة، إذ تتحمل الشركات والمواطنون فجوة الإيرادات، بينما تحصل الجهة الجديدة على أراض وتمويل ومرونة قانونية دون التزام مماثل بقواعد المنافسة أو الإفصاح.
أما الحديث عن الأمن الغذائي والطاقة فلا يبرر إعفاء مؤسسة واحدة من القواعد العامة، لأن حماية السلع الاستراتيجية تحتاج شفافية ومحاسبة وتوزيعاً واضحاً للاختصاصات، لا كياناً يحتكر الاستيراد والإنتاج والتنظيم والتجارة معاً.
وبناء على ذلك، يرسخ القانون نموذجاً اقتصادياً يقوم على تركيز الموارد في مؤسسات مرتبطة بالرئاسة، بينما تتراجع الوزارات والهيئات المنتخبة والرقابية إلى مواقع هامشية، ويصبح الوصول إلى الأرض والفرص مرتبطاً بالقرب من السلطة.
في المقابل، يتحمل صغار المزارعين والعمال والمستهلكون نتائج هذا التمدد دون تمثيل حقيقي في إدارة الجهاز، رغم أن قراراته تمس أسعار الغذاء وتوزيع المياه والأراضي وفرص العمل ومسار التنمية في محافظات عديدة.
أخيراً، لا يقدم القانون مشروعاً للتنمية بقدر ما يمنح تفويضاً اقتصادياً مفتوحاً لكيان واحد، ويحوّل شعار مستقبل مصر إلى مظلة لاحتكار الأصول والأسواق، محصنة بالإعفاءات والسلطة المباشرة وغياب المساءلة الشعبة الفعلية.

