استقال الكاتب والقاص شريف العصفوري نهائيًا من عضوية اتحاد كتاب مصر في القاهرة، موثقًا قراره بمقطع مصور وبيان تضمن 3 أسباب مباشرة، لتنتهي علاقته بالكيان الذي وصف إدارته بأنها تسيء إلى سمعة الكتاب وتفتقر للشرعية الأخلاقية.
وتكشف الواقعة اتساع الفجوة بين مؤسسات يفترض أن تحمي الاستقلال الثقافي، وواقع يطارد الأصوات المنتقدة بمنطق الطاعة، حتى تحولت النقابة من مساحة للحرية والتنوع إلى نموذج مصغر للاستبداد المهيمن على المجال العام المصري.
وبحسب البيان، قال العصفوري إن استقالته بلا رجعة، مؤكدًا أن انتسابه إلى كيان يرأسه من سماه دكتاتورًا صغيرًا لم يعد مقبولًا، بعدما فقد الاتحاد في نظره الحد الأدنى من النزاهة والاحترام المؤسسي.
المثقف الحر، المتسق مع ذاته، والمخلص لمبادئه وأفكاره... شريف العصفوري يستقيل من اتحاد كُتّاب مصر.👍👌
— Mohamed Saad Khiralla (@M_S_khairallah) July 27, 2026
تنويه:من لم يقرأ روايات العصفوري حتى الآن، فقد فاته الكثير. ⬇️ pic.twitter.com/Chk9aRBO99
كما أوضح أن بقاء القيادة الحالية يمكن تفسيره إما باغتصاب إرادة الجمعية العمومية عبر حشد الأعضاء بالحافلات والوجبات، أو بقبول الجمعية نفسها تنصيب قيادة لا تؤمن بالتداول والمساءلة واحترام الاختلاف بين الكتاب.
وفي المقابل، لم يكتف الكاتب بإرسال الاستقالة عبر القنوات الإدارية المعتادة، بل نشر تسجيلًا مصورًا على حسابه الشخصي، واضعًا الرأي العام الثقافي أمام شهادة مباشرة يصعب دفنها داخل الأدراج أو محاضر اللجان المغلقة.
إدارة تحت الاتهام
أولًا، تعيد الاستقالة فتح ملف قديم داخل اتحاد كتاب مصر، إذ سبقتها خلال سنوات اتهامات باتخاذ قرارات فردية، واستغلال اسم الإتحاد دون الرجوع الكافي إلى مجلس الإدارة، ودخول القضاء على خط نزاعات الثقة.
وثانيًا، تظهر سوابق إحالة 21 عضوًا إلى التحقيق والتأديب عام 2021 حجم التوتر بين الإدارة والمعارضين، بينما قالت النقابة حينها إن الاتهامات الموجهة إليها باطلة وغير مدعومة بمستندات قانونية تثبت صحتها.
وثالثًا، شهد عام 2025 حملة موسعة لسحب الثقة من علاء عبد الهادي، ما يكشف أن اعتراض العصفوري ليس حادثًا معزولًا، بل حلقة جديدة في صراع ممتد حول الشرعية والإدارة وحدود سلطة الرئيس.
ومن جانبه، اعتبر الكاتب طلال سيف أن القضية تتجاوز الأشخاص إلى مصلحة الاتحاد ومكانة مصر الحضارية، وهو موقف يضع جوهر الأزمة في صورة المؤسسة وحق أعضائها في كيان لائق وتعددي ومستقل.
إلى جانب ذلك، تبدو عبارة الدكتاتور الصغير وصفًا كاشفًا لآلية أوسع، حيث تستنسخ المؤسسات الثقافية سلوك السلطة حين تستبدل النقاش بالتعبئة، والمحاسبة بالولاء، والانتخاب الحقيقي بالحشود المنظمة والمنافع المؤقتة المقدمة للناخبين.
وعليه، فإن اتهام الحافلات المجانية والوجبات لا يتعلق بتفصيل انتخابي هامشي، بل يطعن في استقلال إرادة الناخبين، ويطرح سؤالًا قاسيًا بشأن تحويل الجمعية العمومية إلى جمهور تتم إدارته بدلًا من هيئة تراقب وتحاسب.
وفي السياق نفسه، يمثل نشر الفيديو محاولة لكسر احتكار الرواية الرسمية، لأن الإدارات المغلقة غالبًا ما تعيد صياغة الاستقالات بوصفها خلافات شخصية، بينما يقدم التسجيل شهادة صاحب القرار بصوته وتفسيره ومسؤوليته الكاملة.
صراع يتجاوز الأشخاص
من ناحية أخرى، أعيد انتخاب علاء عبد الهادي رئيسًا للاتحاد في أبريل 2026 بعد فوز قائمته، وهو ما يمنحه غطاءً إجرائيًا، لكنه لا يلغي حق الأعضاء في مساءلة الوسائل والممارسات التي صاحبت بناء الأغلبية.
ورغم ذلك، لا تكفي صناديق الانتخاب وحدها لصناعة مؤسسة ديمقراطية، فالنزاهة ترتبط بتكافؤ الفرص وشفافية الإنفاق وحرية الوصول إلى الأعضاء، لا بمجرد إعلان نتائج تسمح للقيادة بتكرار نفسها دورة بعد أخرى.
وبالمثل، كشفت تقديرات منشورة أن عدد أعضاء الاتحاد تجاوز 4 آلاف عضو، بينما تراوحت أصوات الفائزين في انتخابات سابقة بين 200 و300 صوت، بما يعكس أزمة مشاركة ومركزية وصعوبة انتقال الأعضاء.
أما طلال سيف، فقد شدد في تصريحات سابقة على أن دعوات سحب الثقة حق مشروع للأعضاء، رافضًا اختزال الاعتراض في خصومة شخصية، ومعتبرًا مصلحة الاتحاد معيارًا أعلى من العلاقات والزمالات والمواقع الإدارية.
كذلك، تكشف تصريحات علاء عبد الهادي القديمة أن القيادة تنظر إلى خصومها باعتبارهم ساعين للسيطرة وتحقيق مكاسب شخصية، وهي رواية دفاعية تنزع المشروعية عن الاعتراض بدل تقديم إجابات واضحة بشأن جوهر الاتهامات.
وبالتالي، يقف الاتحاد أمام روايتين متعارضتين، إحداهما تقول إن الإدارة تحمي الكيان من حملات غير موثقة، والأخرى ترى أن الرئيس يوظف اللوائح والهيئات التأديبية لإخضاع المنتقدين وتحصين موقعه من أي مساءلة حقيقية.
حرية الكاتب أولًا
من منظور أدبي، يرى شريف العصفوري أن استمرار عضويته أصبح متعارضًا مع مبادئه، معتبرًا أن الاتحاد بشكله الحالي يسيء إلى سمعة الكتاب، ولا يوفر البيئة الأخلاقية التي تليق بمن يفترض أنهم حراس للكلمة الحرة.
ومن منظور نقابي، يوضح طلال سيف أن الأزمة لا تنحصر في خلاف مع أعضاء المجلس، بل تتصل بمصلحة الاتحاد ومكانته، بما يجعل شفافية الانتخابات وضمان المشاركة الواسعة شرطين أساسيين لاستعادة ثقة الكتاب.
ومن منظور الإدارة، يقول علاء عبد الهادي إن الهجوم عليه يستهدف إخلاء الطريق أمام أطراف تريد السيطرة على الاتحاد، غير أن هذا الدفاع يظل مطالبًا بإجابات موثقة عن اتهامات الحشد والانفراد بالقرار.
وفوق ذلك، تحمل الاستقالة بعدًا إنسانيًا، لأن الكاتب حين يغادر نقابته لا يفقد بطاقة عضوية فقط، بل يعلن انهيار شعوره بالأمان والانتماء داخل بيت مهني يفترض أن يحميه من العزلة والتهميش.
ولهذا، فإن أخطر ما في الأزمة ليس وصف رئيس الاتحاد بالدكتاتور، بل وصول عضو معروف إلى قناعة أن البقاء ذاته صار إهانة لمبادئه، وأن الإصلاح من الداخل لم يعد ممكنًا أو مجديًا.
في الوقت ذاته، ينبغي الفصل بين الاتهام والحكم النهائي، فالعصفوري قدم روايته وأسبابه، بينما يظل على مجلس الاتحاد الرد تفصيليًا بوثائق واضحة بشأن الانتخابات والحشد والإنفاق، بدل الاكتفاء بالإنكار أو مهاجمة صاحب الاستقالة.
ومع ذلك، فإن تاريخ الصدامات المتكررة يجعل أي رد إنشائي غير كاف، لأن الثقة لا تستعاد ببيانات العلاقات العامة، وإنما بنشر المحاضر والميزانيات وقواعد التصويت وفتح تحقيق مستقل يضمن سماع المعارضين دون تهديد.
وفي المحصلة، تضع استقالة شريف العصفوري اتحاد كتاب مصر أمام اختبار حاسم، إما مراجعة جادة ترد الاعتبار للجمعية العمومية، أو استمرار إدارة الغضب بمنطق الإقصاء حتى يتحول الكيان إلى مبنى بلا ثقة.
وأخيرًا، تبدو خطوة العصفوري شهادة على أن المثقف المتسق مع ذاته لا يقايض مبادئه بعضوية شكلية، وأن مغادرة المؤسسة قد تصبح فعل مقاومة حين تتحول المؤسسة نفسها إلى خصم للحرية التي يفترض أن تدافع عنها.

