سجلت البورصة المصرية صافي بيع للعرب والأجانب بقيمة 220 مليون دولار في السوق الثانوية للدين الحكومي خلال تعاملات الثلاثاء، لتعود الأموال الساخنة إلى الخروج وتضغط مجددا على استقرار الجنيه وأسعار الصرف المحلية.

 

ويكشف هذا التحول السريع هشاشة الرهان الرسمي على تدفقات قصيرة الأجل تمول الدين المرتفع، بينما يتحمل المواطن أثر أي خروج مفاجئ عبر الغلاء وتراجع القوة الشرائية وزيادة كلفة السلع المستوردة والخدمات الأساسية.

 

وبحسب بيانات التداول، جاء الخروج بعد يومين من صافي الشراء، إذ سجل المستثمرون العرب والأجانب 107 ملايين دولار يوم الاثنين، و9.3 مليون دولار يوم الأحد، قبل انقلاب الاتجاه خلال جلسة واحدة.

 

وفي المقابل، بلغ صافي خروج الأموال الساخنة خلال الأسبوع الماضي 459.2 مليون دولار، بعدما سجل الأسبوع السابق خروج 1.46 مليار دولار، بما يؤكد أن التدفقات تظل شديدة الحساسية للأحداث والعوائد وتوقعات سعر الصرف.

 

وخلال يونيو، سجلت السوق الثانوية للدين الحكومي صافي شراء بلغ 8.76 مليار دولار، بينما بلغت التدفقات خلال الربع الثاني 11.66 مليار دولار، وهي أرقام ضخمة لم تمنع عودة البيع السريع لاحقا.

 

وعلى الرغم من ارتفاع الاحتياطي الأجنبي إلى 55.07 مليار دولار بنهاية يونيو، فإن جزءا من التحسن يتزامن مع تدفقات قابلة للانسحاب، ما يضعف تصوير الاحتياطي باعتباره حصنا مستقرا بعيدا عن تقلبات المستثمرين.

 

كما ارتفعت تحويلات المصريين بالخارج إلى 39.2 مليار دولار خلال أول 10 أشهر من العام المالي، لكنها موارد اكتسبها العاملون بجهدهم، ولا تبرر استمرار الحكومة في تعظيم الاقتراض مرتفع التكلفة.

 

ومن ناحية أخرى، تحرك الدولار صعودا بعد سلسلة خسائر، وسجل لدى البنك المركزي 50.46 جنيها للشراء و50.60 جنيها للبيع، في إشارة واضحة إلى سرعة انتقال اضطراب التدفقات نحو سوق الصرف.

 

وبذلك، يصبح استقرار الجنيه معلقا جزئيا بقرارات مستثمرين يبحثون عن أعلى عائد وأسرع خروج، بينما تظل الصناعة والصادرات والاستثمارات المباشرة عاجزة عن توفير التدفقات المستدامة التي يحتاجها الاقتصاد المصري.

 

 

مخاطر الرهان القصير

 

يرى الخبير الاقتصادي هاني توفيق أن أزمة الدين بلغت مستوى مقلقا، وأن الاقتصاد الحقيقي يحتاج إزالة معوقات الاستثمار والإنتاج، بما يعني أن جذب الأموال الساخنة لا يمكن اعتباره بديلا عن إصلاح هيكلي شامل.

 

ووفقا لهذا التقدير، تدفع الحكومة فوائد مرتفعة لجذب المستثمر الأجنبي إلى أذون وسندات الخزانة، ثم تعيد شراء الدولار له عند الخروج، بينما تتحمل الموازنة العامة فارق التكلفة ومخاطر التقلب المتواصل.

 

إضافة إلى ذلك، تؤدي أسعار الفائدة المرتفعة إلى مزاحمة القطاع الخاص، لأن البنوك تجد في إقراض الحكومة عائدا مرتفعا ومخاطرة أقل، فتتراجع فرص المصانع والمشروعات الصغيرة في الحصول على تمويل مناسب.

 

وبالمثل، ترفع خدمة الدين الضغط على الإنفاق الاجتماعي، إذ تبتلع الفوائد حصة متزايدة من الموارد العامة، بينما تتراجع قدرة الدولة على تحسين التعليم والصحة والأجور أو حماية الفئات الأكثر تضررا.

 

لذلك، لا يمثل صافي البيع اليومي مجرد حركة فنية داخل السوق، بل إنذارا من نموذج يعتمد على تدوير الدين وجذب السيولة المؤقتة، من دون بناء قاعدة إنتاجية تخفف الاحتياج المزمن للدولار.

 

 

تقلبات الجنيه مستمرة

 

يقول الخبير الاقتصادي مدحت نافع إن تحركات سعر الصرف قد تكون طبيعية داخل نظام مرن، لكنه يحذر من أن الأموال الساخنة بطبيعتها شديدة الحساسية لفروق العائد، ما يجعل الاعتماد الكبير عليها مصدرا دائما للقلق.

 

ومن ثم، قد تتحرك هذه الأموال بسرعة عند ارتفاع الفائدة الأميركية أو تصاعد التوترات الإقليمية أو تراجع شهية المخاطرة، دون اعتبار لكلفة خروجها على المواطنين أو احتياجات السوق المحلية من النقد الأجنبي.

 

وفي الوقت نفسه، يدعم ارتفاع التحويلات والسياحة والصادرات قدرة البنوك على امتصاص بعض الصدمات، غير أن استمرار العجز التجاري يفرض طلبا واسعا على الدولار ويجعل الجنيه عرضة لتراجع تدريجي ومتكرر.

 

غير أن الحكومة تروج كل ارتفاع مؤقت للجنيه باعتباره دليلا على نجاح السياسات، ثم تتجاهل أن الحركة قد تنعكس خلال جلسات قليلة فور تغير اتجاه المحافظ الأجنبية أو الظروف الدولية.

 

علاوة على ذلك، ينعكس ارتفاع الدولار مباشرة على أسعار الوقود والدواء والغذاء ومستلزمات الإنتاج، فتتحول خسائر العملة إلى فاتورة اجتماعية تدفعها الأسر، بينما يحتفظ المستثمر الأجنبي بحقه الكامل في المغادرة.

 

ولهذا، فإن صعود الاحتياطي لا يكفي وحده لتقييم الأمان النقدي، إذ يجب التمييز بين موارد دائمة ناتجة عن صادرات واستثمار مباشر، وأموال محفظية تدخل بحثا عن الفائدة ثم تنسحب بلا التزامات طويلة.

 

 

فوائد مرتفعة وكلفة اجتماعية

 

يشدد الخبير المصرفي محمد عبد العال على أهمية مرونة سعر الصرف وتوافر السيولة، لكنه يقر بأن تحركات المستثمرين تتأثر بالعائد والمخاطر، بما يستوجب إدارة حذرة تمنع تحول التدفقات إلى مصدر اضطراب متكرر.

 

وبناء على ذلك، فإن تقديم عوائد شديدة الارتفاع قد يجذب مليارات الدولارات مؤقتا، لكنه يضاعف فاتورة الفوائد المحلية ويزيد احتياجات إعادة التمويل، خصوصا عندما تستحق الأذون ويتعين إصدار ديون جديدة للسداد.

 

إلى جانب ذلك، لا تصل مكاسب هذه التدفقات إلى غالبية المصريين، لأن أثرها يتركز في دعم السيولة وتخفيف الضغط المؤقت على الدولار، بينما تبقى الأسعار مرتفعة والأجور أضعف من ملاحقة التضخم.

 

وعوضا عن ذلك، تستطيع الحكومة خفض هشاشة الاقتصاد عبر تشجيع الصناعة وتقليل الواردات غير الضرورية وتوسيع الصادرات، وإزالة القيود أمام المستثمر المنتج، بدلا من منح الأفضلية لرأس مال سريع الحركة.

 

وفي المحصلة، تكشف عودة خروج 220 مليون دولار بعد يومين إيجابيين أن الاستقرار المعلن قابل للتبدل السريع، وأن مليارات يونيو لم تغير الطبيعة المؤقتة لهذه الأموال ولا مخاطر اعتماد الدولة عليها.

 

وأخيرا، يبقى المواطن الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، لأنه لا يحصل على فوائد المستثمرين ولا ضمانات خروجهم، لكنه يدفع ثمن انخفاض الجنيه وارتفاع الأسعار وتقليص الإنفاق العام وزيادة أعباء الدين.