تشهد الدببة القطبية تحولات غير مسبوقة في سلوكها الغذائي، في ظل التغيرات المناخية المتسارعة التي تضرب مناطق القطب الشمالي، بعدما أجبرها انحسار الجليد البحري على البحث عن مصادر جديدة للغذاء بعيدًا عن فرائسها التقليدية.
وأظهرت دراسة علمية حديثة أن الدببة باتت تعتمد بصورة متزايدة على الحيوانات البرية، وعلى رأسها حيوانات الرنة، لتعويض النقص المتزايد في أعداد حيوانات الفقمة التي تمثل غذاءها الأساسي.
وجاءت هذه النتائج بعد توثيق مشهد نادر وغير مسبوق في أرخبيل سفالبارد النرويجي، حيث رصد باحثون لأول مرة دبًا قطبيًا يصطاد حيوان رنة بطريقة احترافية، في واقعة اعتبرها العلماء مؤشرًا واضحًا على تغيرات بيئية عميقة تؤثر في النظام البيئي للقطب الشمالي.
مشهد نادر يوثق تحولًا في سلوك الدببة
في الحادي والعشرين من أغسطس عام 2020، التقط فريق بحثي تابع لمحطة علمية بولندية في أرخبيل سفالبارد مشهدًا استثنائيًا لأنثى دب قطبي تطارد ذكرًا من حيوانات الرنة داخل المياه الجليدية، قبل أن تتمكن من الإمساك به وإغراقه ثم سحبه إلى الشاطئ والتهامه.
ويُعد هذا التوثيق من أوائل الأدلة المصورة التي ترصد عملية صيد كاملة للرنة بواسطة دب قطبي، وهو ما دفع الباحثين إلى توثيق الواقعة علميًا ونشر نتائجها في مجلة "بولار بايولوجي" المتخصصة.
انحسار الجليد يفرض واقعًا جديدًا
ويؤكد الباحثون أن هذا السلوك يرتبط ارتباطًا مباشرًا بالتغير المناخي، إذ يؤدي ذوبان الجليد البحري خلال فصل الصيف إلى ابتعاد حيوانات الفقمة، التي تعتمد عليها الدببة القطبية كمصدر رئيسي للطاقة، مما يجبرها على البقاء لفترات أطول فوق اليابسة والبحث عن بدائل غذائية.
وتوضح الدراسة أن الدببة أصبحت تستغل تزايد أعداد الرنة في سفالبارد، والتي ارتفعت بشكل ملحوظ منذ فرض حظر صيدها عام 1925، لتتحول هذه الحيوانات إلى مصدر غذائي بديل خلال فترات نقص الغذاء.
علماء: ما حدث يشبه الأفلام الوثائقية
وصفت عالمة الأحياء البولندية إيزابيلا كولاشفيتش، المشاركة في الدراسة، المشهد بأنه من أكثر الأحداث إثارة التي شاهدتها خلال عملها الميداني.
وأكدت أن ما حدث كان استثنائيًا إلى درجة بدا وكأنه مشهد من فيلم وثائقي عن الحياة البرية، مشيرة إلى أن الفريق العلمي أدرك منذ اللحظات الأولى أنه أمام حدث قد لا يتكرر كثيرًا، وهو ما دفعهم إلى إعداد دراسة علمية متخصصة حول الواقعة.
الرنة.. غذاء جديد لكنه ليس الحل
ورغم أن الباحثين رصدوا تزايدًا في عمليات افتراس الرنة خلال السنوات الأخيرة، فإنهم يؤكدون أن هذه الحيوانات لا يمكنها تعويض القيمة الغذائية العالية التي توفرها الفقمة.
فالفقمة غنية بالدهون والسعرات الحرارية، وهي المصدر الأساسي للطاقة التي تحتاجها الدببة القطبية للبقاء والتكاثر، بينما توفر الرنة وجبة أقل كفاءة من الناحية الغذائية، وإن كانت تساعد بعض الدببة على تجاوز فترات الصيف الطويلة التي أصبحت تمتد نتيجة ارتفاع درجات الحرارة.
خبراء يحذرون من المبالغة
في المقابل، دعا عدد من العلماء إلى عدم تفسير الحادثة باعتبارها تحولًا جذريًا في النظام الغذائي للدببة القطبية.
وأوضح أستاذ الأحياء بجامعة ألبرتا الكندية أندرو ديروشيه أن افتراس الرنة ربما كان يحدث منذ عقود، إلا أن قلة أعداد البشر وغياب وسائل التصوير الحديثة جعلا توثيق مثل هذه المشاهد أمرًا نادرًا.
وأشار إلى أن انتشار الهواتف الذكية والكاميرات ومنصات التواصل الاجتماعي جعل توثيق مثل هذه الأحداث أكثر سهولة، وهو ما يفسر الاهتمام الكبير الذي حظيت به الواقعة.
نظام غذائي متنوع في أوقات الشح
ورغم اعتمادها الأساسي على الفقمة، فإن الدببة القطبية معروفة أيضًا بتناولها أنواعًا أخرى من الغذاء عند الضرورة، مثل الطيور والبيض والقوارض والدلافين، إضافة إلى الجيف التي تعثر عليها.
كما لاحظ الباحثون أن الدب نفسه الذي ظهر في الفيديو شوهد بعد يومين فقط وهو يتغذى على جيفة أخرى لحيوان رنة، وهو ما يعزز فرضية اعتماد بعض الدببة بصورة أكبر على هذا النوع من الغذاء خلال فترات نقص الفقمة.
مستقبل مقلق للدببة القطبية
ويجمع الخبراء على أن التغير في النظام الغذائي لن يكون كافيًا لإنقاذ الدببة القطبية من التراجع المتوقع في أعدادها إذا استمر ذوبان الجليد بالمعدلات الحالية.
وأكد الباحثون أن الرنة قد توفر مصدرًا إضافيًا للغذاء لبعض الدببة، لكنها لن تعوض فقدان البيئة الجليدية التي تعتمد عليها هذه الحيوانات في الصيد والبقاء.
ويرى البروفيسور إيان ستيرلنغ، من هيئة الحياة البرية الكندية، أن نجاح دب أو اثنين في صيد الرنة بين الحين والآخر لن يكون له تأثير يُذكر على مستقبل الدببة القطبية أو حتى على أعداد الرنة.
أما أندرو ديروشيه، فأكد أن مستقبل دببة بحر بارنتس، بما في ذلك تلك الموجودة في أرخبيل سفالبارد، يبدو شديد القتامة، موضحًا أن استمرار تراجع الجليد البحري قد يؤدي إلى اختفاء هذه التجمعات من الدببة القطبية خلال القرن الحالي، إذا استمرت وتيرة الاحترار العالمي على حالها.
وتسلط هذه الدراسة الضوء على التأثيرات المتزايدة للتغير المناخي في النظم البيئية القطبية، حيث لا تقتصر تداعيات ذوبان الجليد على فقدان المواطن الطبيعية، بل تمتد إلى تغيير السلوك الغذائي للحيوانات المفترسة، في مؤشر جديد على حجم التحولات التي يشهدها القطب الشمالي مع استمرار ارتفاع درجات حرارة الأرض.

