أعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» مقتل 23 طفلاً وإصابة 25 آخرين، بإجمالي 48 طفلاً، جراء تصاعد المعارك المسلحة حول مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان منذ أواخر مايو الماضي، في حصيلة تكشف اتساع دائرة الخطر الذي يلاحق الأطفال داخل المناطق السكنية ومحيطها. وأكدت المنظمة أن استمرار الاشتباكات والقصف وتبادل النيران يهدد حياة أعداد أكبر من المدنيين، بينما تتراجع قدرة المستشفيات والمرافق الإنسانية على تقديم الرعاية اللازمة للجرحى والمصابين.

 

وتأتي هذه الحصيلة في ظل أزمة إنسانية متفاقمة تشهدها ولاية شمال كردفان، حيث تسببت المواجهات العسكرية في نزوح عائلات، وتعطيل الخدمات الصحية والتعليمية، وتضرر البنية الأساسية، إلى جانب زيادة صعوبة وصول الغذاء والمياه والأدوية إلى السكان. وأصبحت حياة الأطفال مرتبطة بمسار العمليات العسكرية، بعدما تحولت الأحياء والقرى المحيطة بمدينة الأبيض إلى مناطق شديدة الخطورة، لا تتوافر فيها ضمانات حقيقية لحماية المدنيين.

 

 

48 طفلاً بين قتيل وجريح

 

وثقت الجهات الإنسانية مقتل 23 طفلاً وإصابة 25 آخرين في مدينة الأبيض والمناطق المجاورة لها، منذ أواخر مايو وحتى الوقت الحالي، نتيجة القصف العشوائي وتبادل إطلاق النار والعمليات العسكرية المتواصلة. وتعكس هذه الأرقام حجم الخطر الذي يواجهه الأطفال، سواء داخل منازلهم أو أثناء تنقلهم بحثاً عن الطعام والمياه والخدمات الأساسية.

 

ولا تقتصر آثار الحرب على الخسائر المباشرة في الأرواح، بل تمتد إلى إصابات جسدية خطيرة وصدمات نفسية قد تلازم الأطفال لسنوات طويلة. كما يواجه المصابون صعوبة في الحصول على العلاج بسبب ضعف الإمكانات الطبية، ونقص الأدوية والمستلزمات، وتزايد الضغط على المستشفيات والمراكز الصحية القريبة من مناطق الاشتباكات.

 

وتشير الحصيلة إلى أن الأطفال أصبحوا من أكثر الفئات تعرضاً لتداعيات القتال، رغم أنهم لا يمثلون طرفاً في النزاع. فالقذائف والرصاص لا تميز بين المقاتلين والمدنيين، بينما يؤدي استخدام الأسلحة في المناطق المأهولة إلى ارتفاع احتمالات سقوط ضحايا جدد، خصوصاً بين الأطفال الذين يعيشون في مساكن تفتقر إلى الحماية أو الملاجئ الآمنة.

 

وتعيش العائلات في الأبيض حالة مستمرة من الخوف، وسط صعوبة مغادرة بعض المناطق أو الانتقال إلى أماكن أكثر أمناً. كما تضطر أسر كثيرة إلى البقاء قرب مناطق القتال بسبب انعدام وسائل النقل، أو عدم امتلاك المال اللازم للنزوح، أو الخشية من التعرض للخطر على الطرق.

 

 

بربر تفقد أربعة أطفال

 

شهدت منطقة بربر، الواقعة جنوب مدينة الأبيض، حادثة دامية أسفرت عن مقتل أربعة أطفال تراوحت أعمارهم بين ثمانية و14 عاماً. وأضافت الواقعة ضحايا جدد إلى حصيلة الأطفال الذين فقدوا حياتهم خلال شهر يوليو، ليرتفع العدد إلى ثمانية قتلى على الأقل خلال الشهر، وفق البيانات الواردة في التقارير الإنسانية.

 

وتكشف هذه الحادثة أن نطاق الخطر لا يقتصر على مركز مدينة الأبيض، بل يمتد إلى القرى والمناطق المحيطة بها، التي أصبحت بدورها عرضة للقصف وتبادل النيران. ويعني ذلك أن انتقال الأسر إلى أطراف المدينة أو المناطق المجاورة لا يضمن بالضرورة نجاتها، في ظل اتساع رقعة العمليات العسكرية وعدم وجود مناطق محمية بشكل فعلي.

 

كما تؤدي الحوادث المتكررة إلى تفكك الأسر وفقدان مصادر الدخل، إذ يجد الآباء والأمهات أنفسهم أمام خسارة أبنائهم أو تحمل تكاليف علاج المصابين في ظل أوضاع اقتصادية قاسية. وتزداد المأساة مع تضرر المدارس وتوقف الدراسة، ما يحرم الأطفال الناجين من حقهم في التعليم ويدفعهم إلى مستقبل يسيطر عليه الخوف وعدم الاستقرار.

 

ويرى العاملون في المجال الإنساني أن استمرار القتال داخل المناطق المدنية يضاعف احتمالات وقوع كوارث جديدة، خصوصاً مع انتشار مخلفات الحرب والذخائر غير المنفجرة، التي تظل تهدد الأطفال حتى بعد توقف الاشتباكات. كما أن غياب التوعية وفرق الإزالة المتخصصة يزيد من خطورة هذه المخلفات على السكان.

 

 

330 ضحية خلال نصف عام

 

أظهرت بيانات حديثة ارتفاع عدد الأطفال الذين قتلوا أو أصيبوا في أنحاء السودان إلى نحو 330 طفلاً خلال النصف الأول من العام الجاري، ما يعكس اتساع نطاق الأزمة وتعدد جبهات القتال. وتؤكد هذه الحصيلة أن ما يحدث في شمال كردفان ليس واقعة منفصلة، بل جزء من نمط أوسع يدفع فيه الأطفال ثمناً باهظاً للحرب المستمرة.

 

وعبّر ممثل منظمة اليونيسف عن قلقه البالغ من تدهور الأوضاع، مؤكداً أن كل رقم معلن يمثل طفلاً وعائلة ومستقبلاً جرى تدميره. وطالبت المنظمة بوقف فوري للأعمال العدائية، واحترام القانون الدولي الإنساني، وحماية المدنيين والمنشآت الصحية والتعليمية من الاستهداف.

 

كما دعت إلى فتح ممرات آمنة تضمن وصول المساعدات الإنسانية والطبية إلى المناطق المتضررة، وتمكين فرق الإغاثة من نقل المصابين وتوفير الغذاء والمياه والرعاية الصحية. وشددت على ضرورة تجنيب الأطفال آثار النزاع ومنع استخدام المناطق السكنية والمنشآت المدنية في العمليات العسكرية.

 

ومع استمرار المعارك حول الأبيض، تتزايد المخاوف من ارتفاع أعداد الضحايا خلال الفترة المقبلة، في ظل غياب تسوية توقف القتال وتعيد الحد الأدنى من الأمان للسكان. ويبقى الأطفال الطرف الأضعف في هذه المواجهات، محاصرين بين القصف والجوع والمرض والنزوح، بينما تبدو النداءات الدولية عاجزة حتى الآن عن توفير الحماية التي يحتاجون إليها.