كشفت الحكومة المصرية تعرض سفينتي غاز داخل ميناء دمياط لهجوم بطائرة مسيرة مجهولة، أدى إلى اندلاع حريق جرى احتواؤه، وأثار مخاوف متزايدة بشأن سلامة الملاحة قرب المدخل الشمالي لقناة السويس.
ويأتي الهجوم وسط مواجهة أمريكية إيرانية تتسع جغرافيًا وتضرب منشآت مدنية وعسكرية، بينما تبدو السلطات المصرية عاجزة عن منع انتقال نيران الصراع إلى أراضيها أو تقديم رواية مكتملة تطمئن المواطنين والعاملين بالموانئ.
وبحسب بيان مجلس الوزراء المصري، أظهرت التحقيقات الأولية أن الحريق الذي اندلع مساء الأربعاء على متن السفينتين نجم عن طائرة مسيرة، دون تحديد مصدر إطلاقها أو الجهة التي خططت للهجوم حتى الآن.
وفي المقابل، نقلت مصادر تجارية أن الهجوم أصاب ناقلة التخزين العائمة إنرجوس وينتر، قبل امتداد النيران إلى سفينة أخرى مجاورة، ما ضاعف المخاوف من قدرة الطائرات المسيرة على اختراق نطاق الميناء الحيوي.
كما أن وقوع الحادث داخل ميناء دمياط، وليس في المياه المفتوحة، يثير أسئلة مباشرة حول منظومات الرصد والإنذار المبكر، ومدى استعداد أجهزة الدولة للتعامل مع تهديد جوي منخفض الارتفاع يستهدف منشآت الطاقة.
ومن ثم، تجاوزت تداعيات الهجوم حدود الخسائر المادية المباشرة، بعدما ارتبطت سلامة ميناء دمياط بأمن حركة السفن المتجهة إلى قناة السويس، التي تمثل أحد أهم الممرات البحرية والتجارية على مستوى العالم.
وعلى الرغم من إعلان السيطرة على الحريق، لم تكشف الحكومة حجم الأضرار الفنية بالسفينتين أو تأثير الحادث على عمليات استقبال الغاز، كما لم توضح الإجراءات الأمنية التي اتخذت قبل الهجوم أو بعد وقوعه.
تهديد الممر الملاحي
يرى الفريق مهاب مميش، الرئيس السابق لهيئة قناة السويس، أن حماية المجرى الملاحي ترتبط بتأمين الموانئ والمداخل البحرية المحيطة به، لأن أي اضطراب قريب قد يرفع المخاطر التشغيلية ويؤثر في قرارات شركات الملاحة.
وبالتالي، فإن استهداف سفن للغاز قرب المدخل الشمالي للقناة يفتح الباب أمام زيادة تكاليف التأمين البحري، خصوصًا إذا اعتبرت الشركات الدولية المنطقة امتدادًا جديدًا لنطاقات الخطر المنتشرة في البحر الأحمر والخليج.
إضافة إلى ذلك، قد تدفع الحادثة بعض شركات الشحن إلى مراجعة مساراتها أو فرض رسوم إضافية، وهو ما يهدد موردًا رئيسيًا للعملة الأجنبية تعاني الدولة المصرية أصلًا من تراجعه بسبب الاضطرابات الإقليمية.
وفي هذا السياق، تمثل قناة السويس مصدرًا بالغ الأهمية للخزانة العامة، ولذلك فإن أي انطباع دولي بفقدان السيطرة الأمنية حول موانئها القريبة يمكن أن ينعكس سريعًا على الحركة التجارية والإيرادات المتوقعة.
غير أن البيانات الرسمية اكتفت بالتأكيد على استمرار التحقيقات وحماية الأمن القومي، دون تقديم تفاصيل عن مسار الطائرة أو نقطة انطلاقها أو الوسائل المستخدمة لاعتراضها، ما أبقى الرواية الحكومية ناقصة ومفتوحة للتكهنات.
وفوق ذلك، يحمل صمت السلطات بشأن طبيعة السفن وحمولتها وحجم الضرر مخاطر إعلامية، إذ يدفع المواطنين ووسائل الإعلام إلى الاعتماد على روايات أجنبية لمعرفة ما جرى داخل منشأة مصرية شديدة الحساسية.
وبناء على ذلك، تتحول الأزمة من حادث أمني محدود إلى اختبار لقدرة الدولة على إدارة المعلومات وقت الطوارئ، خاصة عندما يتعلق الأمر بمنشآت طاقة وموانئ ترتبط مباشرة بالأمن الاقتصادي وحركة التجارة الدولية.
ثغرات الحماية الجوية
يؤكد اللواء نصر سالم، الخبير العسكري والاستراتيجي، أن الطائرات المسيرة الصغيرة تفرض تحديًا على أنظمة الدفاع التقليدية، لأنها تستطيع التحليق على ارتفاعات منخفضة وتنفيذ هجمات دقيقة بكلفة أقل من الصواريخ والطائرات المقاتلة.
لذلك، يكشف وصول طائرة مسيرة إلى سفن راسية داخل الميناء احتمال وجود قصور في الرصد الإلكتروني أو سرعة الاستجابة، خصوصًا أن حماية الموانئ تتطلب دمج المراقبة الساحلية والدفاع الجوي والاستخبارات الميدانية.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن فصل الحادث عن الضربات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران، والتي امتدت إلى العراق والأردن والكويت، ورفعت احتمالات استخدام الوكلاء والطائرات المسيرة لضرب أهداف مرتبطة بالطاقة والملاحة.
علاوة على ذلك، أعلنت القوات الأمريكية تنفيذ هجمات ضد مواقع ومنشآت إيرانية، بينما تحدثت طهران عن سقوط قتلى مدنيين وعسكريين، ما يعكس انتقال المواجهة إلى مرحلة أكثر اتساعًا وأقل قابلية للسيطرة.
وفي المقابل، أعلن الحرس الثوري استهداف قاعدة تستخدمها القوات الأمريكية في الأردن، فيما قالت القوات الأردنية إنها اعترضت 5 صواريخ، وهو ما يؤكد أن المجال الجوي الإقليمي أصبح مسرحًا مفتوحًا للهجمات والاعتراضات.
إلى جانب ذلك، أعلنت الكويت إصابة مبنى تابع لشركة صينية في هجوم إيراني، ما أدى إلى مقتل عامل، لتتسع دائرة الخسائر المدنية وتظهر هشاشة الدول التي تحولت إلى ساحات جانبية لصراع القوى الكبرى.
ومن ناحية أخرى، تزيد المشاركة السعودية في ضربات استهدفت جماعات متحالفة مع إيران داخل العراق من احتمالات الرد المتبادل، وتضع منشآت النفط والغاز والموانئ الخليجية والمصرية أمام تهديدات يصعب توقع توقيتها ومصدرها.
كلفة اقتصادية متصاعدة
يشير الخبير الاقتصادي علي الإدريسي إلى أن اضطراب الملاحة والطاقة ينعكس سريعًا على أسعار التأمين والنقل والوقود، ويضغط على الدول المستوردة، خصوصًا عندما تتزامن التوترات مع ضعف العملة وارتفاع الالتزامات الخارجية.
وعليه، فإن مصر قد تتحمل كلفة مزدوجة تتمثل في اضطراب إمدادات الغاز من جهة، وتراجع إيرادات قناة السويس من جهة أخرى، بينما تواجه الموازنة العامة ضغوطًا متزايدة ونقصًا مستمرًا في العملات الأجنبية.
وبالتوازي، قفزت أسعار النفط بأكثر من 8 بالمئة قبل تراجعها جزئيًا، ما يعكس حساسية الأسواق لأي تهديد يطول مضيق هرمز أو البحر الأحمر أو الموانئ القريبة من قناة السويس.
كذلك، أعلنت إيران مهاجمة 3 ناقلات حاولت عبور مضيق هرمز عبر مسار وصفته بغير المصرح، في رسالة تؤكد أن خطوط الطاقة البحرية أصبحت أداة ضغط مباشرة ضمن المواجهة مع واشنطن وحلفائها.
وبينما عبرت ناقلة غاز تابعة لقطر الممر بعد حصولها على تصريح إيراني، تتزايد المخاوف من تحول المرور التجاري إلى عملية خاضعة للمساومات العسكرية، بما يهدد استقرار الإمدادات ويضاعف تكلفة الشحن والتأمين.
وفي الأثناء، وسعت شركات التأمين البحري نطاق المناطق عالية المخاطر في البحر الأحمر، وهو تطور قد يمتد إلى شرق المتوسط إذا تكررت الهجمات قرب الموانئ المصرية أو عجزت السلطات عن كشف منفذيها.
وأخيرًا، يضع استهداف سفينتي الغاز الدولة المصرية أمام مسؤولية إعلان نتائج تحقيق شفافة، ومراجعة منظومات حماية الموانئ، لأن الاكتفاء ببيانات مقتضبة لن يمنع تكرار الهجوم أو يبدد المخاوف المحيطة بقناة السويس.

