دفعت الأمطار الغزيرة وكسران في الميجر والمصرف الرئيسي مياه الري إلى داخل قرية ود رزوق المغاربة شمال المناقل بولاية الجزيرة، فغمرت الطرق والمنازل، وأوقفت الدراسة، وتسببت في انهيارات جزئية بمساكن عدة.
مشاهد توثق تدفق مياه الأمطار بغزارة قرب قرية ود رزوق المغاربة بمحلية المناقل في ولاية الجزيرة وسط السودان ما أدى إلى غمر الطرقات والمنازل pic.twitter.com/dCnjX2YcXV
— الجزيرة مباشر (@ajmubasher) July 30, 2026
وتكشف الواقعة كيف تُترك القرى السودانية وحدها أمام كوارث متوقعة، بينما تنشغل سلطات الأمر الواقع بإدارة الحرب وتوزيع النفوذ، تاركة البنية الأساسية المنهكة والسكان المنكوبين لمواجهة المياه بوسائل بدائية لا توقف الخطر.
وبحسب إفادات محلية، تحولت شوارع القرية خلال ساعات إلى مجار مائية مفتوحة، وتعذر انتقال السكان بصورة آمنة، فيما وصلت المياه إلى أفنية المنازل والغرف المنخفضة، وهددت الأبنية المشيدة بمواد محلية سريعة التأثر بالرطوبة.
وفي المقابل، لم تظهر منذ اللحظات الأولى آليات ثقيلة أو فرق هندسية حكومية قادرة على عزل مصدر التدفق، الأمر الذي دفع الأهالي إلى التحرك بأنفسهم، رغم افتقارهم للمعدات والحماية والخبرة اللازمة للتعامل مع انهيار قنوات الري.
كما اضطرت إدارات المدارس إلى تعليق الدراسة وإغلاق المؤسسات التعليمية مؤقتا، بعدما أصبحت الطرق المؤدية إليها مغمورة، وتصاعدت المخاوف من سقوط جدران أو انزلاق أطفال في المياه، وسط غياب ترتيبات نقل أو إيواء بديلة.
ومن ناحية أخرى، بدأت انهيارات جزئية في عدد من المنازل، ما أجبر بعض الأسر على نقل الأطفال وكبار السن والمتعلقات الضرورية إلى مناطق أعلى، بينما بقيت أسر أخرى محاصرة بسبب صعوبة الحركة واستمرار ارتفاع المياه حول مساكنها.
كسران يكشفان الإهمال
ويرى خبير الري والخزانات أبوبكر مصطفى، في قراءة منشورة سابقة لأزمات المناقل، أن تدهور البنية الأساسية لمشروع الجزيرة نتج عن سنوات من تفكيك المؤسسات الفنية وتشريد الكفاءات وإسناد أعمال الصيانة إلى جهات تفتقر للخبرة.
وبناء على هذا التشخيص، فإن كسر الميجر والمصرف لا يبدو حادثا منفصلا عن تاريخ طويل من الإهمال، بل نتيجة متوقعة لشبكة ري فقدت الصيانة الدورية والرقابة المهنية والقدرة على استيعاب الزيادات المفاجئة في المياه.
وفوق ذلك، تؤكد صور التدفق وشهادات السكان أن المشكلة لم تبدأ عند وصول المياه إلى البيوت، وإنما سبقتها مؤشرات في القنوات والمصارف كان يمكن التعامل معها مبكرا، لو وجدت دوريات تفتيش وخطط استجابة موسمية فعالة.
لذلك، تبدو محاولة الأهالي سد الكسر بالتربة الجافة وشوالات البلاستيك دليلا على انهيار وظيفة الدولة، لا مجرد مبادرة شعبية، لأن السكان اضطروا إلى مواجهة خطر هندسي متحرك بأدوات منزلية لا توفر حماية مستدامة.
ومن ثم، فإن استمرار الاعتماد على المعالجات المؤقتة يهدد بتجدد الانهيار مع كل موجة أمطار، كما يسمح بتشبع التربة حول المنازل والطرق، وهو ما يرفع احتمالات الهبوط الأرضي وتصدع الجدران واتساع الخسائر لاحقا.
غير أن السلطات المحلية لم تقدم، حتى لحظة انتشار نداءات الاستغاثة، بيانا مفصلا يحدد حجم الضرر أو عدد المنازل المتأثرة أو خطة إيقاف المياه، ما ترك الأهالي أمام معلومات متناثرة ومخاوف تتزايد مع استمرار التدفق.
وعلاوة على ذلك، طالب السكان والي الجزيرة والمدير التنفيذي لمحلية المناقل وإدارة مشروع الجزيرة بإرسال حفارات وآليات هندسية، مؤكدين أن إغلاق مصدر المياه وإعادة تأهيل المصرف يتجاوزان قدرة المجتمع المحلي مهما اتسعت مساهماته.
المدارس في دائرة الخطر
ويقول الخبير القانوني في قضايا المياه أحمد المفتي، في تصريحات سابقة بشأن فيضانات السودان، إن الأمطار تظل عاملا رئيسيا في الكوارث، لكنه دعا أيضا إلى التحقيق في إدارة المياه والمسؤوليات المؤسسية عند وقوع أضرار واسعة.
وبالتالي، يفرض إغلاق مدارس ود رزوق فتح تحقيق محلي مستقل في سلامة المباني ومسارات التصريف، بدلا من الاكتفاء بتعليق الدراسة، لأن عودة التلاميذ قبل فحص الأساسات والجدران قد تحول الأزمة المؤقتة إلى مأساة جديدة.
ومع ذلك، لا تقتصر الخسارة التعليمية على أيام التوقف، إذ يعيش التلاميذ في بيئة خوف واضطراب، وقد تفقد أسرهم الكتب والزي المدرسي، بينما يصعب استئناف الدراسة من دون تجفيف الفصول وتأمين الطرق والمرافق الصحية.
في الوقت نفسه، تهدد المياه الراكدة بزيادة توالد الحشرات وتلوث مصادر الشرب، خصوصا إذا اختلطت بمخلفات المنازل أو المصارف، وهو خطر يتطلب فرق صحة بيئية ومياه آمنة، لا زيارات بروتوكولية أو وعودا إعلامية متأخرة.
وبصورة أوسع، تكشف الأزمة هشاشة الخدمات في قرى المناقل بعد سنوات الحرب والنهب والتراجع الاقتصادي، حيث أصبحت المدرسة والمركز الصحي والطريق والقناة أجزاء من بنية واحدة متداعية، وأي خلل فيها يدفع ثمنه المدنيون.
إضافة إلى ذلك، يمثل توقف التعليم إنذارا مبكرا بأن الأزمة تتجاوز الضرر المادي، لأن الأطفال يفقدون الإحساس بالأمان والاستقرار، فيما تتحمل النساء أعباء حماية الصغار وتوفير الطعام والمياه داخل منازل مهددة بالغمر والانهيار.
ولهذا، ينبغي أن تتضمن الاستجابة مواقع إيواء مؤقتة وآمنة، وفرق تقييم هندسي، وخدمات صحية متنقلة، وحصرا شفافا للأسر المتضررة، مع نشر النتائج علنا حتى لا تتحول المساعدات إلى باب جديد للمحاباة والفساد.
الاستجابة الشعبية وحدها لا تكفي
ويؤكد الخبير البيئي إسماعيل الجزولي، في حديث منشور عن المسؤولية البيئية، أن حماية البيئة مسؤولية مشتركة، غير أن هذا المبدأ لا يعفي المؤسسات العامة من واجب التخطيط والصيانة وتوفير الأدوات التي تتجاوز قدرة الأفراد.
وانطلاقا من ذلك، تستحق مبادرة شباب القرية التقدير، لكنها تكشف في الوقت نفسه حجم الفراغ الرسمي، فالشباب الذين يحملون الشوالات ويجمعون التراب ليسوا بديلا عن مهندسي الري والحفارات وفرق الدفاع المدني المدربة.
وعلى صعيد متصل، يحتاج وقف الكارثة إلى إغلاق منظم لمصادر التدفق، وتدعيم جوانب القنوات، وفتح المصارف المسدودة، ثم مراقبة المناسيب، لأن ردم نقطة واحدة قد ينقل الضغط إلى موقع آخر ويخلق كسرا أشد خطورة.
في المقابل، يظل غياب الأرقام الرسمية حول المنازل والمدارس والأسر المتضررة عقبة أمام الاستجابة، إذ لا يمكن توزيع الإغاثة أو تقدير الاحتياجات من دون مسح ميداني سريع يشمل السكن والصحة والمياه والتعليم والطرق.
وأخيرا، تضع مأساة ود رزوق سلطات الجزيرة أمام اختبار واضح: إما التحرك الفوري بآليات وخطة معلنة وتعويضات عادلة، أو تثبيت صورة سلطة تترك المواطنين يغرقون ثم تكتفي بتسجيل الخسائر بعد فوات الأوان.

