بدأت وزارة التموين والتجارة الداخلية، اليوم السبت 1 أغسطس، تطبيق نظام الخصم المباشر على المخابز في جميع المحافظات، بعد سداد أصحابها 19,240 جنيها عن طن الدقيق، ما نقل عبء التمويل المسبق إلى أصحاب المخابز. ويأتي القرار بينما تمضي الحكومة تدريجيا نحو إعادة تشكيل منظومة الدعم، في وقت تعاني فيه الأسر من ضغوط معيشية متراكمة، ما يجعل أي تعديل في خبز الفقراء اختبارا اجتماعيا لا يحتمل الغموض أو التجريب الإداري المفتوح.
وبموجب النظام الجديد، يدفع صاحب المخبز قيمة حصته من الدقيق مقدما، ثم تجري التسويات المالية مع الجهات الحكومية وفقا لكميات الخبز المنتجة والمباعة، بما يغير آلية المحاسبة دون تعديل فوري في حصة المواطن. وفي المقابل، أكدت الوزارة استمرار صرف 5 أرغفة يوميا لكل فرد مسجل على البطاقة التموينية، مع بقاء سعر الرغيف عند 20 قرشا، محاولة الفصل بين التغيير المالي داخل المخابز وبين حقوق المستفيدين في المرحلة الحالية.
وعلى صعيد التنفيذ، قال رئيس الشعبة العامة للمخابز عبد الله غراب إن أصحاب المخابز سددوا قيمة حصص الدقيق بسعر 19,240 جنيها للطن، استعدادا لبدء العمل بالنظام الجديد مع استمرار قواعد صرف الخبز المدعم للمواطنين. وبحسب غراب، لا يغير التطبيق الحالي سعر الرغيف أو عدد الأرغفة، لكنه يعيد تنظيم العلاقة المالية بين المخابز والدولة، في وقت تستمر فيه المناقشات بشأن الانتقال لاحقا إلى صيغة مختلفة للدعم لم تحسم تفاصيلها النهائية.
خصم يسبق التحول النقدي
وفي هذا السياق، يمثل نظام الخصم المباشر خطوة تنفيذية مهمة في إعادة هيكلة تمويل الخبز، إذ تنتقل المخابز إلى شراء الدقيق مقدما قبل استرداد مستحقاتها، وهو تحول يرفع أهمية السيولة والقدرة المالية لدى كل مخبز.
ومن ناحية أخرى، يرى عبد الله غراب أن النظام الجديد يهدف إلى ضبط الحسابات وتقليل التعقيدات المرتبطة بحركة الدقيق والإنتاج، مع إبقاء المواطن خارج التغيير الحالي، لكنه أقر بأن الدعم النقدي لا يزال مطروحا للنقاش الحكومي. ومع ذلك، يثير تحميل المخابز تكلفة الدقيق مقدما مخاوف لدى أصحاب المنشآت الصغيرة التي تعمل بهوامش محدودة، لأن أي تأخير في التسويات أو تراكم للغرامات قد يحول الإصلاح الإداري إلى ضغط مالي يهدد استمرار بعضها. وفوق ذلك، تأتي المنظومة بعد تحذيرات سابقة من أن آلاف المخابز تواجه أعباء مرتبطة بالمخالفات والغرامات،
ما يضاعف التساؤلات حول قدرة المنشآت المتعثرة على تدبير قيمة الدقيق مقدما والحفاظ في الوقت نفسه على انتظام الإنتاج. وبالتالي، فإن نجاح الخصم المباشر لا يتوقف على دقة الحسابات الإلكترونية وحدها، بل يرتبط بسرعة رد المستحقات ومنع تراكم المديونيات، لأن أي خلل في التدفقات المالية يمكن أن ينتقل مباشرة من المخبز إلى توافر الخبز. وفي الوقت نفسه، لم تعلن الحكومة موعدا نهائيا لتطبيق الدعم النقدي على المواطنين، كما لم تحسم بصورة رسمية قيمة ما سيحصل عليه الفرد أو آليات تعديل هذه القيمة مستقبلا إذا ارتفعت أسعار الخبز أو تكاليف الإنتاج.
الدعم بين الكفاءة والتآكل
ومن منظور اقتصادي، يرى الدكتور مدحت نافع أن الدعم النقدي أكثر كفاءة من الدعم العيني في الوصول إلى المستحقين، بسبب ما تتعرض له المنظومات العينية من فاقد وهدر خلال مراحل التداول والتوزيع قبل وصول الدعم للمواطن. كما يشير نافع إلى أن تقليل حلقات الوساطة قد يساعد الدولة على توجيه الموارد بصورة أدق، وهو طرح تستخدمه الحكومة للدفاع عن التحول، غير أن الكفاءة المحاسبية وحدها لا تضمن حماية القوة الشرائية للأسر محدودة الدخل.
وعلى الجانب الآخر، يحذر الخبير الاقتصادي الدكتور رشاد عبده من التعامل مع الدعم النقدي باعتباره الخيار الأفضل في كل الظروف، مؤكدا أن المشكلة الحقيقية تتعلق بالشكل الذي يحفظ قيمة الدعم ويمنع تآكلها أمام ارتفاع الأسعار.
وبحسب عبده، فإن الدعم موجود بأشكال مختلفة في دول عديدة، ولذلك لا ينبغي اختزال النقاش في إلغائه أو تحويله، بل في قدرة النظام المختار على حماية الفئات الأضعف وضمان حصولها فعليا على احتياجاتها الأساسية. ومن ثم، يصبح التضخم نقطة الاختبار الأخطر لأي دعم نقدي ثابت، لأن المبلغ الذي يكفي لشراء حصة محددة اليوم قد يفقد جزءا من قيمته لاحقا، بينما يضمن الدعم العيني للمستفيد كمية معلومة بصرف النظر عن السعر. وعلاوة على ذلك،
,لم تكشف الحكومة حتى الآن قاعدة واضحة لربط أي قيمة نقدية محتملة بتغير الأسعار، وهو غياب يفتح الباب أمام مخاوف من تحول الإصلاح إلى خفض تدريجي للقيمة الحقيقية للدعم تحت عنوان تحسين الكفاءة.
الخبز تحت اختبار جديد
وبعيدا عن الخطاب الرسمي، يحتل الخبز موقعا شديد الحساسية في ميزانيات الأسر الفقيرة، إذ يمثل مكونا يوميا لا يمكن الاستغناء عنه، ولذلك فإن أي تغيير في طريقة دعمه يتجاوز الحسابات الفنية إلى الأمن الغذائي المباشر.
وفي الإطار نفسه، يستفيد عشرات الملايين من منظومة الخبز المدعم، ما يجعل إعادة تصميمها واحدة من أوسع العمليات تأثيرا في الحياة اليومية، خصوصا مع ارتفاع تكاليف الغذاء والسكن والنقل وتراجع قدرة الأجور على ملاحقتها. وبناء على ذلك، فإن ضمان بقاء سعر الرغيف عند 20 قرشا واحتفاظ الفرد بحصة 5 أرغفة يوميا يخفف القلق مؤقتا، لكنه لا يجيب عن السؤال الأهم بشأن ما سيحدث عند الانتقال الكامل إلى الدعم النقدي.
ولزيادة الوضوح، تحتاج الحكومة إلى إعلان قواعد التحول قبل تنفيذه، بما يشمل قيمة الدعم وطريقة مراجعتها وحدود استخدامه وضمانات عدم تقليص المستفيدين، بدلا من ترك ملايين الأسر أمام تصريحات متفرقة ومقترحات لم تعتمد نهائيا. وفي موازاة ذلك، يظل الحوار المجتمعي الذي وعدت به الدولة معيارا لجدية إشراك المتضررين، لأن اتخاذ قرار يمس الغذاء الأساسي دون نشر تفاصيله أو تقييم آثاره يضع العبء كله على المواطنين بعد بدء التنفيذ.
أما على مستوى المخابز، فإن استقرار العمل يتطلب تسويات مالية سريعة ونظاما واضحا للاعتراض على الخصومات والغرامات، حتى لا تتحول الرقابة إلى أداة تستنزف أصحاب المخابز أو تدفع بعضهم للخروج من المنظومة المدعمة. وفي المقابل، تحتاج الدولة إلى رقابة حقيقية تمنع تسريب الدقيق والتلاعب في الإنتاج دون تحميل أصحاب المخابز الملتزمين تكلفة أخطاء المنظومة، لأن إصلاح الدعم يفقد معناه إذا استبدل الهدر القديم بأعباء جديدة على المنتجين.
وأخيرا، يكشف بدء الخصم المباشر أن الحكومة انتقلت من مرحلة النقاش إلى إعادة ترتيب البنية المالية للخبز، بينما بقي مستقبل دعم المواطن نفسه غامضا، وهو تناقض يفرض شفافية أكبر قبل اتخاذ الخطوة التالية. وفي المحصلة، لا تكمن الأزمة في تحديث طريقة المحاسبة وحدها، بل في اتجاه قد يعيد تعريف علاقة الدولة بأبسط حقوق الفقراء، لذلك يبقى معيار النجاح حماية 5 أرغفة وقيمتها الفعلية لا مجرد تقليص تكلفة الدعم.

