تكشف بيانات البنك الدولي في مصر أن معدل الفقر الوطني بلغ 33.5%، فيما وصل التضخم إلى ذروة 38%، وهي أرقام تعيد تفنيد وصف يوسف الحسيني للمصريين بأنهم شعب «فنجري» لا يتحمل الظروف الاقتصادية.
يوسف الحسيني: الصين استحملت الجوع والفقر عشان تبقى قوة عظيمة.. وإحنا شعب فنجري بنحب ننبسط ✋️ pic.twitter.com/SCpef4NRUS
— بيه ابن بيه (@TmanMhmwd6220) August 4, 2026
ويبدو الوصف أكثر قسوة حين يوضع أمام حياة ملايين الأسر التي تحملت انهيار قيمة الجنيه وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والمواصلات، بينما جرى تحميل المواطنين تبعات اختيارات اقتصادية متراكمة ثم لومهم إعلاميا على الشكوى من نتائجها.
ومنذ عام 2013، مرت مصر بموجات متلاحقة من خفض قيمة العملة ورفع أسعار الوقود والكهرباء وتقليص الدعم، لتنتقل الصدمات تدريجيا إلى الأسواق وتضرب القوة الشرائية للأجور والمدخرات وتعيد تشكيل مستوى معيشة قطاعات اجتماعية واسعة.
وفي أحدث تقديراته، قال البنك الدولي إن معدل الفقر الرسمي بلغ 33.5% خلال 2021 و2022، بينما ارتفع الفقر وفق خط الدول متوسطة الدخل الأدنى بنحو 5 نقاط مئوية بين عامي 2022 و2024.
كما سجل التضخم ذروة بلغت 38% أواخر عام 2023، وهي موجة لم تختف آثارها بمجرد تراجع المعدل السنوي لاحقا، لأن الأسعار التي قفزت خلال الأزمة بقيت عند مستويات مرتفعة بالنسبة إلى دخول المواطنين.
وبالتالي، فإن السؤال لا يتعلق بقدرة المصري على التحمل، وإنما بحجم ما تحمل بالفعل خلال سنوات شهدت خسارة الجنيه جزءا كبيرا من قيمته، وارتفاعا متواصلا في تكاليف الغذاء والسكن والطاقة والخدمات الأساسية.
الأجور تطارد الأسعار
يرى الخبير الاقتصادي هاني توفيق أن التضخم حين يتزامن مع ضعف التشغيل والقوة الشرائية يتحول إلى ركود تضخمي بالغ القسوة، لأن السلع تكون متاحة لكن المواطنين يعجزون عن شرائها نتيجة ارتفاع التكلفة وتآكل الدخول.
ويؤكد توفيق كذلك أن أي دعم نقدي يفقد قيمته إذا لم يرتبط بمعدلات التضخم، مطالبا بمراجعته دوريا حتى لا تتآكل القوة الشرائية للمبالغ التي تحصل عليها الأسر مع استمرار ارتفاع الأسعار.
ومن ثم، تبدو الزيادات الاسمية في الأجور أقل قدرة على التعبير عن مستوى المعيشة الحقيقي، لأن قيمة المرتب لا تقاس بعدد الجنيهات فقط، وإنما بكمية الغذاء والسكن والمواصلات والعلاج التي يستطيع العامل شراءها.
وقد ارتفع الحد الأدنى للأجور إلى 7000 جنيه، إلا أن قيمته الحقيقية ظلت تحت ضغط التضخم وتراجع العملة، كما أن ملايين العاملين خارج الأطر الرسمية لا يستفيدون بالضرورة من تطبيق هذا الحد.
إضافة إلى ذلك، فإن العامل الذي يحصل على زيادة سنوية محدودة يجد نفسه أمام زيادات متكررة في الكهرباء والوقود والإيجار والدواء والغذاء، ما يجعل تحسين الأجر على الورق مختلفا تماما عن تحسن مستوى المعيشة فعليا.
وفي هذا السياق، أوضح الخبير الاقتصادي عبد المنعم السيد أن رفع الأجور مطلوب لمواجهة التضخم وانخفاض قيمة الجنيه وارتفاع السلع الأساسية، محذرا من أن زيادة الدخول بلا توسع إنتاجي قد تدفع الأسعار إلى الارتفاع مجددا.
وبناء على ذلك، فإن وصف المصريين بأنهم غير قادرين على التحمل يتجاهل حقيقة أن المواطن خاض سنوات طويلة من محاولات التكيف، عبر تقليص الاستهلاك وتغيير أنماط الطعام وتأجيل الشراء واللجوء إلى الاقتراض.
الفقر يلتهم الطبقة الوسطى
يحذر الخبير الاقتصادي رشاد عبده من أن التضخم وانهيار قيمة الجنيه دفعا الفقر إلى داخل الطبقة الوسطى، معتبرا أن بعض الفقراء أصبحوا أشد فقرا وأن قطاعات من الطبقة المتوسطة انزلقت إلى دائرة الاحتياج.
وبحسب عبده، لا تكمن المشكلة في رقم الأجر الاسمي وإنما في قوته الشرائية، لأن التضخم قادر على ابتلاع الزيادات خلال فترة قصيرة، بينما يبقى العامل أو صاحب المعاش عاجزا عن تعويض خسارته الحقيقية.
وعلاوة على ذلك، يظهر اتساع الفقر في تقديرات البنك الدولي التي تشير إلى ارتفاعه بنحو 5 نقاط مئوية بين 2022 و2024 وفق خط الفقر المستخدم للدول متوسطة الدخل الأدنى.
ومن ناحية أخرى، لا تشمل أرقام الفقر وحدها كل المتضررين، لأن أسر الطبقة الوسطى قد تبقى إحصائيا فوق خط الفقر، بينما تفقد قدرتها على الادخار أو العلاج الخاص أو التعليم أو شراء السلع المعمرة.
وهكذا، يتحول تراجع مستوى المعيشة إلى عملية تدريجية تبدأ بالتخلي عن الكماليات، ثم تقليل جودة الطعام، ثم تأجيل العلاج، وصولا إلى الاستدانة أو بيع المدخرات والأصول الصغيرة لتغطية النفقات الشهرية الأساسية.
وفي المقابل، أدى تحرير أسعار الطاقة إلى إضافة أعباء أخرى، إذ أعلنت وزارة الكهرباء خلال 2026 زيادات جديدة لبعض شرائح الاستهلاك، في استمرار لمسار نقل جانب من ارتفاع تكلفة الطاقة إلى المستهلك النهائي.
لذلك، فإن الاحتجاج على فاتورة الكهرباء أو سعر البنزين أو الطعام لا يمثل دلالا اجتماعيا، وإنما يعكس ضغطا تراكميا على ميزانية أسرة تواجه ارتفاعات متزامنة في معظم البنود التي لا تستطيع الاستغناء عنها.
الغذاء يكشف عمق الأزمة
ويقدم برنامج الأغذية العالمي مؤشرا أكثر مباشرة على معيشة المواطنين، إذ يقول إن 49% من الأسر في مصر تفتقر إلى الوصول الكافي إلى الغذاء، فيما يؤثر الفقر متعدد الأبعاد على 21% من السكان.
كما يشير البرنامج إلى استمرار تحديات قدرة الأسر على تحمل تكلفة الطعام وجودته وسلامته، مع اعتماد مصر على الأسواق العالمية في أكثر من نصف احتياجاتها من عدد من السلع الغذائية الأساسية.
وفي تطور أحدث، قالت منظمة الأغذية والزراعة إن تضخم أسعار الغذاء عاد إلى الصعود خلال 2026، مدفوعا جزئيا بانخفاض قيمة العملة وارتفاع أسعار الخضروات واللحوم والخبز والحبوب والأسماك.
وفضلا عن ذلك، فإن الغذاء يمثل بندا مرتفع الوزن في إنفاق الأسر الأقل دخلا، ولذلك يكون ارتفاع أسعاره أكثر قسوة على الفقراء من غيرهم، لأنهم ينفقون نسبة أكبر من دخولهم على الاحتياجات الضرورية.
ومن هنا، لا تحتاج أزمة المصريين إلى توصيفات ساخرة بقدر ما تحتاج إلى قراءة ميزانيات الأسر التي أصبحت تحسب ثمن الوجبة والمواصلات والكهرباء يوميا، وتعيد ترتيب احتياجاتها مع كل موجة جديدة من الأسعار.
وعليه، فإن الأرقام الصادرة عن البنك الدولي وبرنامج الأغذية العالمي لا تصف شعبا يرفض التحمل، وإنما مجتمعا تحمل سنوات من التضخم وتراجع العملة واتساع الفقر وضغوط الغذاء والطاقة على دخله الحقيقي.
وفي المحصلة، يصبح وصف المصريين بأنهم «فنجرية» مفارقة أمام معدل فقر بلغ 33.5% وذروة تضخم وصلت 38% وأسر يعاني نحو نصفها صعوبة الوصول الكافي إلى الغذاء وفق بيانات دولية منشورة.
وأخيرا، فإن ما تكشفه الأرقام ليس نقصا في قدرة المصريين على الصبر، بل حجم فاتورة اقتصادية تحملوها لسنوات، بينما يظل لوم المواطنين على شكواهم محاولة لقلب المسؤولية من صانع السياسات إلى من يدفع ثمنها.

