رغم مرور سنوات على مجزرة فض اعتصام رابعة العدوية في 14 أغسطس 2013، فإن مقاطع الفيديو والصور والشهادات التي وثقت ذلك اليوم لا تزال تعيد إلى الواجهة واحدة من أكثر الوقائع إثارة للجدل في التاريخ المصري الحديث.
وتستمر منظمات حقوقية ووسائل إعلام دولية وناجون من الأحداث في نشر روايات ووثائق تتناول ما جرى أثناء عملية الفض، بما في ذلك مشاهد الحرائق التي اندلعت داخل محيط الاعتصام، والجثامين التي ظهرت في عدد من التسجيلات المصورة.
وتعد أحداث رابعة من أكثر الملفات التي لا تزال تثير نقاشًا واسعًا بشأن حجم الضحايا، وطبيعة القوة المستخدمة، والمسؤولية عن الحرائق والانتهاكات التي وقعت خلال عملية الفض.
حرائق داخل الاعتصام ومسجد رابعة
وفقًا لما ورد في تقارير رسمية وشهادات منشورة، اندلعت حرائق في عدد من خيام المعتصمين، قبل أن تمتد إلى أجزاء من مسجد رابعة العدوية والمستشفى الميداني المقام داخل الاعتصام.
وتشير بيانات وردت في تقارير لجنة تقصي الحقائق ومصلحة الطب الشرعي، إلى أن عددًا من الجثامين تعرض للحرق نتيجة النيران التي اجتاحت تلك المناطق، بينما وثقت مقاطع فيديو متداولة تصاعد ألسنة اللهب والدخان الكثيف في محيط المسجد والمستشفى الميداني.
ويرى متابعون أن تلك المشاهد أصبحت من أكثر اللقطات ارتباطًا بأحداث الفض، لما حملته من صور إنسانية صادمة استمرت في التداول خلال السنوات التالية.
فيديوهات توثق مشاهد الجثامين وسط النيران
تُظهر تسجيلات مصورة نُشرت عقب الأحداث جثامين ملقاة في مناطق تعرضت للحريق، بينما تظهر في لقطات أخرى معدات ثقيلة تتحرك داخل محيط الاعتصام بعد انتهاء الاشتباكات.
وتُستخدم هذه المقاطع على نطاق واسع في التقارير الحقوقية والمواد الوثائقية التي تناولت أحداث الفض، باعتبارها جزءًا من التوثيق البصري لما جرى في ذلك اليوم.
الجرافات في قلب المشهد
أحد أكثر المشاهد التي أثارت الجدل يتمثل في ظهور جرافات ومعدات ثقيلة داخل ميدان رابعة عقب انتهاء عملية الفض.
وتظهر مقاطع مصورة هذه المعدات وهي تتحرك بين الأنقاض والجثامين المنتشرة في المكان، بينما اعتبرت منظمات حقوقية أن طريقة التعامل مع الموقع أثارت تساؤلات بشأن الحفاظ على الأدلة الجنائية وآليات جمع الجثامين.
تقارير حقوقية وانتقادات لاستخدام القوة
عدد من المنظمات الحقوقية الدولية، من بينها هيومن رايتس ووتش، أصدر تقارير تناولت عملية الفض، واعتبرت أن قوات الأمن استخدمت القوة المميتة بصورة واسعة، مشيرة إلى سقوط أعداد كبيرة من القتلى والمصابين خلال ساعات قليلة.
كما تحدثت تقارير أخرى عن استخدام الذخيرة الحية وانتشار القناصة في محيط الاعتصام.
وتطالب منظمات حقوقية منذ سنوات بإجراء تحقيقات مستقلة في جميع الوقائع المرتبطة بعملية الفض، بما في ذلك أسباب الحرائق، وعدد الضحايا، وكيفية التعامل مع الجثامين بعد انتهاء العملية.
شهادات الناجين.. روايات عن لحظات لا تُنسى
العديد من الناجين ممن كانوا داخل الاعتصام قدموا شهادات لوسائل إعلام دولية وصحف أجنبية، تحدثوا فيها عن اللحظات الأخيرة قبل انتهاء الفض.
ونقلت صحيفة واشنطن بوست عن أحد الناجين، الذي أشارت إليه بالحروف الأولى من اسمه، أنه شاهد إطلاق نار كثيفًا، ووصف ما رآه بأنه غيّر حياته بالكامل، مؤكدًا أنه غادر مصر لاحقًا خوفًا من الملاحقة.
كما تحدث الناشط الحقوقي أحمد سميح في شهادات إعلامية عن المشاهد التي رآها عقب الفض، مشيرًا إلى وجود أعداد كبيرة من الجثامين داخل المشارح، وإلى حجم الدمار الذي خلفته الأحداث.
ويروي ناجون آخرون مشاهد عن انتشار الدخان، وصعوبة إسعاف المصابين، واستمرار إطلاق النار في مناطق مختلفة من محيط الاعتصام، مؤكدين أن تلك الساعات ظلت الأكثر قسوة في حياتهم.
المستشفى الميداني.. نهاية مأساوية
كان المستشفى الميداني داخل الاعتصام يمثل نقطة إسعاف رئيسية للمصابين، إلا أن النيران التي اندلعت في محيطه، وفق روايات متعددة، أدت إلى توقفه عن العمل في ظل تزايد أعداد الضحايا.
وتشير تقارير إلى أن الحرائق والدخان أعاقا عمليات إنقاذ المصابين، في وقت كانت فيه سيارات الإسعاف تواجه صعوبة في الوصول إلى المكان.
وأصبحت صور المستشفى الميداني بعد انتهاء الفض من أكثر المشاهد تداولًا في التقارير التي وثقت تلك الأحداث.
مسجد الإيمان يتحول إلى مركز لتجميع الجثامين
بعد انتهاء عملية الفض، نُقلت أعداد كبيرة من الجثامين إلى مسجد الإيمان بمدينة نصر، الذي تحول لساعات طويلة إلى نقطة رئيسية لتجميع الضحايا والتعرف عليهم.
وأظهرت تسجيلات مصورة ممرات المسجد وقد امتلأت بالجثامين، فيما كان الأهالي يتوافدون بحثًا عن ذويهم وسط حالة من الصدمة.
كما أشارت تقارير إعلامية إلى أن بعض الجثامين كانت متفحمة أو تعرضت لتشوهات بالغة، الأمر الذي صعّب عملية التعرف على هوية أصحابها.
ملف لا يزال مفتوحًا
بعد أكثر من عقد على أحداث رابعة العدوية، لا يزال الجدل قائمًا بشأن تفاصيل ما جرى، وحجم الخسائر البشرية، وأسباب الحرائق، وطبيعة الانتهاكات التي وثقتها منظمات حقوقية ووسائل إعلام وشهادات ناجين.
وتعتبر منظمات حقوقية أن ما حدث يستوجب تحقيقات مستقلة ومحاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات محتملة.
ويبقى يوم 14 أغسطس 2013 واحدًا من أكثر الأيام صعوبة في التاريخ المصري الحديث، ولا تزال صوره وشهاداته وتقاريره حاضرة في النقاش العام، باعتباره حدثًا ترك آثارًا إنسانية وسياسية ممتدة حتى اليوم.

