سجلت أسواق البيض في مصر ارتفاعًا تجاوز 30 جنيهًا للكرتونة خلال الأيام الأخيرة، بعدما ارتفع سعرها داخل المزارع إلى ما بين 95 و97 جنيهًا ووصلت للمستهلك إلى نحو 115 جنيهًا، ما أدى إلى تجدد الضغوط على الأسر وتزايد المخاوف من موجة غلاء جديدة.
وبالتالي، تعكس هذه القفزة أزمة أعمق من مجرد تحرك في الأسعار، إذ تكشف تراجع قدرة قطاعات الإنتاج الصغيرة على الاستمرار، بينما يواجه المواطن تآكلًا متواصلًا في دخله دون إجراءات فعالة تحد من اتساع الفجوة بين الأجور وتكاليف المعيشة.
كما أن الأسواق استقبلت الزيادة بعد فترة من التراجع النسبي في الأسعار، وهو ما دفع كثيرين للاعتقاد بأن الاستقرار عاد إلى القطاع، قبل أن تعود الأسعار للارتفاع بصورة سريعة أربكت المستهلكين والباعة معًا.
لذلك، أكد رئيس شعبة الدواجن باتحاد الغرف التجارية عبد العزيز السيد أن خروج أعداد من صغار المنتجين بسبب ارتفاع تكاليف التربية مقارنة بأسعار البيع السابقة أدى إلى تراجع المعروض، وهو العامل الرئيسي وراء القفزة الحالية.
علاوة على ذلك، أوضح عبد العزيز السيد أن السعر العادل لكرتونة البيض داخل المزرعة ينبغي أن يتراوح بين 105 و110 جنيهات، بينما يصل للمستهلك إلى نحو 120 جنيهًا لضمان استمرار الإنتاج وتحقيق هامش ربح مناسب.
ومن ثم، حذر عبد العزيز السيد من احتمالات ارتفاع الأسعار مجددًا إذا استمرت موجة خروج المنتجين الصغار، مطالبًا بوضع آلية مستقرة للتسعير وتشديد الرقابة على حلقات التداول والوسطاء لمنع المغالاة غير المبررة.
تكاليف الإنتاج تتفاقم
غير أن الخبير الاقتصادي وائل النحاس يرى أن أزمة البيض ترتبط بارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج المستوردة، حيث يعتمد القطاع على مدخلات خارجية تتأثر مباشرة بتقلبات سعر الصرف والأسعار العالمية، ما يضاعف الضغوط على المنتجين.
وبالمقابل، يشير وائل النحاس إلى أن استمرار الاعتماد الكبير على الاستيراد يجعل السوق المحلية أكثر هشاشة أمام أي تغيرات خارجية، بينما تظل القدرة الشرائية للمواطن عاجزة عن ملاحقة الزيادات المتتالية في أسعار الغذاء.
في المقابل، تعتمد صناعة الدواجن بصورة كبيرة على استيراد الذرة وفول الصويا، وهو ما يرفع تكلفة التربية مع أي زيادة في أسعار الدولار أو الخامات، لتنعكس الزيادات سريعًا على أسعار البيض والدواجن.
إضافة إلى ذلك، لم يعد المنتج الصغير قادرًا على تحمل خسائر متكررة، بعدما أصبحت تكلفة التربية أعلى من أسعار البيع خلال فترات الركود السابقة، وهو ما دفع كثيرين إلى الخروج من النشاط وتقليص الطاقة الإنتاجية.
ركود يرهق المستهلك
بناءً على ذلك، قال رئيس مركز العدل للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية عبد المنعم السيد إن ضعف القوة الشرائية أصبح عنصرًا رئيسيًا في تشكيل حركة السوق، بعدما اضطرت شرائح واسعة إلى تقليل استهلاك البروتينات الأساسية.
وفي الوقت نفسه، أوضح عبد المنعم السيد أن استمرار الركود بالتزامن مع ارتفاع الأسعار يمثل معادلة صعبة، إذ تتراجع الكميات المباعة رغم زيادة الأسعار، بينما تتسع خسائر المستهلك والمنتج في آن واحد.
وعلى الجانب الآخر، تشير تقديرات العاملين بالقطاع إلى أن حالة الركود في سوق البيض تتراوح بين 35 و40 بالمئة، نتيجة اتجاه كثير من الأسر إلى تقليص الاستهلاك بسبب الضغوط المعيشية المتزايدة.
فضلاً عن ذلك، انعكس تراجع الإقبال على البيض في الأشهر الماضية على حركة الأسواق، قبل أن تتغير المعادلة مع انخفاض المعروض، لتتحول السوق سريعًا من فائض نسبي إلى نقص أدى لارتفاع الأسعار.
أزمة تتسع
في المقابل، شهدت الأشهر الماضية تراجعًا في الأسعار نتيجة زيادة المعروض وعمليات التخزين التي تمت خلال الشتاء، إلى جانب تغير أنماط الاستهلاك لدى بعض الأسر، وهو ما منح الأسواق فترة هدوء مؤقتة.
وعلى الرغم من ذلك، لم تستمر تلك الحالة طويلًا، إذ عادت الأسعار للارتفاع مع خروج المنتجين الصغار وتراجع الكميات المطروحة، بينما بقيت أسباب ارتفاع التكلفة دون حلول جذرية تضمن استقرار السوق.
إلى جانب ذلك، يرى متابعون أن غياب رؤية واضحة لإدارة سوق الدواجن والبيض يترك الأسعار عرضة لتقلبات حادة، في وقت يتحمل فيه المواطن وحده كلفة الاختلالات الممتدة داخل منظومة الإنتاج والتوزيع.
وفي السياق نفسه، أصبحت الأسر تواجه خيارات أكثر صعوبة في توفير احتياجاتها الغذائية الأساسية، بعدما تحولت الزيادات المتكررة إلى واقع يومي يفرض تقليص الإنفاق والاستغناء عن كثير من السلع الضرورية.
كذلك، تتزايد المخاوف من أن تؤدي موجة الغلاء الحالية إلى خروج منتجين إضافيين إذا استمرت الضغوط، وهو ما قد يفاقم نقص المعروض ويفتح الباب أمام ارتفاعات جديدة خلال الأشهر المقبلة.
واستنادًا إلى تصريحات ممثلي القطاع، فإن استقرار السوق يتطلب معالجة أسباب ارتفاع التكلفة وليس الاكتفاء بملاحقة الأسعار، لأن استمرار الأزمة يهدد دورة الإنتاج ويضاعف الأعباء على المستهلكين.
وفي هذا الإطار، تبدو المطالب بتشديد الرقابة على الوسطاء وتنظيم حلقات التداول محاولة للحد من الزيادات غير المبررة، إلا أن فعاليتها تبقى مرهونة بإجراءات أوسع تعالج جذور الأزمة الاقتصادية.
أما المواطن، فيجد نفسه أمام ارتفاع جديد يضاف إلى سلسلة طويلة من الزيادات التي طالت الغذاء والدواء والخدمات، بينما تتراجع قدرته على مواجهة تكاليف الحياة مع غياب مؤشرات واضحة على انفراج قريب.
وخلاصة المشهد، تكشف أزمة البيض أن اضطراب الإنتاج وارتفاع التكلفة وضعف القوة الشرائية باتت حلقات متصلة في أزمة واحدة، تنعكس مباشرة على موائد المصريين وتطرح تساؤلات متزايدة حول قدرة الأسواق على استعادة الاستقرار.

