رصدت بوابة الأسعار المحلية والعالمية، التابعة لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، ارتفاعات جديدة للأسمدة في السوق المصرية اليوم، بلغت 2195 جنيها للطن، ودفعت بعض الأسعار إلى مستوى 31 ألف جنيه.

 

وتأتي القفزة بينما يواجه الفلاح موسما زراعيا مثقلا بالديون والوقود والعمالة، فتتركه الحكومة فريسة لتجار السوق السوداء رغم ضخامة الإنتاج المحلي، قبل أن تنتقل الفاتورة من الحقل إلى طعام ملايين الأسر المنهكة بالغلاء.

 

السوق السوداء تلتهم الدعم

 

في البداية، بلغ متوسط طن نترات النشادر المخصوص 25465 جنيها، مرتفعا 728 جنيها، فيما تراوح سعره بين 21450 و31000 جنيه، بما يكشف تفاوتات حادة لا تفسرها تكاليف الإنتاج وحدها بين مناطق البيع.

 

وبحسب البيانات، وصل متوسط طن نترات النشادر العادي إلى 13230 جنيها، بزيادة 1001 جنيه، بينما امتد نطاق الأسعار من 4700 إلى 30200 جنيه، وهي فجوة واسعة تعكس انقساما بين المسارات المدعمة والحرة والموازية.

 

في المقابل، سجلت سلفات النشادر المخصوص أكبر زيادة يومية بقيمة 2195 جنيها، ليبلغ متوسط الطن 20424 جنيها، مع أسعار تتراوح بين 10200 و30000 جنيه، ما يضاعف ارتباك المزارع عند تدبير احتياجات أرضه.

 

ومن جانبه، حذر الخبير الزراعي حسين عبد الرحمن أبو صدام من أن الفارق بين السماد المدعم وسعر السوق السوداء يتجاوز 20 ألف جنيه للطن، بما يضغط على الفلاحين ويغذي فرص تسرب الحصص المدعمة.

 

وفوق ذلك، ربط أبو صدام ارتفاع السوق الحرة بتفضيل بعض الشركات التصدير مع صعود الأسعار العالمية، مطالبا بتوفير كميات كافية محليا، لأن زيادة الطلب خلال المواسم الزراعية تجعل المزارعين أكثر عرضة للاستغلال والابتزاز السعري.

 

وعمليا، يتحول نقص الحصة الرسمية أو تأخر صرفها إلى إجبار غير معلن للفلاح على الشراء من السوق السوداء، حيث لا يملك رفاهية انتظار السماد بينما يحتاج المحصول إلى جرعات محددة في مواعيد لا تقبل التأجيل.

 

ومن ناحية أخرى، يشجع اتساع الفجوة السعرية على إعادة بيع السماد المدعم بدلا من وصوله إلى مستحقيه، وهو ما يطرح أسئلة حول الرقابة على الشحنات منذ خروجها من المصنع حتى تسليمها للجمعيات والمزارعين.

 

وبالتوازي، لا تقدم المتوسطات السعرية وحدها تفسيرا لاختلاف الطن بأكثر من 20 ألف جنيه داخل السوق نفسها، ما يستدعي نشر خريطة بالكميات والأسعار والمحافظات ونسب التوريد، بدلا من ترك الفلاح أمام أرقام متناقضة.

 

إنتاج وفير وتوزيع مختل

 

إلى جانب ذلك، بلغ متوسط طن اليوريا المخصوص 25844 جنيها، بارتفاع 713 جنيها، وتراوح السعر بين 22000 و30000 جنيه، بما يجعل أحد أهم مدخلات التسميد بعيدا عن قدرة صغار المزارعين غير المشمولين بحصص كافية.

 

غير أن اليوريا العادية سجلت متوسطا قدره 13567 جنيها للطن، مرتفعة 1389 جنيها، بينما تراوحت بين 4800 و30200 جنيه، في تفاوت يكشف أن نوع السوق وقناة التوزيع أصبحا أهم من التكلفة الفعلية للمنتج.

 

وفي السياق نفسه، سبق أن أكد الخبير الزراعي جمال صيام أن احتياجات الزراعة المصرية تبلغ نحو 4 ملايين طن خلال موسمي الشتاء والصيف، وأن الإنتاج المحلي يغطيها ويحقق فائضا، بينما تكمن الأزمة الأساسية في منظومة التوزيع.

 

وبدوره، أرجع صيام الخلل إلى الجمعيات الزراعية المسؤولة عن التوزيع، مشيرا إلى ضعف بنيتها الإدارية، وهو ما يعني أن وفرة الإنتاج لا تحمي الفلاح ما دامت الحصص تتعطل أو تتسرب قبل وصولها إليه.

 

لهذا، تصبح السوق السوداء نتيجة متوقعة حين تجتمع وفرة المصانع مع ضعف التوزيع، إذ يختفي السماد من المنفذ الرسمي ثم يظهر بسعر مضاعف لدى التجار، بينما تتبادل الجهات الحكومية المسؤولية دون محاسبة معلنة.

 

وعلى صعيد آخر، تؤكد بيانات سابقة لوزارة الزراعة أن مصر تنتج ملايين الأطنان من الأسمدة وتصدر جزءا كبيرا منها، ما يجعل الأزمة اختبارا لأولويات الدولة بين تحصيل العملة الأجنبية وحماية احتياجات الإنتاج الغذائي المحلي.

 

ومع ذلك، تواصل الحكومة تقديم منظومة الجمعيات باعتبارها صمام أمان، لكن نطاقات الأسعار المنشورة تكشف أن الحماية لا تشمل الجميع، خصوصا مستأجري الأراضي وأصحاب الحيازات غير المسجلة ومن لا تكفي حصصهم الفعلية طوال الموسم.

 

وبناء على ذلك، يحتاج الإصلاح إلى ربط الحصة بالمحصول والمساحة الفعلية، وتحديث بيانات الحيازات، وتتبع الشحنات إلكترونيا، وإعلان الكميات المتسلمة يوميا، وتشديد العقوبات على المتورطين في حجب السماد أو إعادة بيعه خارج القنوات الرسمية.

 

الغلاء ينتقل إلى الغذاء

 

أما على مستوى المحاصيل، فلا تتوقف آثار الزيادة عند ميزانية المزارع، لأن السماد عنصر أساسي في الإنتاجية، وتقليل الجرعات بسبب الغلاء قد يخفض جودة المحصول وكميته، بينما يؤدي شراؤه بالسعر المرتفع إلى زيادة التكلفة النهائية.

 

لكن الخبير الاقتصادي علاء حسب الله أوضح أن انخفاض المعروض مع زيادة الطلب على الأسمدة للمحاصيل الصيفية يرفع أسعار السوق الحرة، مؤكدا أن ارتفاع تكلفة الإنتاج الزراعي ينتقل لاحقا إلى أسواق الخضراوات والفاكهة.

 

وفي تفسير مواز، تعني هذه الحلقة أن المواطن يدفع ثمن الأزمة مرتين، الأولى عبر الدعم والغاز الموجهين إلى صناعة الأسمدة، والثانية عند شراء الغذاء بسعر أعلى بعدما اضطر المزارع إلى تحميل المحصول تكلفة السوق السوداء.

 

ومن ثم، يهدد استمرار الزيادة بخروج مزارعين صغار من النشاط أو تقليص المساحات المزروعة، خصوصا مع ارتفاع الوقود والنقل والتقاوي والمبيدات، ما يوسع الاعتماد على الاستيراد ويضعف قدرة البلاد على حماية أمنها الغذائي.

 

علاوة على ذلك، لا يستطيع الفلاح تعويض التكلفة دائما برفع سعر المحصول، لأنه يبيع غالبا تحت ضغط الديون وسرعة التلف وضعف التخزين، بينما يحتفظ الوسطاء بهامش أكبر ويصل الغلاء إلى المستهلك دون تحسن دخل المنتج.

 

وبالنتيجة، تتحول أزمة السماد إلى أزمة عدالة اجتماعية، إذ يخسر المنتج الصغير قدرته على الاستمرار، ويدفع المستهلك سعرا أعلى للغذاء، بينما يستفيد المتلاعبون بالفارق بين السعر الرسمي والسوق السوداء في غياب رقابة رادعة.

 

في غضون ذلك، تكشف الأسعار المنشورة فشل الخطاب الحكومي عن استقرار المنظومة، لأن وصول بعض الأصناف إلى 31 ألف جنيه لا يمكن فصله عن عجز التوزيع والرقابة، ولا تبريره بالكامل بحركة الأسواق العالمية.

 

ومن زاوية أوسع، تتطلب حماية الزراعة إلزام المصانع بتوريد الحصص المحلية قبل التصدير، وضمان تشغيلها بإمدادات مستقرة، ومراجعة أسعار الغاز بشفافية، مع منع استفادة الشركات من موارد مدعمة إذا لم تلتزم باحتياجات السوق المصرية.

 

لهذا السبب، يجب نشر أسماء المصانع المخالفة وكميات توريدها، والتحقيق في مسارات التسرب، وتوسيع منافذ الصرف، وحماية المبلغين، وتعويض المزارعين المتضررين، بدلا من الاكتفاء بحملات موسمية تنتهي بينما يبقى التجار مسيطرين على السلعة.

 

في المحصلة، تؤكد زيادة سلفات النشادر 2195 جنيها وملامسة الطن 31 ألفا أن الأزمة ليست تحركا سعريا عابرا، بل حصيلة منظومة تسمح بندرة مصطنعة يدفع ثمنها الفلاح والمحصول والمستهلك، بينما تتأخر الحكومة عن المواجهة.