أوقفت شركة مصر العامرية للغزل والنسيج بالإسكندرية تشغيل أقسامها الإنتاجية لأجل غير مسمى، معلنة أن القرار يأتي في إطار أعمال الصيانة وجرد المخازن، جاء ذالك على خلفية إضراب العمال المستمر منذ 12 يومًا، احتجاجًا على طريقة احتساب العلاوة الخاصة، وتمسكًا بعدد من المطالب المالية والوظيفية التي يقولون إن الإدارة سبق أن تعهدت بتنفيذها.

 

وبينما تنص صيغة القرار الإداري على استمرار صرف الرواتب والأجور التي يقرها القانون في مواعيدها، أثار توقيت الإغلاق وطريقة تنفيذه مخاوف لدى العمال من أن تتحول خطوة وقف التشغيل إلى وسيلة للضغط عليهم من أجل إنهاء الإضراب، خصوصًا بعدما قال عدد منهم إنهم تلقوا خلال الأيام الماضية تهديدات متكررة بإغلاق الشركة، وحرمانهم من بعض مكونات أجورهم، حال استمرار احتجاجهم.

 

وتأتي الأزمة الجديدة بعد سلسلة من الإضرابات والاحتجاجات العمالية داخل الشركة خلال العامين الأخيرين، كان آخرها في أبريل الماضي، وقبلها إضراب في فبراير ومارس، فضلًا عن إضراب طويل خلال عام 2025، ما يعكس استمرار الخلافات حول الأجور والبدلات والحوافز وطريقة تطبيق الزيادات والحد الأدنى للأجور.

 

 

قرار مفاجئ بوقف الإنتاج

 

بدأت الأزمة الأخيرة مع صدور قرار من إدارة شركة مصر العامرية للغزل والنسيج يقضي بإيقاف تشغيل الأقسام الإنتاجية لأجل غير مسمى، تحت مبرر إجراء أعمال صيانة وجرد للمخازن.

 

وبحسب القرار، يقتصر الحضور خلال فترة وقف التشغيل على العمال الذين تستدعي الحاجة وجودهم لتنفيذ أعمال الصيانة والجرد، مع النص على استمرار صرف الرواتب والأجور التي يقرها القانون في مواعيدها المقررة.

 

لكن العمال قرأوا القرار من زاوية مختلفة، وربطوا بين توقيته وبين استمرار الإضراب الذي دخل يومه الثاني عشر، معتبرين أن وقف الإنتاج في هذا التوقيت يمثل تصعيدًا جديدًا من جانب الإدارة، خصوصًا في ظل ما يقولون إنه تهديدات سابقة بإغلاق الشركة إذا لم يتوقف الإضراب.

 

 

أبواب الشركة مغلقة أمام العمال

 

في صباح تنفيذ القرار، توجه عدد من العمال إلى مقر الشركة على نفقتهم الخاصة، بعد توقف سيارات نقل العاملين من أماكن إقامتهم، وفق روايات ثلاثة من العمال تحدثوا عن الواقعة.

 

إلا أن العمال فوجئوا بإغلاق أبواب الشركة أمامهم، رغم توجههم إلى مقر العمل، وهو ما دفع عددًا منهم إلى اتخاذ خطوات قانونية لإثبات الواقعة.

 

وتوجه بعض العمال إلى قسم شرطة العامرية لتحرير محضر إثبات حالة بشأن منعهم من الدخول، فيما أعلن آخرون عزمهم التوجه إلى مكتب العمل بالهانوفيل لتقديم شكاوى تتعلق بقرار وقف التشغيل وطريقة التعامل معهم.

 

ويقول العمال إنهم لم يتخذوا قرار الإضراب بهدف تعطيل العمل أو الإضرار بالشركة، وإنما احتجاجًا على مطالب مالية محددة، مؤكدين أن إنهاء الإضراب مرتبط بالوصول إلى اتفاق واضح بشأن تلك المطالب.

 

 

قوات أمن في محيط الشركة

 

وتزامن إغلاق الشركة مع انتشار أمني كثيف في محيط مقرها، حيث أظهر مقطع فيديو اطلعت عليه الجهة الناشرة للمادة وجود أعداد كبيرة من قوات الشرطة، مدعومة بسيارات الأمن المركزي.

 

وأثار الوجود الأمني مخاوف بين العمال، خصوصًا في ظل حديث بعضهم عن تعرض عمال خلال فترات سابقة لضغوط وتهديدات بسبب المشاركة في الاحتجاجات العمالية.

 

ويؤكد العمال أن مطلبهم الأساسي هو التفاوض حول حقوقهم المالية، معتبرين أن وجود قوات الأمن في محيط مقر الشركة لا يحل المشكلة، وإنما يزيد من حالة التوتر القائمة.

 

 

لماذا بدأ الإضراب؟

 

يعود الإضراب الحالي إلى خلاف حول طريقة احتساب العلاوة الخاصة.

 

ويقول العمال إن إدارة الشركة احتسبت العلاوة الخاصة بنسبة 12% من الأجر الأساسي، في حين يرون أن احتسابها كان يجب أن يتم على أساس الأجر التأميني، استنادًا إلى تعهد سابق من الرئيس التنفيذي للشركة محمد عبد السلام.

 

وبحسب رواية العمال، كان الاتفاق الذي سبق الإضراب يتضمن احتساب العلاوة على الأجر التأميني، مع ضم 7% منها إلى الأجر الأساسي.

 

لكن عدم تنفيذ ما يعتبره العمال تعهدًا سابقًا أدى إلى تجدد الأزمة، وانتهى الأمر بدخولهم في إضراب مفتوح استمر 12 يومًا.

 

ويتمسك العمال بأن إنهاء الإضراب يجب أن يرتبط بحسم النقاط الخلافية المتعلقة بالأجور، وليس بمجرد وعود جديدة أو ضغوط لإنهاء الاحتجاج.

 

 

«قالولنا الشركة هتقفل»

 

وخلال فترة الإضراب، يقول العمال إنهم تعرضوا لضغوط من مسؤولي الشركة وأعضاء اللجنة النقابية لإنهاء احتجاجهم.

 

وقال أحد العمال إن الإدارة أبلغتهم بشكل مباشر بأن استمرار الإضراب قد يؤدي إلى إغلاق الشركة، مضيفًا أن العمال تلقوا تهديدات تتعلق أيضًا بالحوافز والبدلات.

 

وأضاف العامل أن الرسالة التي وصلت إلى العمال كانت واضحة، ومفادها أن استمرار الإضراب سيترتب عليه وقف العمل وعدم حصولهم سوى على المرتب الأساسي، مع حرمانهم من بعض البدلات وحافز الإنتاج وبدل الجهد.

 

لكن العمال، بحسب روايته، تمسكوا بموقفهم، معتبرين أن الحل لا يتمثل في إنهاء الإضراب تحت الضغط، وإنما في الاستجابة للمطالب التي دفعتهم إلى الاحتجاج.

 

مخاوف من تأثير الإغلاق على الأجور

 

ورغم أن القرار الإداري نص صراحة على استمرار صرف الرواتب والأجور التي يقرها القانون في مواعيدها، فإن حالة من القلق سيطرت على العمال بشأن ما إذا كان وقف التشغيل سيؤثر على مستحقاتهم.

 

ويرى أحد العمال أن صياغة القرار المتعلقة بالأجور تحمل رسالة ضغط غير مباشرة، خاصة أن العمال يعرفون أن استمرار وقف التشغيل قد ينعكس على بعض مكونات دخلهم إذا جرى تفسير القرار بطريقة مختلفة.

 

ويؤكد العمال أن حصولهم على الأجر الكامل خلال فترة وقف التشغيل يمثل أحد أبرز الملفات التي يرغبون في حسمها من خلال مكتب العمل والجهات المختصة.

 

 

خبير قانوني: العامل المستعد للعمل يستحق أجره

 

وفي خضم الأزمة، استند المستشار القانوني لدار الخدمات النقابية والعمالية، أشرف الشربيني، إلى نصوص قانون العمل في تفسير الوضع القانوني للعمال خلال فترة وقف التشغيل.

 

وأوضح أن المادة 111 من قانون العمل رقم 14 لسنة 2025 تنص على أنه إذا حضر العامل إلى مقر عمله في الوقت المحدد وكان مستعدًا لمباشرة عمله، وحالت دون ذلك أسباب ترجع إلى صاحب العمل، فإنه يعتبر كأنه أدى عمله فعليًا ويستحق أجره كاملًا.

 

أما في حالة وجود أسباب قهرية خارجة عن إرادة صاحب العمل تحول دون مباشرة العامل لعمله، فيستحق العامل نصف أجره، وفق النص القانوني الذي استند إليه الشربيني.

 

ويرى المستشار القانوني أن أعمال الصيانة والجرد التي أعلنت عنها الشركة لا تندرج، بحسب تقديره، ضمن الأسباب القهرية الخارجة عن إرادة صاحب العمل، خاصة مع توقيت القرار المتزامن مع الإضراب.

 

وأشار إلى أن صياغة القرار وتزامنه مع الاحتجاج العمالي قد يدفعان إلى تفسيره باعتباره وسيلة للضغط على العمال، مؤكدًا أهمية إثبات العمال للوقائع التي حدثت معهم من خلال الشكاوى الرسمية التي يعتزمون تقديمها إلى مكتب العمل.

 

 

هل يستحق العمال أجورهم كاملة؟

 

المسألة الأهم بالنسبة للعمال خلال المرحلة المقبلة تتعلق بمستحقاتهم المالية.

 

ففي الوقت الذي تتحدث فيه الشركة عن استمرار صرف الأجور التي يقرها القانون، يصر العمال على ضرورة ضمان عدم المساس بأي من حقوقهم المالية نتيجة وقف التشغيل.

 

ويؤكد الشربيني أن عمال مصر العامرية يستحقون أجورهم كاملة خلال فترة وقف التشغيل، وفقًا للتفسير القانوني الذي قدمه لنص المادة 111.

 

ومن المنتظر أن يكون مكتب العمل أحد الأطراف الرئيسية في حسم هذا الجانب من النزاع، خصوصًا مع توجه العمال لتقديم شكاوى رسمية وإثبات حضورهم إلى مقر الشركة واستعدادهم لمباشرة العمل.

 

 

أزمة تتجاوز العلاوة

 

رغم أن شرارة الإضراب الحالي ترتبط بطريقة احتساب العلاوة الخاصة، فإن الخلاف داخل الشركة يبدو أوسع من بند مالي واحد.

 

فخلال الأشهر الماضية، دخل العمال في أكثر من احتجاج بسبب الرواتب والبدلات والاستقطاعات والحد الأدنى للأجور وبدل المخاطر وحوافز الإنتاج.

 

وهذا التسلسل يكشف أن العلاقة بين العمال والإدارة ظلت تشهد حالة من التوتر المستمر، مع لجوء العمال في كل مرة تقريبًا إلى الإضراب باعتباره وسيلة للضغط من أجل فتح باب التفاوض.

 

إضراب أبريل.. مطالب بزيادة الأجور وبدل المخاطر

 

في أبريل الماضي، دخل عمال الشركة في إضراب استمر ستة أيام، ورفعوا خلاله مجموعة من المطالب، من بينها زيادة بدل المخاطر، ورفع الرواتب بنسبة 25% من الأجر الأساسي أسوة بالمهندسين، إلى جانب المطالبة بمعالجة ما وصفوه بمخالفات تتعلق بتطبيق الحد الأدنى للأجور.

 

وانتهى ذلك الإضراب بعد تدخل الإدارة وتقديم وعود للعمال بتنفيذ مطالبهم، وهو ما دفعهم إلى تعليق الاحتجاج والعودة إلى العمل.

 

لكن عدم حسم عدد من الملفات الخلافية أدى إلى عودة التوتر مرة أخرى، وصولًا إلى الإضراب الحالي.

 

 

فبراير ومارس.. احتجاج على الاستقطاعات

 

وقبل إضراب أبريل، كان عمال مصر العامرية للغزل والنسيج قد دخلوا في إضراب آخر في نهاية فبراير الماضي، احتجاجًا على زيادة مفاجئة في قيمة الاستقطاعات من رواتبهم.

 

واستمر الإضراب حتى الثالث من مارس، قبل أن يعلقه العمال عقب اجتماع مع رئيس الشركة، الذي وعد بدراسة مطالبهم المرتبطة بزيادة الرواتب والبدلات.

 

وبذلك لم يكن الإضراب الحالي حادثًا منفصلًا، وإنما جاء في سياق سلسلة من الأزمات المتعلقة بالوضع المالي للعمال.

 

 

2025.. إضراب استمر 16 يومًا

 

وتعود جذور الأزمة إلى فترة أبعد، إذ شهدت الشركة خلال عام 2025 إضرابًا استمر 16 يومًا، احتجاجًا على ما وصفه العمال آنذاك بالتلاعب في تطبيق الحد الأدنى للأجور.

 

وكان ذلك الإضراب واحدًا من أطول الاحتجاجات العمالية التي شهدتها الشركة، وانتهى في ظل ضغوط على العمال وفتح مسارات للتفاوض حول مطالبهم.

 

وخلال تلك الأزمة، استقال الرئيس التنفيذي السابق للشركة أحمد عمرو رجب تحت ضغط الإضراب، وفق ما ورد في التقارير التي تناولت الواقعة آنذاك.

 

كما تحدث العمال وقتها عن تعرضهم لضغوط وتهديدات بالفصل وإبلاغ الأمن الوطني، في حين أعلنت وزارة العمل انتهاء الإضراب بعد ما وصفته بمفاوضات ناجحة أسفرت عن الاستجابة لعدد من المطالب.

 

 

تكرار الاحتجاجات يطرح سؤالًا أكبر

 

ومع تكرار الإضرابات خلال فترات زمنية متقاربة، يطرح الوضع داخل شركة مصر العامرية للغزل والنسيج سؤالًا أكبر يتعلق بمدى قدرة المفاوضات بين الإدارة والعمال على الوصول إلى حلول مستقرة بدلًا من الدخول في دوائر متكررة من الاحتجاج والتفاوض ثم تجدد الخلاف.

 

فالعمال يرون أن بعض الوعود التي حصلوا عليها خلال الاحتجاجات السابقة لم تنهِ الملفات بصورة نهائية، بينما تواجه الإدارة ضغوطًا مرتبطة باستمرار الإنتاج والحفاظ على انتظام العمل.

 

 

بين حق العمال واستمرار الإنتاج

 

أزمة العامرية للغزل والنسيج تضع طرفي النزاع أمام معادلة صعبة: العمال يتمسكون بحقوقهم المالية، والإدارة تسعى إلى استمرار تشغيل الشركة وإدارة مواردها وأعمال الصيانة والجرد، بينما يظل الاحتكام إلى القانون والتفاوض هو المسار الأكثر أهمية لمنع تصاعد الأزمة.

 

فالعمال يؤكدون أنهم مستعدون للعودة إلى العمل بمجرد الاستجابة لمطالبهم، في حين أن استمرار وقف التشغيل لأجل غير مسمى يضيف عاملًا جديدًا إلى المشهد، ويزيد المخاوف بشأن مستقبل الإنتاج ودخل العمال.

 

وفي ظل توجه العمال إلى مكتب العمل، فإن المرحلة المقبلة ستشهد على الأرجح انتقال الخلاف من الاحتجاج داخل أسوار الشركة إلى مسار قانوني ورسمي، بهدف حسم مسؤولية كل طرف عن قرار وقف التشغيل وتحديد الحقوق المالية المستحقة للعمال خلال هذه الفترة.

 

 

محاضر وشكاوى.. العمال يصعدون المسار القانوني

 

لم يكتف العمال بالاحتجاج داخل الشركة، وإنما بدأوا في اتخاذ خطوات لإثبات ما حدث رسميًا.

 

فتحرير محضر إثبات حالة في قسم شرطة العامرية، ثم التوجه إلى مكتب العمل بالهانوفيل، يمثلان محاولة من جانب العمال لتوثيق حضورهم إلى مقر العمل واستعدادهم لأداء مهامهم، مقابل إغلاق أبواب الشركة أمامهم.

 

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل الخلاف حول الأجور؛ إذ يمكن لإثبات حضور العامل واستعداده للعمل أن يكون عنصرًا أساسيًا في تحديد موقفه القانوني من مستحقاته المالية خلال فترة وقف التشغيل.