رصدت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية مقتل 573 شخصًا برصاص قوات الشرطة في محافظات مصر بين يناير 2025 ونهاية يونيو 2026، وقالت إن الوقائع أُعلنت في 206 بيانات للداخلية، بينما غابت تحقيقات مستقلة معلنة تختبر شرعية استخدام القوة.

 

ويأتي هذا الرقم ليكشف كلفة إنسانية ثقيلة لنهج أمني يمنح الرواية الرسمية الكلمة الأخيرة في وقائع انتهت بالموت، بينما تُحرم أسر القتلى والمجتمع من معرفة ما إذا كان القبض ممكنًا قبل اللجوء إلى الرصاص القاتل.

 

أرقام تتجاوز المحاكمات

 

وبحسب المبادرة، وصفت وزارة الداخلية أغلب القتلى بأنهم عناصر إجرامية شديدة الخطورة، وقالت إنهم بادروا بإطلاق النار على القوات، ثم أنهت بياناتها عادة بالإشارة إلى اتخاذ الإجراءات القانونية من دون توضيح طبيعتها أو الجهة التي باشرتها.

 

وفي المقابل، شددت المنظمة على أن بيان الجهة التي استخدمت القوة لا يمكن أن يحل محل تحقيق قضائي مستقل، لأن مشروعية إطلاق النار تتوقف على الضرورة والتناسب، وعلى إثبات أن القوة القاتلة كانت الملاذ الأخير المتاح.

 

وفوق ذلك، سجل عام 2025 وحده مقتل 404 أشخاص عبر 146 بيانًا أمنيًا، مقابل 169 شخصًا في النصف الأول من 2026، بما يعني استمرار المعدل المرتفع للوفيات المرتبطة بعمليات شرطية خلال 18 شهرًا متتالية.

 

ومن زاوية أخرى، قالت المبادرة إن عدد قتلى العمليات الشرطية خلال 2025 بلغ 17 ضعف عدد من نُفذت فيهم أحكام إعدام قضائية في العام نفسه، وهو فارق يعيد طرح سؤال المحاكمة والمساءلة قبل سلب الحق في الحياة.

 

وفي هذا السياق، يلفت الحقوقي حسام بهجت إلى قاعدة جوهرية سبق أن أكدها في توثيق لاستخدام الشرطة للقوة، وهي أن استمرار إطلاق النار بعد زوال التهديد يحول الدفاع المشروع إلى استخدام غير مشروع للقوة.

 

وبالتالي، فإن غياب معلومات علنية عن توقيت إطلاق النار ومسافته وطبيعة التهديد والأسلحة المضبوطة والإصابات بين القوات يجعل تقييم كل واقعة مستحيلًا تقريبًا، ويترك الجمهور أمام رواية أحادية لا تخضع لاختبار مستقل أو مساءلة قضائية معلنة.

 

كما أن المبادرة لم تجزم بأن جميع الوقائع تمثل إعدامات خارج نطاق القضاء، لكنها أكدت أن بيانات الداخلية وحدها لا تثبت قانونيتها، وهو تمييز مهم بين توثيق الشبهة وبين إصدار حكم نهائي يحتاج إلى تحقيق وأدلة وفحص قضائي.

 

ولزيادة وضوح الصورة، فإن معيار الشرعية لا يتوقف على كون الشخص مطلوبًا أو متهمًا بجريمة خطرة، بل على السلوك الذي واجهته القوة لحظة التدخل، ومدى وجود خطر وشيك لا يمكن منعه بوسيلة أقل فتكًا.

 

لذلك، تصبح المطالبة بتحقيق مستقل جزءًا من حماية الشرطة نفسها من الاتهامات غير المثبتة، كما أنها تحمي حقوق الضحايا، لأن التحقيق المهني يستطيع فحص الأسلحة والمقذوفات ومسار الطلقات وشهادات الشهود والأوامر الصادرة قبل العملية.

 

ومن ثم، فإن استمرار إغلاق وقائع الموت ببيانات إعلامية مقتضبة يكرس فجوة بين سلطة استخدام السلاح وسلطة المحاسبة، وهي فجوة تتسع كلما ارتفع عدد القتلى من دون نشر نتائج تحقيقات تفصيلية يمكن للرأي العام مراجعتها.

 

مطروح تكشف فجوة الرواية

 

غير أن القضية لا تقف عند الأرقام، إذ قدمت المبادرة واقعة مقتل يوسف السرحاني البالغ 18 عامًا وفرج الفزاري البالغ 21 عامًا في مطروح خلال أبريل 2025 باعتبارها نموذجًا للأسئلة التي تثيرها الروايات الرسمية.

 

وعلى إثر مقتل 3 أمناء شرطة في مدينة النجيلة، وثقت شهادات احتجاز عدد من نساء المنطقة للضغط على مشتبه به رئيسي لتسليم نفسه، قبل أن يسلم الأهالي الشابين للسلطات بهدف استجوابهما بشأن الواقعة.

 

وبعد ساعات، أعلنت الداخلية مقتل الشابين في تبادل لإطلاق النار ووصفت كليهما بالخطورة، بينما أشارت المبادرة إلى أن البيان لم يوضح أنهما بادرا بإطلاق النار، كما لم يذكر المشتبه به الرئيسي الذي ظل مطلوبًا.

 

وعلاوة على ذلك، أكد محامي الشابين أنهما لم يسبق القبض عليهما أو التحقيق معهما أو إدانتهما في قضايا جنائية، وهو ما ضاعف الحاجة إلى تحقيق مستقل يفسر لماذا انتهت عملية يفترض أنها للضبط بالموت.

 

ومن منظور العدالة الجنائية، سبق أن حذر الباحث كريم عنارة من أن تأخر الإجراءات المستقلة في وقائع اتهام الشرطة يتيح التأثير في الأدلة ويضعف سلامة التحقيق، مؤكدًا أهمية تحريز الأسلحة وعدم الاعتماد على الجهة المتهمة وحدها.

 

وبناءً على ذلك، فإن قضية مطروح لا تثبت وحدها نمطًا عامًا، لكنها تكشف خطورة غياب طرف تحقيق مستقل عندما تتعارض رواية الشرطة مع روايات الأهالي والمحامين، خصوصًا إذا انتهت الواقعة بمقتل أشخاص كانوا مطلوبين للاستجواب أو الضبط.

 

القانون يفرض التحقيق

 

أما قانونيًا، فتشير المادة 102 من قانون هيئة الشرطة إلى أن استخدام السلاح يرتبط بحالات محددة وبالقدر اللازم، بينما يوجب قرار وزير الداخلية المنظم البدء بالإنذار والتصويب نحو الساقين كلما كان ذلك مستطاعًا.

 

وفي الإطار نفسه، تقول المبادرة إن المادة 8 من قانون مكافحة الإرهاب تمنح حماية مرتبطة بأداء الواجب أو الدفاع عن النفس في سياق محدد، لكنها لا تنطبق تلقائيًا على غالبية الوقائع الجنائية العادية الواردة في بيانات الداخلية.

 

كذلك، لا تعفي المادة 61 من قانون العقوبات السلطات من واجب التحقيق في الوفاة، حتى عندما يثار الدفع بالدفاع عن النفس، لأن تحديد وجود الخطر ودرجة التناسب يحتاج إلى فحص قضائي للأدلة لا إلى افتراض مسبق.

 

وبالمثل، سبق أن انتقد الحقوقي ناصر أمين النصوص الفضفاضة المنظمة لاستخدام القوة، معتبرًا أن غياب تحديد الوسائل والإجراءات يفتح الباب للإفلات من العقاب، وهي ملاحظة تتقاطع مع مطلب وضع قواعد أكثر دقة للمساءلة والرقابة.

 

وفي ضوء ذلك، طالبت المبادرة النائب العام محمد شوقي بفتح تحقيقات عاجلة ومستقلة في الوقائع الـ573، للوقوف على ملابسات كل وفاة، وتحديد ما إذا كان استخدام القوة القاتلة ضروريًا ومتناسبًا أم كان يمكن تنفيذ القبض دون قتل.

 

إلى جانب ذلك، دعت وزير الداخلية محمود توفيق إلى إعلان وقف ما وصفته بسياسة قتل المطلوبين للعدالة، والتأكيد على التزام القوات بالنزاهة والشرعية الإجرائية وضبط النفس واحترام الحقوق الدستورية للمشتبه بهم والمتهمين أثناء العمليات الأمنية.

 

وفي موازاة ذلك، طالبت مجلس النواب بمراجعة قانون هيئة الشرطة ليتوافق مع المبادئ الدولية لاستخدام القوة والأسلحة النارية، وتعديل المادة 8 من قانون مكافحة الإرهاب بما يمنع تحول الاستثناء التشريعي إلى مساحة تحجب المساءلة.

 

وأبعد من ذلك، أعادت المنظمة طرح مقترح إنشاء لجنة مستقلة بصلاحيات تحقيق كاملة لمراقبة أعمال الشرطة والتحقيق في الوفيات والإصابات الجسيمة الناتجة عن التعامل الشرطي، بما يفصل بين الجهة المنفذة للعملية والجهة التي تفحص قانونيتها.

 

وفي المحصلة، تضع أرقام 573 قتيلًا الدولة أمام اختبار لا تحسمه بيانات تصف القتلى بالخطر ولا شعارات مكافحة الجريمة، بل تحسمه تحقيقات علنية مستقلة تحدد الوقائع والمسؤوليات وتحفظ حق المجتمع في الأمن وحق الأفراد في الحياة.