ربط الدكتور محمود حسين، القائم بأعمال المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، ذكرى المولد النبوي الشريف بمفهوم الحرية والتغيير، مؤكدا أن رسالة الإسلام تنمو حين تزول قيود القهر، وداعيا إلى استعادة الحريات وتوحيد الصفوف في مواجهة ما وصفه بسياسات الاستبداد التي تعاني منها مصر منذ عام 2013.
وجاء ذلك في رسالة صدرت بمناسبة ذكرى مولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم تحت عنوان «مولده صلى الله عليه وسلم ودروس نحو التغيير المنشود»، تناول فيها الأوضاع في مصر وغزة والسودان والتحولات في الرأي العام الدولي، وربط بينها وبين رؤيته لمفهوم التغيير ومسؤولية الشعوب في مواجهة القهر والاحتلال.
واعتبر حسين أن مولد النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن مجرد حدث تاريخي، وإنما مثّل بحسب تعبيره بداية حضارة جديدة قامت على رسالة دينية قادرة على مخاطبة الفطرة الإنسانية والوصول إلى الناس متى أتيحت لها حرية التواصل بعيدا عن المنع والقهر.
واستند في طرحه إلى صلح الحديبية وقول النبي صلى الله عليه وسلم «خلوا بيني وبين الناس»، معتبرا أن هذا الموقف يقدم نموذجا للعلاقة بين انتشار الدعوة والحرية، كما استشهد بقصة إسلام الطفيل بن عمرو الدوسي بعد سماعه رسالة النبي دون حواجز أو ضغوط.
وأكد أن المجتمعات العربية والإسلامية تحتاج، من وجهة نظره، إلى استعادة مساحة الحرية التي تسمح للدعاة وأصحاب الأفكار بالتواصل مع الناس دون حجب أو قهر، معتبرا أن استرداد الحرية يمثل مدخلا أساسيا لاستعادة الدور الحضاري للأمة.
الحرية مدخلا للتغيير
طرح الثائم بأعمال المرشد العام للغخوان المسلمين في رسالته مجموعة من الشروط التي يرى أنها ضرورية لأي عملية تغيير حقيقية، مستعيدا مقولات مؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا بشأن القوة النفسية والإرادة والوفاء والتضحية والوعي بالمبدأ باعتبارها عناصر أساسية لاستمرار أي مشروع إصلاحي.
وبحسب الرسالة، فإن التغيير لا يمكن أن يقوم على الأمنيات وحدها، وإنما يحتاج إلى إرادة قادرة على تحمل طول الطريق وثبات يمنع التراجع والمساومة، إلى جانب استعداد للتضحية ومعرفة واضحة بالأهداف والمبادئ التي تتحرك من أجلها القوى الساعية إلى الإصلاح.
ودعا حسين الدعاة وأنصار الجماعة إلى الصمود أمام ما وصفه بالمحن، وعدم الانشغال بالجراح عن مواصلة العمل والتواصل مع المجتمع، معتبرا أن القدرة على الوصول إلى الناس والحفاظ على الصلة بهم تظل إحدى الأدوات الأساسية لإحداث التغيير الذي تدعو إليه الجماعة.
كما شدد على أن الحرية ليست قضية مرتبطة بجماعة أو تيار بعينه، وإنما ضمانة لاستقرار المجتمع والحفاظ على مؤسساته، مشيرا إلى أن الإقصاء وتقييد المجال العام لا يؤديان، بحسب رؤيته، إلى الاستقرار وإنما يراكم الأزمات والانقسامات داخل الدولة.
انتقادات حادة للسلطة
ووجه حسين انتقادات واسعة للأوضاع في مصر منذ عام 2013، واتهم السلطات باتباع سياسة تقوم على حجب الحرية وتوسيع دائرة الملاحقة والاعتقال، معتبرا أن الاستهداف لم يعد مقتصرا على المعارضين المنتمين إلى تيارات سياسية، وإنما امتد إلى فئات أخرى في المجتمع.
وأشار إلى أحداث رابعة والنهضة وما أعقبها من اعتقالات وحبس احتياطي وتدوير للمعتقلين، وهي اتهامات ومواقف تعكس رواية جماعة الإخوان المسلمين للأحداث، كما اتهم السلطة باستخدام أدوات أمنية وإعلامية لفرض الخوف ومنع الأصوات المعارضة من الوصول إلى الجمهور.
وربط حسين بين استمرار هذه الممارسات ومستقبل الاستقرار في مصر، معتبرا أن الانحياز لإرادة المواطنين وفتح المجال أمام المشاركة العامة يمثلان، وفق رؤيته، الطريق الأكثر قدرة على حماية مؤسسات الدولة وتجنب استمرار الانقسام والصراع.
وفي الوقت نفسه، وجه رسالة مباشرة إلى أبناء جماعة الإخوان المسلمين دعاهم فيها إلى تجاوز الخلافات الداخلية وتوحيد الصفوف، مؤكدا ضرورة أن تلتئم مكونات الجماعة حول ما وصفه بثوابتها وقواعد عملها لمواجهة التحديات الحالية.
وتكشف هذه الدعوة أن الرسالة لم تقتصر على انتقاد السلطة، وإنما حملت أيضا بعدا تنظيميا داخليا، في ظل الخلافات التي شهدتها الجماعة خلال السنوات الماضية، إذ جعل حسين من وحدة الصف جزءا أساسيا من قدرة الجماعة على التعامل مع الواقع المصري.
غزة وتحولات المشهد الدولي
وانتقل حسين في رسالته إلى الحرب والأوضاع الإنسانية في غزة، مشيدا بما وصفه بتضحيات الفلسطينيين، ومعتبرا أن ما شهدته غزة أسهم في تغيير صورة الصراع لدى قطاعات متزايدة من الرأي العام العالمي وكشف ازدواجية المعايير في التعامل مع القضية الفلسطينية.
وطالب الشعوب العربية والإسلامية بالضغط على الدول الضامنة لاتفاقات وقف إطلاق النار من أجل العمل على وقف العمليات الإسرائيلية وفتح المعابر وإدخال احتياجات القطاع وتحقيق انسحاب كامل من غزة، واضعا القضية الفلسطينية في قلب رؤيته للأزمات الإقليمية الحالية.
كما تناول حسين الحرب في السودان، معتبرا أنها تأتي ضمن صراعات تسهم في تفكيك المنطقة وإشغال الدول العربية والإسلامية بمواجهات داخلية، ودعا إلى تجنب الانجرار وراء الصراعات التي تستنزف الشعوب وتصرف اهتمامها عن القضايا التي يعتبرها مركزية.
وفي قراءته للمشهد الدولي، قال حسين إن العالم يمر بمرحلة فارقة كشفت خلالها حرب غزة، من وجهة نظره، الفجوة بين المبادئ التي تعلنها القوى الدولية وبين ممارساتها، مشيرا إلى ما وصفه بتحول في اتجاهات قطاعات من الرأي العام العالمي، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة.
واختتم القائم بأعمال المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين رسالته بالتأكيد أن التغيير لا يتحقق بمجرد انتظار تغير الظروف، وإنما عندما يتحول الوعي إلى مسؤولية وعمل مجتمعي منظم يحافظ على مؤسسات الدول وحقوق المواطنين، ويربط التخلص من الاستبداد باستعادة الحرية وبناء مجتمع أكثر قدرة على المشاركة في تحديد مستقبله.

