صعّد رئيس وزراء الاحتلال الصهيوني بنيامين نتنياهو خطابه تجاه تركيا ودول الجوار في تل أبيب، محذرا من مواجهة إقليمية جديدة قبل 27 أكتوبر، في وقت يربط منتقدوه بين التصعيد العسكري ومحاولات تثبيت موقعه الداخلي.
وبالتالي يأتي التصعيد في ظل استمرار الحرب على غزة وتوسع المواجهات في ساحات متعددة، وسط مخاوف من أن تؤدي سياسات نتنياهو إلى جر المنطقة إلى مواجهات مفتوحة يدفع ثمنها المدنيون قبل الحكومات.
كما أن خطاب نتنياهو الأخير يعكس استراتيجية تعتمد على إبقاء التوتر قائما مع خصوم إسرائيل، بينما يرى معارضوه أن استمرار الأزمات يمنحه فرصة للهروب من الضغوط المرتبطة بإخفاقات حكومته.
لذلك تتزايد التساؤلات حول ما إذا كان رئيس الوزراء الإسرائيلي يتعامل مع التهديدات الإقليمية باعتبارها ضرورة أمنية، أم يستخدمها لتعزيز موقعه قبل الاستحقاقات السياسية المقبلة.
غير أن اتساع دائرة الخصوم من إيران إلى تركيا وسوريا ولبنان يرفع مستوى المخاطر، خصوصا مع ظهور ترتيبات إقليمية جديدة قد تقيد هامش الحركة العسكرية الإسرائيلية.
علاوة على ذلك يرى مراقبون أن أي مواجهة مباشرة مع تركيا ستكون مختلفة عن الصراعات السابقة، بسبب مكانة أنقرة العسكرية وعلاقاتها الدولية وتأثيرها في ملفات المنطقة.
رسائل التصعيد
وبناء على ذلك يقول الباحث الإسرائيلي عاموس هرئيل إن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تدرك خطورة فتح جبهات إضافية، لأن إدارة عدة ساحات في وقت واحد تمثل تحديا عسكريا وسياسيا كبيرا.
كما أن هرئيل يشير إلى أن استمرار التصعيد دون أهداف واضحة قد يفاقم الضغوط على الجيش الإسرائيلي، الذي يواجه استنزافا متواصلا منذ اندلاع الحرب في غزة.
لزيادة الضغط على خصومه، يعتمد نتنياهو وفقا لمنتقديه على خطاب الردع المستمر، حيث يقدم كل مواجهة محتملة باعتبارها معركة دفاعية ضرورية لحماية إسرائيل.
ومن ثم يرى المحلل الإسرائيلي ألون مزراحي أن الحكومة الحالية تستفيد من أجواء الخوف، لأن المجتمع في أوقات التوتر يميل إلى دعم الخطاب الأمني المتشدد.
كذلك يوضح مزراحي أن المشكلة لا تكمن فقط في التصريحات، بل في احتمال تحول الخطاب إلى قرارات عسكرية تفتح مسارات يصعب السيطرة عليها لاحقا.
لذلك يحذر معارضون من أن تحويل كل خلاف إقليمي إلى مواجهة وجودية قد يجعل إسرائيل أكثر عزلة، ويضعها في مواجهة ضغوط دولية متزايدة.
تركيا في دائرة المواجهة
وبالتالي يمثل صعود تركيا كقوة إقليمية داعمة للفلسطينيين تحديا جديدا لنتنياهو، خصوصا مع توسع الدور التركي في ملفات سوريا والشرق الأوسط.
كما أن اتفاقات التعاون الدفاعي بين تركيا ودول أخرى تمنح أنقرة مساحة أكبر للتحرك، وهو ما يزيد مخاوف إسرائيل من تغير موازين التأثير في المنطقة.
غير أن الباحث التركي جلال دمير يرى أن المواجهة المباشرة بين أنقرة وتل أبيب ليست الخيار الأول، لكنه يؤكد أن استمرار الاستفزازات قد يرفع احتمالات الاحتكاك.
علاوة على ذلك فإن وجود تركيا في ملفات سوريا والضفة وغزة يجعلها طرفا مؤثرا في أي ترتيبات مستقبلية، وهو ما يفسر حساسية الخطاب الإسرائيلي تجاهها.
ومن ثم فإن تهديدات نتنياهو ضد القوى الإقليمية قد لا تكون مجرد رسائل إعلامية، بل محاولة لمنع تشكل ترتيبات جديدة تحد من نفوذ حكومته.
كما أن دخول السعودية وباكستان وتركيا في ترتيبات دفاعية يزيد القلق الإسرائيلي من ظهور توازنات مختلفة عن المرحلة السابقة.
حسابات ما بعد 27 أكتوبر
لذلك يربط محللون بين موعد 27 أكتوبر وبين حسابات نتنياهو الداخلية، إذ يخشى خصومه أن يصبح التصعيد وسيلة للحفاظ على الدعم الشعبي خلال الأزمات.
وبناء على ذلك يقول الباحث الإسرائيلي يوسي كلاين هاليفي إن المجتمع الإسرائيلي يعيش حالة انقسام عميقة، وأن استمرار الحرب يعمق الفجوة بين التيارات المختلفة.
كما أن هاليفي يرى أن مستقبل إسرائيل لا يتوقف فقط على قوتها العسكرية، بل على قدرتها على إدارة علاقاتها الخارجية دون الدخول في استنزاف دائم.
غير أن معارضي نتنياهو يؤكدون أن استمرار الحروب المفتوحة قد يحول إسرائيل إلى دولة تعتمد على منطق الصراع الدائم، بدلا من البحث عن حلول طويلة الأمد.
علاوة على ذلك فإن توسع المواجهة مع الجوار قد يفرض أعباء اقتصادية وعسكرية كبيرة، في وقت تواجه فيه إسرائيل ضغوطا دولية متزايدة.
وبالتالي فإن معركة نتنياهو الحقيقية قد لا تكون فقط مع خصومه خارج الحدود، بل أيضا مع خصومه داخل إسرائيل الذين يتهمونه بإدارة الأزمات لمصلحته.
ومن ثم يبقى السؤال المطروح هو ما إذا كان التصعيد الحالي سيؤدي إلى ردع الخصوم، أم سيخلق دائرة جديدة من المواجهات يصعب إنهاؤها.
لذلك يرى مراقبون أن المرحلة المقبلة ستكون اختبارا لقدرة المنطقة على احتواء خطاب التصعيد، قبل أن تتحول التهديدات السياسية إلى مواجهات عسكرية واسعة.
كما أن استمرار سياسة حافة الهاوية قد يجعل إسرائيل أمام تحديات أكبر من تلك التي تحاول تفاديها، خاصة إذا توحدت مواقف قوى إقليمية مختلفة ضدها.

