تواجه الشعاب المرجانية حول العالم مستقبلًا أكثر قتامة مما كان متوقعًا، مع تزايد موجات الحر البحرية وارتفاع درجات حرارة المحيطات بفعل تغير المناخ، في تهديد مباشر لواحدة من أكثر النظم البيئية تنوعًا على كوكب الأرض، وللملايين من الكائنات البحرية والبشر الذين يعتمدون عليها في الغذاء ومصادر الدخل والحماية الساحلية.

 

وكشفت دراسة حديثة نُشرت في مجلة «بلوس كلايمت» أن المخاطر التي تواجه الشعاب المرجانية قد تكون أكبر بكثير من التقديرات السابقة، بعدما استخدم الباحثون نماذج أكثر دقة لدراسة الفروق في درجات الحرارة بين الشعاب المرجانية حتى على مسافات قصيرة للغاية.

 

وتوصلت الدراسة إلى نتيجة شديدة الخطورة، مفادها أنه عند وصول الاحترار العالمي إلى 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، وهو المستوى الذي كان المجتمع الدولي يسعى إلى عدم تجاوزه بموجب اتفاقية باريس للمناخ، قد تتعرض نحو 99% من الشعاب المرجانية في العالم لموجات حر بحرية متكررة.

 

 

موجات الحر البحرية تتحول إلى تهديد دائم

 

كانت موجات الحر البحرية الشديدة في الماضي أحداثًا استثنائية تفصل بينها فترات طويلة تسمح للشعاب المرجانية بالتعافي، إلا أن ارتفاع متوسط درجات الحرارة العالمية غيّر هذه المعادلة بصورة متسارعة.

 

فمع ارتفاع حرارة المحيطات، أصبحت موجات الحر البحرية أكثر تكرارًا وأطول مدة، وهو ما يعني أن الشعاب المرجانية لا تحصل على الوقت الكافي لاستعادة عافيتها قبل تعرضها لموجة حر جديدة.

 

وتكمن خطورة هذه الظاهرة في أن الشعاب المرجانية تعتمد على علاقة تكافلية شديدة الحساسية مع طحالب مجهرية تعيش داخل أنسجتها. وتوفر هذه الطحالب جزءًا كبيرًا من الطاقة التي تحتاج إليها الشعاب المرجانية من خلال عملية البناء الضوئي، كما تمنحها ألوانها المميزة.

 

وعندما ترتفع درجة حرارة المياه إلى مستويات تتجاوز قدرة الشعاب على التحمل لفترات طويلة، تتعرض هذه العلاقة للانهيار، فتطرد الشعاب الطحالب من أنسجتها، في ظاهرة تعرف باسم «ابيضاض الشعاب المرجانية».

 

وقد تتمكن الشعاب من استعادة الطحالب والتعافي إذا عادت درجات الحرارة إلى مستويات مناسبة خلال فترة قصيرة، لكن استمرار الإجهاد الحراري أو تكرار موجات الحرارة قبل اكتمال التعافي قد يؤدي إلى نفوق الشعاب على نطاق واسع.

 

 

99% من الشعاب مهددة بموجات حر متكررة

 

تكتسب نتائج الدراسة الجديدة أهمية خاصة لأنها تشير إلى أن الخطر المحتمل لا يقتصر على نسبة محدودة من الشعاب، وإنما قد يمتد إلى الغالبية الساحقة منها.

 

وكانت تقديرات سابقة صادرة عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ قد أشارت في عام 2018 إلى أن ارتفاع درجة حرارة الأرض بمقدار 1.5 درجة مئوية قد يؤدي إلى فقدان ما بين 70% و90% من الشعاب المرجانية حول العالم.

 

لكن الدراسة الجديدة تقدم صورة أكثر تشاؤمًا، إذ تشير النماذج الأكثر دقة إلى أن نحو 99% من الشعاب قد تواجه موجات حر بحرية متكررة عند مستوى الاحترار البالغ 1.5 درجة مئوية.

 

ويعني ذلك أن الوصول إلى هذا المستوى الحراري، حتى لو بدا أقل من مستويات الاحترار الأعلى، قد يكون كافيًا لوضع معظم الشعاب المرجانية في دائرة الخطر المستمر.

 

وتزداد خطورة السيناريو مع التوقعات التي تشير إلى إمكانية وصول متوسط الاحترار العالمي إلى 1.5 درجة مئوية في أوائل ثلاثينيات القرن الحالي، ما لم تتخذ الدول إجراءات جذرية وسريعة لخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

 

 

كارثة لا تهدد الشعاب وحدها

 

لا تقتصر تداعيات تدهور الشعاب المرجانية على فقدان مشهد طبيعي ملون تحت سطح البحر، إذ تمثل هذه النظم البيئية موطنًا لعدد هائل من الكائنات البحرية، وتعد من أكثر البيئات الطبيعية تنوعًا على كوكب الأرض.

 

وتوفر الشعاب أماكن للغذاء والتكاثر والاختباء لآلاف الأنواع من الأسماك والكائنات البحرية، ولذلك فإن انهيارها يمكن أن يؤدي إلى سلسلة واسعة من الآثار البيئية التي تتجاوز الشعاب نفسها.

 

كما يعتمد ما يقارب مليار شخص حول العالم بصورة مباشرة أو غير مباشرة على التنوع البيولوجي المرتبط بالشعاب المرجانية، سواء من خلال مصايد الأسماك أو السياحة أو الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمناطق الساحلية.

 

ويعني تراجع الشعاب أن المجتمعات التي تعتمد على هذه الموارد قد تواجه ضغوطًا اقتصادية وغذائية متزايدة، خصوصًا في الدول والجزر التي ترتبط مواردها البحرية بصورة وثيقة بالنظم المرجانية.

 

 

موجات حر ضربت ثلاثة محيطات

 

لم تعد ظاهرة ابيضاض الشعاب مجرد توقع مستقبلي، فقد شهد العالم بالفعل أحداثًا واسعة النطاق خلال السنوات الماضية.

 

وتسببت موجة الحر البحرية التي ضربت المحيطات خلال عامي 2015 و2016 في حدوث عمليات ابيضاض واسعة للشعاب المرجانية في المحيط الهادئ والمحيط الأطلسي والمحيط الهندي.

 

وكشفت تلك الأحداث عن مدى حساسية الشعاب للتغيرات الحرارية، كما أظهرت أن ارتفاع درجات حرارة المياه لفترة محدودة نسبيًا يمكن أن يؤدي إلى آثار واسعة النطاق على مساحات بحرية شاسعة.

 

وتزداد المشكلة تعقيدًا عندما تتكرر موجات الحرارة بفواصل زمنية قصيرة، لأن الشعاب المرجانية التي نجت من موجة سابقة قد لا تكون قد استكملت عملية التعافي عندما تصل الموجة التالية.

 

 

الحاجز المرجاني العظيم في دائرة الخطر

 

يمكن أن تمتد آثار موجة الحر البحرية الواحدة إلى مناطق جغرافية هائلة، ما يجعل الخطر مختلفًا عن الأضرار المحلية التي يمكن أن تتعرض لها الشعاب بسبب التلوث أو الصيد الجائر.

 

وقد يصل الإجهاد الحراري إلى مساحات بحجم أجزاء واسعة من الحاجز المرجاني العظيم، أو يمتد عبر أرخبيلات بأكملها مثل جزر المالديف.

 

ويشير ذلك إلى أن المشكلة ليست مجرد تعرض شعاب منفردة للحرارة، وإنما احتمال تعرض نظم بيئية مترابطة بالكامل لضغوط حرارية متزامنة.

 

ومع استمرار الاحترار، قد تصبح قدرة الشعاب على إيجاد مناطق باردة نسبيًا أكثر أهمية من أي وقت مضى.

 

 

هل توجد ملاذات آمنة للشعاب؟

 

يرى العلماء أن بعض الظروف المحلية قد تمنح الشعاب المرجانية فرصًا أفضل للبقاء، حتى في عالم ترتفع فيه درجات حرارة المحيطات.

 

ومن بين هذه الظروف المناطق التي تشهد ارتفاع المياه الباردة من الأعماق إلى السطح، أو المناطق التي تؤثر فيها تيارات بحرية قوية تساعد على خفض درجات حرارة المياه المحيطة بالشعاب.

 

وقد تمثل هذه المواقع ما يعرف بـ«الملاذات الحرارية»، أي المناطق التي يمكن أن توفر للشعاب ظروفًا أفضل للبقاء مقارنة بالمناطق المحيطة بها.

 

لكن الدراسة تشير إلى أن العثور على هذه المناطق قد يكون صعبًا للغاية، لأنها قد تكون صغيرة ومحدودة المساحة، كما أن عددها يتراجع بصورة حادة كلما ارتفع متوسط حرارة الكوكب.

 

فعند وصول الاحترار العالمي إلى 1.5 درجة مئوية، قد لا يتبقى سوى نحو 0.2% من هذه الملاذات، بينما عند بلوغ الاحترار درجتين مئويتين، تشير النتائج إلى عدم وجود ملاذات آمنة من الحرارة للشعاب المرجانية.

 

 

اتفاقية باريس وحد الاحترار العالمي

 

يمثل مستوى 1.5 درجة مئوية نقطة محورية في الجهود الدولية لمواجهة تغير المناخ، إذ كان الحفاظ على الاحترار العالمي عند هذا المستوى أو أقل منه هدفًا رئيسيًا للدول عندما وقعت اتفاقية باريس عام 2015.

 

لكن بالنسبة للشعاب المرجانية، تكشف الدراسة عن حقيقة أكثر إثارة للقلق، وهي أن الوصول إلى 1.5 درجة مئوية لا يمثل مستوى آمنًا بالضرورة.

 

وبمعنى آخر، فإن الشعاب المرجانية قد تواجه أزمة واسعة حتى في ظل تحقيق أحد أكثر أهداف المناخ طموحًا.

 

وتشير النتائج إلى أن خفض الاحترار إلى أدنى مستوى ممكن يظل أمرًا بالغ الأهمية، لأن كل زيادة إضافية في درجات الحرارة قد تقلص قدرة الشعاب على البقاء وتقلل فرص وجود مناطق يمكنها الاحتماء فيها من الحرارة.

 

 

ليست كل الشعاب متساوية في قدرتها على التحمل

 

ورغم الصورة القاتمة، لا تتعرض جميع الشعاب المرجانية للإجهاد الحراري بالطريقة نفسها، كما لا تحدث موجات الحر في جميع المناطق في الوقت نفسه.

 

وتوجد أنواع من الشعاب تتمتع بقدرة أكبر على تحمل درجات الحرارة المرتفعة، وقد يرتبط ذلك بشكل نموها أو بالأنواع المختلفة من الطحالب التي تعيش داخل أنسجتها.

 

وتمنح هذه الاختلافات بعض الشعاب قدرة أكبر على مقاومة التغيرات البيئية مقارنة بغيرها.

 

لكن العلماء يحذرون من أن حجم موجات الحر المتوقعة وتكرارها قد يتجاوزان في المستقبل قدرة حتى الأنواع الأكثر مقاومة على التحمل.

 

وبالتالي، فإن بقاء بعض الشعاب الأكثر قدرة على الصمود لا يعني بالضرورة الحفاظ على النظام البيئي بشكله الحالي، لأن الأنواع الحساسة قد تختفي أولًا، وهو ما يؤدي إلى تغير كبير في تركيبة المجتمعات المرجانية.

 

 

الشعاب المستقبلية قد لا تشبه ما نعرفه اليوم

 

إذا استمر الاحترار بالمعدلات الحالية، فقد لا يكون التغيير المقبل مجرد انخفاض في مساحة الشعاب المرجانية، بل تحولًا جذريًا في طبيعتها وتنوعها.

 

فالشعاب التي ستبقى على قيد الحياة قد تكون أكثر مقاومة للحرارة، لكنها في المقابل قد تكون أقل تنوعًا، وأقل قدرة على توفير الموائل لمجموعة واسعة من الكائنات البحرية.

 

وقد تتحول النظم المرجانية الملونة والغنية التي يعرفها العالم اليوم إلى نظم أبسط بكثير، تهيمن عليها أنواع محدودة قادرة على تحمل الظروف القاسية.

 

وهذا التحول ستكون له انعكاسات متسلسلة على الأسماك والكائنات البحرية الأخرى، وعلى مصايد الأسماك، والسياحة، والمجتمعات الساحلية.

 

 

الشعاب تحتاج إلى وقت للتعافي

 

تزداد خطورة ابيضاض الشعاب بسبب بطء نموها، إذ إن الشعاب المرجانية ليست نباتات، وإنما حيوانات صغيرة تشبه الزوائد اللحمية، تعيش في مستعمرات وتفرز هياكل عظمية من كربونات الكالسيوم.

 

ومع مرور الوقت، تتراكم هذه الهياكل لتشكل البنية المعقدة للشعاب المرجانية.

 

لكن هذه العملية بطيئة، ولذلك فإن تدمير الشعاب خلال موجة حر شديدة يمكن أن يحدث بسرعة أكبر بكثير من قدرة النظام البيئي على إعادة بناء نفسه.

 

كما أن التعافي بعد ابيضاض الشعاب أو نفوق أجزاء منها لا يحدث في ظروف مثالية دائمًا، إذ يمكن أن تعوقه عوامل أخرى مثل تلوث المياه والصيد الجائر وتدهور الموائل البحرية.

 

وهكذا تتراكم الضغوط فوق بعضها البعض، لتجعل قدرة الشعاب على التعافي من الصدمات المناخية أكثر صعوبة.