نور الدين العلوي
أستاذ علم الاجتماع بالجامعة التونسية
ظهر الخطاب النسوي في مرحلة اتسمت بفظاعات كبرى منها ورطة حرب فيتنام وقمع حركة الحقوق المدنية، وكانت النضالات الطلابية والاجتماعية متجهة ضد سياسات الهيمنة الإمبريالية في العالم، وفجأة تحولت النضالات إلى خطاب التمكين الاجتماعي للمرأة. بدا الأمر بإدخال عنصر جديد في الصراع هو الهيمنة الذكورية، وهو العنصر الذي غفل عنه اليسار في تحليله للهمينة بحصرها في همينة رأس المال. هذه المرحلة هي مرحلة عجز اليسار التقليدي على دفع قضاياه إلى مرحلة الثورة فتبنى خطاب النسوية وتقدم فيه على النسويات المؤسسات (مثل كيت ميليت، وشولاميث فايرستون وغيرهن)، وقادت نسويات اليسار الجديد (مثل هايدي هارتمان ونانسي فريزر) مرحلة التحول من مقاومة همينة رأس المال إلى مقاومة الهيمنة الذكورية/ البطريركية.
لقد نقلت نسويات اليسار القضية (من يملك وسائل الإنتاج؟) إلى سؤال إضافي ثم بديل كيف تُنتج السلطة علاقات الهيمنة بين الجنسين داخل الاقتصاد والأسرة والثقافة والجسد! وهكذا حصل انزياح في الاهتمامات من ثورة نقدية داخل خطاب اليسار الذي أهمل النوع الاجتماعي؛ إلى خطاب منافس لخطاب الصراع الطبقي.
لقد أدى خطاب النوع الاجتماعي إلى تحولات كبرى في الفكر اليساري، منذ ستينيات القرن العشرين، وذلك بنقل مركز الثقل من صراع طبقي عمودي إلى صراعات هوياتية متعددة ثم حصرت بعض تيارات النسوية التناقض المركزي في المجتمع، فجعلت الهيمنة الذكورية مقدمة على كل هيمنة، وأصبح الرجل (بوصفه جنسًا) ظاهرًا أحيانًا كخصم تاريخي للمرأة، بدل النظر إلى الرجال والنساء معًا باعتبارهما موزعين بصورة غير متساوية داخل بنى الطبقة والسلطة. وبالتدريج كان خطاب النسوية الاشتراكية ينزلق من الصراع الطبقي إلى الصراع بين الجنسين، ومن القول أن الرأسمالية والبطريركية نظامان متداخلان للهيمنة إلى خطاب راديكالي يرسخ سؤالا وحيدا: "من يهيمن على من انطلاقًا من الهوية الجنسية؟".
وهكذا صار الانقسام رجل/ امرأة مقدما على كل انقسام، فلا معنى للصراع بين الطبقات بل المعنى في الصراع بين الأنواع. فالعامل لم يعد يُنظر إليه بوصفه عاملًا مستغَلًا، بل بوصفه رجلًا مهيمنًا، والعاملة أصبحت تُفهم بوصفها امرأة مضطهدة حتى عندما يكون العامل والرجل نفسه ضحية مثلها في الاستغلال الاقتصادي. لقد انتقل خطاب الهيمنة من شواغل العدالة بين الطبقات إلى خطاب هوية جندرية يستعمل مفهوم الهيمنة الذكورية، لينفصل في المحصلة عن رؤية التناقض بين الطبقات.
هنا تخلصت الأنظمة السياسية من اليسار، وفسحت له لينقل مركز الاحتجاج من السلطة الاقتصادية والسياسية إلى العلاقة الأفقية بين أفراد المجتمع (رجل/امرأة). فكلما انشغل الرجل والمرأة بالصراع حول الامتيازات والهوية والتمثيل، تراجع السؤال الأخطر بالنسبة للسلطة: من يملك الثروة؟ ومن يسيطر على الدولة؟ ومن يقرر توزيع الموارد؟ هذه الطريق فيها مكاسب كبيرة لليسار الجديد طالما أن الصراعات لا تمس بالضرورة البنية الاقتصادية التي تقوم عليها السلطة، فلتشجع الصراعات الثقافية والهوياتية ولتتصارع النخب والطبقات الوسطى حول اللغة والجندر والتمثيل والرموز، فالنظام الاجتماعي والاقتصادي العميق قائم ويشتغل براحته.
هذا الانتقال من سياسة التحرر الاجتماعي إلى سياسة إدارة الهويات هو تحول من تنظيم المظلومين ضد السلطة إلى تنظيم المظلومين ضد بعضهم بعضًا، وهنا تكون السلطة (قوى الهيمنة عامة) قد ربحت نصف المعركة. وبهذه الصيغ المريحة للسلطة وصل خطاب النوع الاجتماعي إلى تونس واشتغل لصالح قوى الهيمنة المحلية والأجنبية.
خطاب مستورد
كانت جمعية النساء الديمقراطيات في تونس هي الجمعية الرائدة في الترويج لخطاب النوع الاجتماعي، ومنها تناسلت جمعيات مثل "نساء من أجل التنمية". وقد حظيت هذه الجمعيات بغض طرف السلطة في زمن بورقيبة وبن علي، ولم تتعرض للتضييق في عملها مثلما ضُيق على الأحزاب والجمعيات المهتمة بالحرية مثل جمعية الصحفيين.
وكانت أغلب النساء المؤسسات للجمعية النسوية خارجات من رحم الحزب الشيوعي التونسي الذي تأسس كفرع للحزب الشيوعي الفرنسي. وقد التقطت النسويات التونسيات خطاب النوع في آخر مراحله التي بلغها في الثمانيات في صيغته الأشد نسوية، فتحولت سيمون دي بوفوار الفرنسية إلى نبيّة جندرية لا تجادل. في زمن بن علي التحق اليسار الراديكالي بخطاب النوع ونقل الصراع من بروليتاريا ضد رأسمالية إلى صراع امرأة ضد رجل، وجرى تحويل الرجل (الذكر) إلى عدو ضمني لامرأة متخيلة.
وهكذا ومثلما حصل في الغرب، ابتعد الخطاب عن العدالة الشاملة إلى عدالة جزئية بناء على توهم عدو (إمبريالية أو نظام من الهمينة المتخيلة) اسمه الرجل، مع اختصار الرجل في الذكر، ليصبح المطلب النسوي التونسي البعيد المدى هو تأنيث تونس؛ فكل ما سبق من تاريخ البلد كان تاريخا ذكوريا وقد آن الأوان لتأنيثه، مع شحنة خاصة أن الذكورية هي بالأصل ثقافة دينية أي إسلامية، وهو انزلاق مرتب بدقة وموجه لتحويل الخطاب النسوي إلى خطاب مقاوم للإسلامية السياسية. وهنا نفهم سر التقاء/ التحالف بين النسوية التونسية ونظام بورقيبة بن علي، فالعدو الذي تجب مقاومته هو الإسلامية السياسية وليس السلطة السياسية، ولمقاومتها يتم وصمها بالهيمنة الذكورية.
وهنا حصل طرفا التحالف مكاسبهما بالتراضي؛ اجتنبت النسويات الصدام مع السلطة القائمة في القضايا الاجتماعية الحقيقية وحفظت النسويات التونسيات أسماءهن من الاندثار والتلاشي، وحصّلن مكاسب كثيرة منها التمويل الأجنبي تحت غطاء النضال الحقوقي وفي مقدمته الدفاع عن قضايا المرأة المضطهدة، مع شحنة مدسوسة في الوسط هي أن المرأة العربية هي أكثر نساء الأرض تعرضا للاضطهاد الذكوري الإسلامي. في الأثناء تخلصت السلطة من اليسار وخطاب العدالة الاجتماعية الشامل.
والمكسب الأهم لطرفي الاتفاق هو جر العدو الإسلامي إلى نقاشات فرعية لم يملك لها أدوات ومفردات خطاب. فسهل حشر كل إسلامي في زاوية الدفاع عن الذكورية ومعاداة المرأة، مما رسخ الصورة التالية في مخيال النساء المسيسات منهن خاصة: أن الإسلامي هو العدو الأول للمرأة؛ يحجبها ويسجنها في البيت ويعتبرها آلة للمتعة والانجاب، بينما تناضل النسويات من أجل تحرير المرأة من الوظائف الدونية (الإنجاب والأمومة وشغل البيت)، وهنا بلغ خطاب الهوية النسوية قمته وأدى دوره كاملا. السلطة تراقب الاشتباك وتدعم أحد طرفيه، وتخصخص المؤسسات الاقتصادية العمومية وتوسع دائرة الفقر للنساء وللرجال على السواء.
تجاهل الواقع
لكن الخطاب النسوي يقفز فوق معطيات تُرى بالعين المجردة، مثل أن الحجاب لم يُعِقْ التعلم ولا الاقتدار في الوظائف، وعندنا خفت قبضة السلطة على الحجاب تحول إلى لباس عام لا يعني الانتماء إلى حزب إسلامي، فقد سقط وصمه باللباس الطائفي (منشور بورقيبة رقم 108 المشهور).
يتجاهل الخطاب النسوي التونسي ما يشاهَد في فرنسا وفي بلدان الغرب عامة من اتجاه متعاظم للتهرم السكاني كنتيجة مباشرة للتوقف عن الإنجاب (الوظيفة المهينة) تحت تأثير الخطاب النسوي خاصة. لذلك لا تجيب النسويات على سؤال بسيط: من سيقوم بوظيفة الاستمرار الديموغرافي إذا صُوّر الإنجاب كوظيفة مهينة للمرأة؟ في تونس بدأت هذه المؤشرات في الظهور ومست مباشرة قطاع العمل وقطاع الضمان الاجتماعي، فبعد أن كان هناك ثلاثة نشطاء مقابل متقاعد واحد انقلب الحساب إلى ناشط مقابل ثلاثة متقاعدين.
هذه نتيجة مباشرة لمتغيرات التعلم الطويل المدى والاهتمام بالعمل قبل الزواج، وعوض أن يأخذ الخطاب النسوي هذه المعطيات بعين الاعتبار فإنه يدفع إلى المزيد من الفرادنية النسوية بتصوير الزواج والإنجاب كوظيفة منحطة وجب تحرير المرأة منها، بل قدم الخطاب النسوي حلولا ضمن نسق التحرر الجندري منها دعم حرية الإنجاب خارج الزواج، بما يجعل الخطاب النسوي دعوة لإنهاء وظائف الأسرة وليس لإنهاء الاضطهاد الجنسي.
وهنا تنكشف الأجندة الاستعمارية بوضوح؛ خطاب التمكين للمرأة بظاهره الرومانسي الإنسانوي يخفي عملية تفكيك البنى الاجتماعية التي أقامت مجتمعات وبنت ثقافات على قواعد حفظ النفس، وغايتها إعمار الأرض بالنوع الانساني باعتباره وظيفة مقدسة. ولذلك سمعنا وصما بالتخلف والرجعية للإجراءات التي اتخذتها الدولة التركية في العام 2026 للتشجيع على الزواج والإنجاب بوصفهما طريقا للاستقرار الاجتماعي وللتعديل الديموغرافي، حيث إن تركيا عرفت مثل تونس اتجاها متسارعا للتهرم السكاني. لقد انزعج الخطاب النسوي الفرنسي وتابعه التونسي من السياسات السكانية لحكومة تركيا، وهو انزعاج منسجم مع المداخل النظرية النسوية.
لكن لا توفر هذه المقدمات خلاصات ضرورية للمستقبل إذا تفككت الأسرة و"تحررت المرأة من وظيفة الإنجاب المنحطة". ليس للأجندة النسوية تصور للمستقبل ولا نظنها قامت من أجل تخيل مستقبل للإنسانية، بل هي في العمق تتوهم إعادة اكتشاف العجلة عبر لغو تأنيث العالم. لكن مكسب قوى الهيمنة حصل، وهو صرف انتباه العالم عن الهيمنة الحقيقية وفي مقدمتها الهيمنة الصهيونية.

