فجّرت دعوة وزير المياه الإثيوبي السابق شيفيراو جارسو إلى مطالبة مصر بتعويضات مالية مقابل استخدام مياه النيل موجة رفض واسعة، بعدما استند إلى مساهمة بلاده في معظم تدفقات النهر لطرح مقابل مالي على مورد طبيعي عابر للحدود.
وبينما أعادت التصريحات أزمة سد النهضة إلى واجهة التوتر، حذر مختصون من أن الانتقال من إدارة المياه المشتركة إلى منطق المقابل المالي يفتح باباً غير مسبوق، ويمنح دول المنبع سلطة ادعاء ملكية التدفقات الطبيعية والتحكم في وصولها.
تسعير خارج القانون
وبالتالي، وصف محمد نصر الدين علام، وزير الري المصري الأسبق، هذه المطالبات بأنها عدوانية وغير مسؤولة، مؤكداً أن قواعد استخدام الأنهار الدولية لا تسمح بتحويل المياه العابرة للحدود إلى سلعة تفرض عليها دولة المنبع مقابلاً مالياً.
كما أن علام اعتبر أن الطرح الإثيوبي يكشف محاولة للانتقال من التعاون والتنسيق إلى فرض واقع جديد يقوم على تسعير المياه، محذراً من أن التلويح بالتحكم في التدفقات يحمل تهديداً مباشراً لمصالح دول المصب.
لزيادة التوضيح، يستند منتقدو المقترح إلى أن الأمطار التي تغذي منابع النيل ظاهرة طبيعية لا تنتج عن خدمة تقدمها إثيوبيا لمصر، وبالتالي لا تنشئ حقاً مالياً يمكن تحويله إلى التزام على الدول الأخرى.
لذلك، يرى هؤلاء أن مساهمة دولة في حجم تدفقات نهر دولي لا تعني امتلاكها للمياه بعد عبورها الحدود، إذ تخضع المجاري المائية الدولية لمبادئ الانتفاع المنصف وعدم التسبب في ضرر جسيم.
ومن ثم، يثير طرح المقابل المالي مخاوف من تحويل موقع المنبع الجغرافي إلى أداة ضغط دائمة، خصوصاً مع استمرار الخلاف حول آليات تشغيل سد النهضة والتصرف في المياه خلال فترات الجفاف الممتد.
ثمن الطبيعة
غير أن محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام، يؤكد أن الإسهام المطري الطبيعي لا يمثل منحة تستوجب مقابلاً، لأن الأمطار والخصائص الجغرافية لا تخضع لإرادة دولة بعينها ولا يمكن تحويلها إلى سلعة قابلة للبيع.
علاوة على ذلك، يشير مهران إلى أن قاعدة الانتفاع المنصف والمعقول لا تنشئ علاقة تجارية بين دول المنبع والمصب، بل تفرض موازنة بين المصالح والاحتياجات والاستخدامات القائمة عند إدارة الموارد المائية المشتركة.
وبناءً على ذلك، يرفض القانوني المصري اعتبار نسبة المياه القادمة من الأراضي الإثيوبية أساساً لفرض رسوم، مؤكداً أن القانون الدولي المائي ينظم الحقوق والالتزامات بين الدول ولا يمنح دولة المنبع حق إصدار فواتير لدول المصب.
في المقابل، تستند مصر والسودان إلى اتفاقيتي 1929 و1959 في الدفاع عن حقوقهما المائية، بينما ترفض إثيوبيا الاعتراف بالاتفاقيات القديمة وتعتبرها ترتيبات أبرمت في ظروف لم تشارك فيها.
فضلاً عن ذلك، يتمسك مهران بأن معارضة القاهرة والخرطوم لاتفاقية الإطار التعاوني تمنع ترتيب التزامات تعاقدية جديدة عليهما من دون موافقتهما، مستنداً إلى قاعدة عدم إلزام المعاهدات للغير دون قبول صريح.
وعليه، فإن جوهر الخلاف لا يتعلق بوجود المياه داخل الأراضي الإثيوبية وحدها، وإنما بالحق في إدارتها بصورة لا تضر بالدول الأخرى التي تعتمد على النهر كمورد رئيسي للحياة والزراعة والاقتصاد.
التحكم في التدفقات
في هذا السياق، يحذر محمد نصر علام من أن الخطر الأكبر يتمثل في قدرة إثيوبيا على التحكم في توقيت وكميات المياه المنطلقة من سد النهضة، وهو ما يجعل مسألة التشغيل أكثر حساسية من مجرد إنتاج الكهرباء.
كذلك، يلفت مهران إلى أن أي إدارة أحادية للتدفقات قد تؤثر في دول المصب، خاصة خلال سنوات الجفاف، عندما تصبح كميات المياه المتاحة وقدرة السد على الاحتفاظ بالمخزون عناصر حاسمة للأمن المائي.
ومن زاوية أخرى، يرى عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية، أن تشغيل السد لا يمكن فصله عن ظروف الفيضان والجفاف، لأن التخزين وإطلاق المياه ينعكسان مباشرة على إدارة الموارد المائية في السودان ومصر.
ثم إن شراقي يشدد على ضرورة وجود آليات واضحة لتبادل البيانات والتنسيق بين الدول المعنية، بما يسمح بالتعامل مع التغيرات الهيدرولوجية وتقليل المخاطر الناتجة عن القرارات المنفردة في حوض شديد التعقيد.
في حين، تعلن إثيوبيا أن سد النهضة مشروع لتوليد الكهرباء ودعم التنمية، وتؤكد حقها في استغلال مواردها الطبيعية، لكنها تواجه اعتراضات مصرية وسودانية بشأن غياب اتفاق شامل وملزم للتشغيل.
بالموازاة مع ذلك، ترى القاهرة أن استمرار الملء والتشغيل من دون اتفاق يهدد قدرتها على التخطيط المائي، بالنظر إلى اعتمادها الكبير على نهر النيل ومحدودية البدائل المتاحة أمام الطلب المتزايد.
نتيجة لذلك، تتحول تصريحات تسعير المياه إلى عامل إضافي في نزاع قائم منذ سنوات، لأنها تنقل الجدل من قواعد تقاسم المنافع وإدارة المخاطر إلى فكرة الملكية المالية للتدفقات الطبيعية.
وفي الوقت نفسه، يحذر خبراء من أن قبول هذا المنطق قد يشجع دولاً أخرى تقع عند منابع الأنهار الدولية على المطالبة بأثمان مقابل المياه، بما يهدد مبادئ التعاون المستقرة في إدارة الأحواض المشتركة.
بعد ذلك، يصبح التوصل إلى اتفاق واضح حول قواعد التشغيل وتبادل المعلومات وإدارة الجفاف أكثر إلحاحاً، لأن استمرار التصعيد يزيد صعوبة بناء الثقة ويضاعف احتمالات الاحتكاك حول كل قرار يتعلق بتدفقات النيل.
ومن جهة أخرى، تكشف الأزمة أن الخلاف لم يعد محصوراً في حجم التخزين أو إنتاج الكهرباء، بل امتد إلى تعريف الحقوق ذاتها، ومن يملك سلطة التحكم في المياه قبل وصولها إلى ملايين السكان.
بيد أن القانون الدولي يميز بين السيادة على الإقليم والحقوق المشتركة في المجاري العابرة للحدود، وهو تمييز يتمسك به خبراء القانون الرافضون لفكرة منح دولة المنبع سلطة مالية على الاستخدام الطبيعي للمياه.
وبالتزامن مع ذلك، تضع مصر تصريحات المسؤول الإثيوبي السابق ضمن سياق أوسع من الخلاف حول سد النهضة، معتبرة أن أي محاولة لفرض التحكم الأحادي على النهر تمثل مساساً مباشراً بأمنها المائي.
ختاماً، يعيد طرح التعويضات المالية أزمة النيل إلى نقطة أكثر خطورة، إذ يضيف إلى نزاع السد سؤالاً جديداً حول تسعير مورد طبيعي مشترك، في وقت لا تزال فيه قواعد التشغيل والتنسيق بلا اتفاق نهائي ملزم.

