كشفت وزارة التموين والتجارة الداخلية في القاهرة عن بدء استبعاد حاملي السجل التجاري أو البطاقة الضريبية من منظومة الدعم التمويني، مع اتجاهها إلى توسيع عمليات تنقية البطاقات قبل الانتقال المرتقب إلى نظام الدعم النقدي، بعدما جرى حذف نحو 3.2 مليون مواطن وفق مصدر مطلع نقلت عنه المنصة، وسط استهداف معلن للوصول إلى قاعدة مستفيدين أقل قبل تطبيق النظام الجديد.

 

وتأتي الخطوة بينما تستعد الحكومة المصرية لتغيير شكل الدعم التمويني من السلع المدعمة إلى دعم نقدي مشروط، في وقت يواجه فيه ملايين الأسر ارتفاعًا مستمرًا في تكاليف المعيشة، ما يجعل توسيع الحذف من البطاقات قضية تمس القدرة على شراء الغذاء مباشرة، خصوصًا أن أي خطأ في قواعد البيانات قد يحرم أسرة كاملة من مورد أساسي قبل اتضاح آليات التظلم.

 

حذف صاحب السجل التجاري يوقف بطاقة الأسرة كاملة

 

وبحسب المصدر المطلع على محددات الاستبعاد، تبدأ الوزارة من الشهر المقبل إيقاف البطاقة التموينية بالكامل إذا ثبت امتلاك صاحب البطاقة الرئيسي سجلًا تجاريًا أو بطاقة ضريبية، بينما يقتصر الحذف على الشخص نفسه إذا كان المعيار ينطبق على أحد الأفراد المقيدين بالبطاقة دون صاحبها، وهو فارق قد يحدد مصير الدعم لبقية أفراد الأسرة.

 

وبذلك لا تتعامل القاعدة الجديدة مع وجود النشاط التجاري أو التسجيل الضريبي باعتباره مؤشرًا منفصلًا عن القدرة الفعلية للأسرة على الإنفاق، بل تستخدمه بوصفه معيارًا للحذف من منظومة الدعم، وهو ما يثير مخاوف بشأن أصحاب الأنشطة الصغيرة الذين قد يحملون سجلات رسمية دون أن تعكس تلك السجلات دخلًا مرتفعًا أو قدرة حقيقية على تحمل أسعار السوق.

 

وفي المقابل، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور رشاد عبده أن المشكلة الأساسية في الدعم لا تتعلق بمجرد تغيير طريقة الصرف، وإنما بقدرة الدولة على تحديد المستحقين وضبط الأسواق، محذرًا من أن ارتفاع الأسعار بعد التحول قد يلتهم قيمة الدعم ويجعل المواطن يحصل على مبلغ ثابت بينما تتسع احتياجاته وتزداد تكلفة السلع الأساسية.

 

وعليه، يصبح معيار السجل التجاري أكثر حساسية عندما تستخدمه الدولة ضمن عملية حذف واسعة، لأن امتلاك ورقة رسمية لا يكشف وحده حجم النشاط أو أرباحه أو عدد العاملين فيه، كما أن البطاقة الضريبية لا تعني بالضرورة أن صاحبها أصبح خارج دائرة الفقر، خصوصًا في ظل انتشار المشروعات الصغيرة والعمل الحر والأنشطة محدودة العائد.

 

3.2 مليون مواطن خرجوا من الدعم قبل المرحلة الأكبر

 

وبالتزامن مع تشديد قواعد الاستحقاق، أعلنت المصادر المطلعة استبعاد نحو 3.2 مليون مواطن من قاعدة بيانات الدعم حتى الآن، ضمن خطة تستهدف تقليص عدد المستفيدين بنحو 10 ملايين مواطن قبل الانتقال إلى المنظومة النقدية، وهو ما يحول عملية تنقية البطاقات من إجراء إداري محدود إلى تغيير واسع في خريطة المستفيدين.

 

ثم تتسع عملية الاستبعاد مع تطبيق معيار جديد اعتبارًا من أكتوبر المقبل، يقضي بالحذف الفوري لمن يترك بطاقته التموينية لدى المخابز البلدية أو البقالين التموينيين، بعدما كان النظام السابق يوجه إنذارًا للمواطن عند المخالفة الأولى ثم يحظر البطاقة عند تكرارها، ما يعني تشديد العقوبة بدل الاكتفاء بالتنبيه.

 

وبحسب القواعد التي طبقتها الوزارة خلال السنوات الأخيرة، لا يقتصر الاستبعاد على السجلات التجارية والبطاقات الضريبية، بل يشمل ارتفاع الدخل أو المعاش الحكومي، وامتلاك سيارة فارهة أو أكثر من سيارة، وارتفاع استهلاك الكهرباء أو فواتير الهاتف المحمول، إلى جانب الحيازات الزراعية الكبيرة والمصروفات المدرسية المرتفعة والتعاملات الجمركية والضريبية ذات القيمة الكبيرة.

 

وتكشف هذه المعايير عن اعتماد الدولة على مؤشرات متعددة لبناء صورة اقتصادية عن الأسرة، إلا أن تجربة السنوات السابقة أظهرت أن تطبيق المؤشرات لا يخلو من أخطاء، بعدما أثارت عمليات الحذف في عام 2019 اعتراضات واسعة دفعت الحكومة، بناء على توجيهات رئاسية، إلى إعادة نحو 1.8 مليون مواطن وفتح باب التظلمات لإعادة فحص الحالات.

 

وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور مدحت نافع أن نجاح الدعم النقدي يتوقف على دقة تحديد المستحقين ومراجعة قيمة المساندة بصورة دورية لمواجهة التضخم، لأن الدعم يفقد جزءًا من قوته الشرائية إذا ظلت قيمته ثابتة بينما ترتفع أسعار الغذاء، وهو ما يجعل قاعدة البيانات وآلية تحديثها عنصرين حاسمين في حماية الأسر الفقيرة.

 

325 جنيهًا مقترحة للفرد مع تحرير أسعار السلع

 

وبالتوازي مع عمليات الحذف، تتجه الحكومة إلى تطبيق منظومة الدعم النقدي اعتبارًا من يناير المقبل، على أساس قيمة متداولة تبلغ نحو 325 جنيهًا شهريًا للفرد المقيد على البطاقة، بينما يحصل المواطن حاليًا على 50 جنيهًا شهريًا لشراء السلع التموينية، إلى جانب منظومة الخبز المدعم التي تتيح 5 أرغفة يوميًا بسعر 20 قرشًا للرغيف.

 

ويشير التصور المتداول إلى أن مبلغ 325 جنيهًا سيجمع بين دعم الخبز والسلع التموينية، مع تقديرات حديثة تقسم القيمة إلى نحو 225 جنيهًا للخبز و100 جنيه للسلع، لكن قيمة الدعم النهائية لم تعتمد بصورة نهائية وفق ما نقلته تقارير حديثة، ما يبقي الأسر أمام منظومة مالية لم تتحدد تفاصيلها كاملة حتى الآن.

 

وبحسب الخبير الاقتصادي الدكتور محمد فؤاد، فإن التحول الجاري لا يعني بالضرورة تسليم المواطن أموالًا نقدية يمكن سحبها من أجهزة الصراف الآلي، وإنما يرتبط بتصور للدعم شبه النقدي عبر بطاقة ذكية تستخدم لشراء السلع، وهو ما يجعل تحرير أسعار السلع مسألة مركزية في تحديد القيمة الحقيقية للمساندة المقدمة للأسرة.

 

ومن ثم، فإن انتقال المواطن من سلعة مدعمة إلى رصيد شرائي ثابت يضع قيمة الدعم أمام اختبار التضخم بصورة مباشرة، لأن ارتفاع أسعار السكر والزيت والأرز والخبز وغيرها يمكن أن يقلل كمية الغذاء التي يستطيع المواطن شراءها بالمبلغ نفسه، بينما تتحمل الأسرة الفارق من دخلها إذا لم تراجع الدولة قيمة الدعم دوريًا.

 

وفي الوقت نفسه، تعني الخطة تحرير أسعار السلع التموينية وطرحها للمواطنين بأسعار غير مدعمة، وهو تغيير جوهري في العلاقة بين المواطن والمنظومة التموينية، لأن الحماية الحالية تعتمد على خفض سعر السلعة نفسها، بينما ستعتمد المنظومة الجديدة على منح المواطن قيمة مالية محددة ثم ترك الأسعار في السوق لتحديد مقدار ما يستطيع شراءه.

 

وأخيرًا، تضع الحكومة عملية حذف ملايين المواطنين قبل التحول النقدي في قلب أكبر إعادة ترتيب لمنظومة الدعم خلال السنوات الأخيرة، بينما تبقى تجربة 2019 حاضرة بسبب إعادة 1.8 مليون مستبعد بعد التظلمات، كما تبقى قيمة 325 جنيهًا مجرد رقم متداول إلى حين اعتماد التفاصيل النهائية، وهو ما يجعل دقة الاستبعاد وقوة الرقابة على الأسعار اختبارين مباشرين لجدوى الخطة.

 

ويحذر هذا المسار من أن تحويل الدعم إلى أرقام وقواعد بيانات فقط قد يجعل المواطن يواجه قرار الحذف قبل أن يعرف بدقة كيف يعترض عليه، بينما يظل السجل التجاري أو البطاقة الضريبية مجرد مؤشر لا يكفي وحده لإثبات مستوى المعيشة، ولذلك فإن توسيع الاستبعاد دون تظلمات فعالة وبيانات محدثة قد يحول إصلاح منظومة الدعم إلى تقليص فعلي للحماية الاجتماعية بدل تحسين وصولها إلى مستحقيها.