يكشف التطرف عن نفسه في طريقة النظر إلى الآخرين قبل أن يظهر في المواقف والأفعال؛ إذ يقوم على سوء الظن، وتضخيم الأخطاء، والتقليل من الحسنات، حتى يصبح الاتهام هو الأصل، والإدانة نتيجة جاهزة لا تنتظر دليلًا.

 

وبهذا المنطق يتحول الاختلاف في الرأي أو السلوك إلى مدخل للطعن في الدين والنية، وقد يتدرج الحكم على المخالف من المعصية إلى البدعة، ثم يصل عند بعض الغلاة إلى التكفير، في مخالفة واضحة لما رسخته الشريعة من النهي عن سوء الظن والتسرع في الحكم على الناس.

 

ولا تتوقف خطورة هذا المسلك عند الأفراد، بل تمتد إلى العلماء والدعاة والمفكرين وأئمة المذاهب، بل وإلى تاريخ الأمة نفسه، حين تتحول الرغبة في النقد إلى ولع بالهدم وتزكية للنفس وازدراء للآخرين.

 

ويربط المنهج الإسلامي بين هذه النزعة وبين أمراض قلبية في مقدمتها الغرور والعُجب والكبر؛ ولذلك جاء القرآن والسنة بالتحذير من سوء الظن بالناس، ومن تزكية النفس، كما دعوا المؤمن إلى الخوف من عدم قبول عمله مهما كثر، وإلى إدراك أن طاعة تورث الاستكبار قد تكون أخطر على صاحبها من معصية تورثه الندم والانكسار.

 

سوء الظن.. حين يصبح الاتهام هو الأصل

 

من أبرز مظاهر التطرف ولوازمه سوء الظن بالآخرين، والنظر إليهم من خلال منظار أسود يخفي حسناتهم، بينما يضخم سيئاتهم وأخطاءهم.

 

فالأصل عند المتطرف يصبح الاتهام، والأصل في الاتهام الإدانة، على خلاف القاعدة التي تقرر أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته.

 

ويسارع الغلاة إلى سوء الظن والاتهام لأدنى سبب، فلا يلتمسون للآخرين الأعذار، وإنما يفتشون عن العيوب ويتتبعون الأخطاء ويضخمونها، حتى يتحول الخطأ لديهم إلى خطيئة، والخطيئة إلى كفر.

 

وإذا احتمل قول أو فعل وجهين، أحدهما يحمل على الخير والهداية والآخر على الشر والغواية، رجحوا الاحتمال الأسوأ، على خلاف ما أُثر عن علماء الأمة من حمل حال المسلم على الصلاح، والعمل على تصحيح أقواله وتصرفاته بقدر الإمكان.

 

وقد كان بعض السلف يقول: «إنّي لألتمس لأخي المعاذير من عذر إلى سبعين ثم أقول: لعلّ له عذرًا آخر لا أعرفه!».

 

الاختلاف يتحول إلى اتهام في الدين

 

يمتد سوء الظن إلى كل من يخالف أصحاب هذا الاتجاه في رأي أو سلوك، ولو كان الخلاف نابعًا من اجتهاد أو وجهة نظر معتبرة، فيصبح المخالف عرضة للاتهام بالمعصية أو الابتداع أو احتقار السنة.

 

وقد يصل الأمر في بعض المسائل الجزئية، مثل الاختلاف حول سنية حمل العصا أو الأكل على الأرض، إلى اتهام المخالف بأنه لا يحترم السنة أو لا يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

ولا يقتصر ذلك على عامة الناس، وإنما يمتد إلى العلماء والدعاة والمفكرين؛ فلا يكاد ينجو فقيه أو داعية أو صاحب فكر من سهام الاتهام.

 

فإذا أفتى فقيه بفتوى تيسر على الناس وترفع عنهم الحرج، اتُّهم بالتهاون في الدين، وإذا قدم داعية الإسلام بأسلوب يلائم عصره ويتحدث بلسان أهل زمانه، وُجه إليه الاتهام بالهزيمة النفسية أمام الغرب وحضارته.

 

اتهامات تطارد الأحياء والأموات

 

لا يقف هذا المنهج عند محاكمة الأحياء، بل يمتد إلى شخصيات رحلت عن الدنيا ولا تستطيع الدفاع عن نفسها، فتوزع عليها الاتهامات: فهذا ماسوني، وذاك جهمي، وثالث معتزلي.

 

وحتى أئمة المذاهب المتبوعة، على ما لهم من فضل ومكانة راسخة لدى الأمة عبر عصورها، لم يسلموا من هذه الألسنة ومن سوء الظن.

 

ويمتد الأمر في أشد صوره إلى تاريخ الأمة كله بما يحمله من علم وثقافة وحضارة؛ فهناك من يختزله في تاريخ للفتن والصراع على السلطة، وهناك من يصفه بتاريخ الجاهلية والكفر، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى الزعم بأن الأمة كلها كفرت بعد القرن الرابع الهجري.

 

وهذا المسلك له جذور قديمة، فقد قال أحد أسلاف هذا الاتجاه لسيد البشر صلى الله عليه وسلم بعد قسمة قسمها: «إن هذه قسمة ما أُريد بها وجه الله! اعدل يا محمد فإنَّك لم تعدل!».

 

الهدم وتزكية النفس وجهان لأزمة واحدة

 

إن الولع بهدم الآخرين بدلًا من البناء، والانشغال بانتقادهم مع تزكية النفس، من السمات المتكررة لهذا الاتجاه، بينما ينهى الله تعالى صراحة عن تزكية الإنسان نفسه، فيقول سبحانه: {فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} (النجم: 32).

 

وتتمثل الآفة الأساسية هنا في سوء الظن المتغلغل في النفس؛ فلو كان الرجوع إلى القرآن والسنة هو الحاكم للمواقف، لوجد المسلم فيهما ما يدفعه إلى حسن الظن بعباد الله، وستر عيوبهم، وإظهار حسناتهم، وألا تجعله سيئة رآها في مسلم ينسى ما له من حسنات يعلم بعضها ويجهل بعضها الآخر.

 

القرآن والسنة يحذران من سوء الظن

 

تحذر التعاليم الإسلامية بصورة شديدة من خصلتين: سوء الظن بالله، وسوء الظن بالناس.

 

يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} (الحجرات: 12).

 

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إيّاكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث» (متفق عليه).

 

وبذلك لا يكون حسن الظن مجرد فضيلة اجتماعية، وإنما توجيهًا دينيًا يقف في مواجهة التسرع في اتهام الناس، وتتبع أخطائهم، وبناء الأحكام على النيات والظنون.

 

الغرور والكبر.. الجذر الخفي للتطرف

 

يرتبط سوء الظن بالآخرين في جانب منه بالغرور بالنفس وازدراء الغير، وهو المرض الذي ظهر في أول معصية لله، حين كان أساس معصية إبليس الغرور والكبر وقوله: «أنا خيرٌ مِنه».

 

ويأتي التحذير النبوي واضحًا من هذه النظرة الاستعلائية إلى الناس، ففي الحديث الصحيح: «إذا سمعتم الرجل يقول: هلك الناس، فهو أهلكهم» (رواه مسلم).

 

وجاءت الرواية بفتح الكاف، «أهْلكَهم»، بمعنى أنه كان سببًا في هلاكهم باستعلائه عليهم، وسوء ظنه بهم، وتيئيسهم من روح الله تعالى.

 

كما جاءت بضم الكاف، «أهلكُهم»، أي أنه أشدهم وأسرعهم هلاكًا بسبب غروره وإعجابه بنفسه واتهامه للآخرين.

 

العُجب بالنفس من المهلكات

 

الإعجاب بالنفس أحد الأمراض الأخلاقية التي عدّها العلماء من «معاصي القلوب»، وجاء التحذير منها في الحديث النبوي: «ثلاث مهلكات: شحٌ مطاع، وهوىً متبع، وإعجاب المرء بنفسه».

 

فالمسلم لا ينبغي له أن يغتر بعمله مهما بلغ، بل يخشى أن يشوب عمله من الخلل ما يحول دون قبوله وهو لا يدري.

 

ولهذا يصف القرآن المؤمنين السابقين إلى الخيرات بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} (المؤمنون: 60).

 

وقد ورد في الحديث أن الآية تتحدث عمن يعمل الصالحات وهو يخاف ألا يقبل الله منه، فيجمع المؤمن بذلك بين العمل والاجتهاد وبين الخوف من التقصير، بدلًا من أن يقوده عمله إلى تزكية نفسه واحتقار الآخرين.

 

طاعة تورث الكبر ومعصية تورث الانكسار

 

تختصر بعض الحكم المأثورة خطورة العجب وآثاره في قلب الإنسان، ومن ذلك قول ابن عطاء: «ربما فتح الله لك باب الطاعة، وما فتح لك باب القبول، وربما قدّر عليك المعصية، فكانت سببًا في الوصول، معصية أورثت ذلاً وانكسارًا، خير من طاعة أورثت عُجْبًا واستكبارًا!».

 

وأصل هذا المعنى ما روي من حكمة للإمام علي رضي الله عنه: «سيئة تسوؤك خير عند الله من حسنة تعجبك».

 

وقال ابن مسعود: «الهلاك في اثنتين: العجب والقنوط».

 

فالإنسان لا يبلغ غايته إلا بالسعي والطلب؛ أما المعجب بنفسه فيتوقف عن السعي لأنه يتوهم أنه وصل، والقانط يتوقف عنه لأنه يرى ألا فائدة منه. وبين العجب والقنوط يضيع الطريق الصحيح الذي يجمع بين العمل والخوف والرجاء، ويمنع الإنسان من تزكية نفسه أو إصدار أحكام الهلاك على غيره.