ماذا لو لم تكن الافتراضات التي نكوّنها عن المعنى والدافع والضغوط صحيحة تمامًا كما نعتقد؟

يمر معظمنا بفكرة من هذا النوع، وأنا واحدة منهم: «سأبدأ في عيش الحياة التي تهمني عندما تخف الأعباء». عندما ينحسر الضغط ويصبح جدول الأعمال أقل ازدحامًا، وعندما تهدأ الالتزامات المملة، وعندما تتوافر أخيرًا مساحة لالتقاط الأنفاس. عندها فقط يصبح للحياة معنى مرة أخرى. فنحن نفكر في الأمر وكأن التوتر يستحوذ على مساحة كبيرة إلى درجة لا يترك معها مكانًا للهدف أو الغاية.


لكن دراسة جديدة تشكك في هذا الافتراض.

سعت الدراسة، التي نُشرت في المجلة الدولية لعلم النفس الإيجابي التطبيقي، إلى فهم العوامل التي تدفع الإنسان إلى الشعور بأن حياته ذات معنى. واعتمد الباحثون على بيانات 429 مشاركًا، واستخدموا ثلاثة أساليب إحصائية لمقارنة احتمالين. افترض الأول أن الإحساس بالمعنى يعتمد على التوازن بين الدافع الذاتي، أي رغبة الشخص فيما يسعى إليه، والدافع الخاضع للسيطرة، الذي تحركه الضغوط أو الشعور بالذنب أو الالتزام. أما الاحتمال الثاني، فافترض أن الدافع الذاتي يؤثر بصورة أكثر مباشرة، بغض النظر عن مقدار الضغط الموجود في حياة الشخص.


وقد خسر نموذج التوازن.


الضغط لا يلغي بالضرورة معنى الحياة


ارتبط الضغط الخارجي في الدراسة بالضيق النفسي، لكنه لم يرتبط بصورة مباشرة بانخفاض الإحساس بالمعنى. كما ارتبط الدافع الخاضع للسيطرة، أي الشعور بأن الالتزام أو الذنب أو المطالب الخارجية تدفع الشخص إلى التحرك، بصورة متكررة بالضيق النفسي. وظهرت أعراض القلق والاكتئاب بمعدلات أعلى لدى المشاركين الذين قالوا إنهم يتحركون بدافع الضغط أكثر من رغبتهم الحقيقية.


لكن الدافع الخاضع للسيطرة لم يؤثر بصورة مباشرة في الإحساس بالمعنى عندما أخذ الباحثون الدافع الذاتي في الحسبان.


ويبدو أن القوتين تعملان في مسارين منفصلين: يظهر الضغط في صورة ضيق نفسي، بينما يظهر الدافع الذاتي في صورة إحساس بالمعنى. ويمكن لشخص أن يشعر بقدر كبير من الاستقلالية تجاه هدف ما، وفي الوقت نفسه يشعر بضغط شديد. فالضغط لا يلغي بالضرورة الرغبة.


وجدتُ في هذه النتيجة شيئًا يدعو إلى الاطمئنان.


لماذا قد لا يكون انتظار زوال الضغوط هو الحل؟


تكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة بالنسبة إلى الأشخاص الذين يواصلون الانتظار. فإذا كنت تعتقد أن الضغوط الخارجية تمنعك بصورة مباشرة من العثور على معنى في حياتك، فمن المنطقي أن تحاول التخلص من الضغوط أولًا. انتظر حتى تنفتح الحياة أمامك، وتعامل مع التزاماتك، ثم عندما تصبح الأمور أخيرًا تحت السيطرة، اسأل نفسك عما يهمك.


لكن الحياة لا تتعاون دائمًا مع هذه الخطة.


إذا كان الضغط والاتجاه نحو حياة ذات معنى قادرين على العمل بصورة مستقلة عن بعضهما، فقد لا يكون انتظار اختفاء الضغوط قبل أن تسأل نفسك عما يهمك أمرًا ضروريًا. ربما لا تستطيع تقليل الضغوط في الوقت الحالي، لكنك لا تزال قادرًا على أن تسأل نفسك: ماذا أريد؟ وما الذي يهمني حقًا؟ وهل تتحرك حياتي في هذا الاتجاه؟


ويطرح الباحثون الفكرة نفسها بصورة قريبة من ذلك: ربما لا يحتاج المعنى إلى انتظار تراجع الضغوط. وربما لا يمثل التخلص من المطالب الخارجية الطريق الوحيد أمام الإنسان. فقد يكون اكتشاف ما تستمتع به، والبحث عن طرق للتحرك نحوه رغم استمرار تلك المطالب، أمرًا مهمًا أيضًا.


الدافع الذاتي قد يرتبط بالقلق وأعراض الاكتئاب


أظهرت الدراسة ارتباط الدافع الخاضع للسيطرة بالقلق وأعراض الاكتئاب، لكن سيكون من الخطأ قراءة هذه النتائج باعتبارها دعوة إلى تحمل مستوى غير صحي من الضغوط ببساطة.


ما تشير إليه النتائج بدلًا من ذلك هو أن الضغط والمعنى قد لا يكونان نقيضين. فقد يؤثر الضغط في رفاهك النفسي، ونومك، ودرجة الضيق التي تشعر بها، من دون أن يمحو بالضرورة إحساسك بأن ما تفعله له قيمة ومعنى.


قد تكون مرهقًا، ومع ذلك تجد معنى فيما تفعله. وقد تعيش تحت ضغط حقيقي، بينما تتحرك في الوقت نفسه نحو شيء تريده. بل قد تختبر الأمرين معًا في اللحظة نفسها.

 

https://www.psychologytoday.com/us/blog/cell-on-the-self/202608/you-dont-have-to-wait-for-life-to-calm-down