كشفت موجة الغلاء المتلاحقة عجز الوظيفة الواحدة عن حماية ملايين المصريين، بعدما صار الموظف يطارد دخلًا إضافيًا لتمويل الطعام والسكن والمواصلات، بينما تكتفي الحكومة بأرقام البطالة التي تخفي هشاشة الأجور.
وتفضح الظاهرة انقلاب العمل من طريق للاستقرار إلى سباق يومي مرهق، إذ ينهي الموظف دوامه ليبدأ مهنة أخرى، فلا يشتري دخله الإضافي رفاهية، بل يسد فجوة صنعتها الأسعار المتصاعدة بلا توقف.
البطالة تخفي فقر العامل
بداية، سجلت قوة العمل نحو 35 مليونًا و400 ألف فرد خلال الربع الأول من 2026، وبلغ عدد المتعطلين مليونين و126 ألفًا بمعدل 6 بالمئة، لكن هذا التحسن العددي لا يقيس كفاية الأجر واستقراره.
ومع ذلك، تتعامل الرواية الرسمية مع انخفاض البطالة باعتباره نجاحًا مكتملًا، متجاهلة أن المشتغل قد يعمل نهارًا ومساءً، وأن تسجيله مرة واحدة يحجب اضطراره إلى بيع معظم يومه كل يوم.
في المقابل، يحتاج الاقتصاد إلى أكثر من مليوني فرصة عمل سنويًا لاستيعاب الداخلين الجدد، بينما تدفع ندرة الوظائف اللائقة قطاعات واسعة نحو أعمال مؤقتة أو غير رسمية بلا حماية أو استقرار.
وبحسب الخبير الاقتصادي مدحت نافع، لم يعد دخل شهري قدره 10 آلاف جنيه كافيًا لتغطية احتياجات أسرة بمستوى مناسب، ما يفسر لجوء كثيرين إلى أكثر من وظيفة لمواجهة المعيشة كل يوم.
ويؤكد نافع أن الحد الأدنى القادر على إعالة أسرة يجب أن يتيح جزءًا للادخار بعد النفقات الأساسية، بينما يلتهم الغذاء والسكن والتعليم والعلاج الراتب، ويترك صاحبه مكشوفًا أمام الطوارئ المفاجئة.
لهذا، لم تعد المهنة الثانية وسيلة للصعود الاجتماعي، وإنما صارت حائط صد يمنع السقوط، فالزيادة التي يجمعها العامل بعد دوام طويل تذهب غالبًا إلى فواتير سبق أن تجاوزت دخله الأصلي.
كذلك، يعمل نحو 7 ملايين و500 ألف شخص خارج المنشآت في أنشطة متعددة، بينها البناء والصيانة والميكانيكا، وهي مساحة واسعة للعمل غير المنتظم الذي تتراجع فيه العقود والتأمينات وحقوق الإجازة والتعويضات المرضية.
ثم إن غياب مسح رسمي شامل للعاملين في وظيفتين يترك الظاهرة بلا قياس دقيق، ويمنح الحكومة مهربًا رقميًا من الاعتراف بأن نسبة التشغيل وحدها لا تكشف جودة الحياة الفعلية للمواطنين.
غياب ينهش الأسرة
اجتماعيًا، يدفع العامل ثمن الوظيفة الثانية من نومه وصحته وعلاقاته، إذ قد يبدأ يومه قبل السابعة صباحًا وينهيه بعد منتصف الليل، ليعود إلى منزله حاضرًا بجسده وغائبًا بإنهاكه كل ليلة.
ومن جانبه، يحذر أستاذ علم الاجتماع سعيد صادق من ربط القيمة الإنسانية بالقدرة المستمرة على تحصيل المال، معتبرًا أن تعدد الأعمال يصبح خطرًا حين يبتلع وقت الأب ويضعف دوره التربوي.
وفقًا لذلك، تتحمل الزوجة غالبًا عبئًا مضاعفًا داخل المنزل، بينما يفقد الأطفال ساعات التواصل والرعاية، وتتحول الأسرة إلى وحدة تدير المصروفات والغياب بدلًا من مشاركة يومية تصنع الأمان والتوازن الأسري.
وفوق ذلك، يزيد الإرهاق المزمن احتمالات الخطأ والحوادث وضعف التركيز، خصوصًا لدى السائقين والأطباء والعاملين بالمصانع، حيث لا يبقى أثر الاستنزاف شأنًا فرديًا، بل يمتد إلى سلامة الآخرين وجودة الخدمات.
وبمرور الوقت، يبتلع العمل الإضافي فرصة التعلم والتدريب، فيظل العامل أسير المهارات نفسها والأجر نفسه، وينفق الساعات التي كان يمكن أن تحسن مستقبله أو ترقيته في سد احتياجات يومه الراهن.
غير أن المسؤولية لا يجوز تحميلها للعامل الذي يبحث عن النجاة، فاختياره وظيفة ثانية يجري تحت ضغط حقيقي، لا باعتباره دليلًا على الكسل سابقًا أو الطموح الاستثنائي حاليًا أو اختيارًا حرًا.
منصات توسع العمل الهش
ومن ناحية أخرى، فتحت منصات التوصيل والنقل والعمل الحر أبوابًا سريعة للدخل، لكنها نقلت المخاطر إلى العامل، الذي يتحمل الوقود والصيانة والوقت وتقلب الطلب من دون ضمان أجر ثابت حقيقي.
في هذا السياق، تكشف دراسات العمل الرقمي أن كثيرًا من الشباب المتعلمين يلجؤون إلى المنصات لتغطية الضروريات، رغم تفاوت العائد وخضوع العامل للتقييمات والخوارزميات وغياب الالتزام الطويل من المشغل الرقمي.
وبدورها، ترى أستاذة الإحصاء هبة الليثي أن الأسر التي تنفق كامل دخلها على الاحتياجات الأساسية تصبح معرضة للانزلاق إلى الفقر، لافتة إلى خطورة غياب الاحتياطيات النقدية عند الأزمات أو المرض.
وبناء على ذلك، لا يمكن اعتبار العمل الإضافي علامة ازدهار تلقائية، لأن الدافع الحاسم هو الفارق بين الدخل وتكلفة الضروريات، ولأن زيادة ساعات العمل قد تتزامن مع تراجع المعيشة فعليًا.
وعمليًا، يحتاج القياس الرسمي إلى أسئلة واضحة عن عدد الوظائف وساعات كل نشاط والدخل والحماية الاجتماعية، بدل اختزال العامل في خانة مشتغل تخفي عدد المهن التي يؤديها كي يبقى ماليًا.
علاوة على ذلك، يجب نشر بيانات دورية تفصل بين العمل المستقر والمؤقت، وبين الأجر الكافي والدخل الهش، حتى لا تتحول نسبة البطالة المنخفضة إلى ستار يحجب اتساع الفقر العامل بصمت.
ومن ثم، يبدأ العلاج بربط الأجور الفعلية بتكلفة المعيشة، وضبط الأسعار، وتوسيع التأمينات، وحماية عمال المنصات، لأن مطالبة الناس بالمزيد من الساعات لا تعالج أصل الخلل بل تستنزفهم ببطء يوميًا.
في النهاية، لا تعني الوظيفة الثانية فشل صاحبها، بل تكشف فشل منظومة تستهلك يومه كاملًا ولا تمنحه دخلًا كافيًا، ثم تحتسبه ضمن المشتغلين لتعلن نجاحًا لا يشعر به داخل بيته.
وخلاصة الأمر، صار سؤال المصري بعد انتهاء الدوام ليس كيف يستريح أو يربي أبناءه، وإنما أين يبدأ عمله التالي، بينما تبقى كلفة هذا الغياب موزعة بين صحته وأسرته ومستقبله المهني.

