عصام تليمة

من علماء الأزهر، حاصل على الدكتوراه في الفقه المقارن

 

منذ أيام قليلة مر ستون عاما على استشهاد المفكر والأديب الكبير الأستاذ سيد قطب، الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، وكانت مراحل حياته المتغيرة مثار جدل وإعجاب، ورغم كثرة الدراسات التي تناولت فكره وطرحه، إلا أن البحث والحديث عن سيد قطب يذهب في أحيان كثيرة بعيدا عن البحث العلمي ومناهجه، فترى عبارات أو أفكارا تنسب للرجل، وتشيع وتنتشر، ولا تصح نسبتها إليه، سواء كانت مادحة فيه، أو ذامة له، أو مختلقة موقفا فكريا للرجل.

 

ومن هذه المساحات التي لا تستند للمنهج العلمي، عبارة توظف في كل سياق يريد النيل من سيد قطب، ومن جماعة الإخوان، ومن الإسلاميين بوجه عام، فهناك عبارة تتردد بشكل نمطي، تنسب لسيد، فينسبون إليه مقولة: (الوطن حفنة من تراب عفن)، أو يكتفي بعضهم بأنه قال عنه: (ما الوطن إلا حفنة من تراب)!!

 

ولو صحت نسبة هذه المقولة لسيد، لما كانت معبرة عن فصيل كامل، ولا عن شريحة كبيرة من المجتمع، وهم الإسلاميون، أو الإخوان، لكن العجيب أن الكلمة لا أساس لها من الصحة في كتابات سيد، فقد قرأت جل كتاباته، وفي طبعاتها المختلفة، فقرأت موسوعته: في ظلال القرآن، سواء في طبعته الأولى قبل السجن وبعده، أو في طبعته الثانية المزيدة والمنقحة والتي حول فيها منهجه من التفسير والتأمل إلى المنهج الحركي للقرآن الكريم.

 

وبقية كتبه قرأتها في طبعاتها المختلفة، وبخاصة التي غير فيها وأضاف أو حذف، كالعدالة الاجتماعية، أو السلام العالمي والإسلام، ففي الأول غير من أفكار وفقرات، وفي الثاني تم حذف فصل كامل في الطبعة التي طبعت بعد وفاته، وقمت بقراءة جل مقالاته التي لم تجمع في كتب، وقد بلغت ما يقرب من ألف وخمسمائة مقال، كنت أخطط في فترة الدراسة وفور انتهائي من الدراسة الجامعية لجمع الأعمال الكاملة لحسن البنا، وسيد قطب، وقمت بالفعل بالشروع في طبع أجزاء من أعمال البنا، ولم أكمل لشواغل أخرى، والثانية منعني منها أدبيا المرحوم الأستاذ محمد قطب شقيق سيد.

 

ومقصودي من ذكر هذه المعلومات، أني ملم بتراث الرجل، ولم أجد هذه العبارة لا تصريحا ولا تلميحا في كل تراثه، ولا أدري من أين يأتي بها من ينسبونها إليه، بل لا تصح نسبة إليه مطلقا، وهناك كتب ومقاطع في كتب تعرض فيها سيد للحديث عن الوطن والأوطان، والموقف منها، لم نجد فيها هذه العبارة، بل إن موقف سيد لا يختلف عن مواقف المفكرين السابقين والفقهاء.

 

لقد تعرض سيد قطب للوطنية والقومية في أكثر من كتاب له، سواء ما كتبه في بدايات توجهه الفكري الإسلامي، وحتى آخر حروف كتبه، ففي كتاب سيد قطب: (دراسات إسلامية)، كتب أكثر من مقال عن الوطن والوطنية، والدفاع عن الوطن، والموت في سبيل الله دفاعا عنه، وتقديم كل غال ونفيس لأجله، ليس على مستوى الوطن الصغير، بل على مستوى الوطن الإسلامي الكبير كله.

 

ففي مقال له بعنوان: يا شباب، يخاطب فيه شباب الإخوان المسلمين، فيقول: (يا شباب الإخوان: هذه دعوة عاجلة ألقيها إليكم على إثر عودتي: أحملها إليكم مع تحيات إخوانكم في كل مكان.. حتى ألتقي بكم في اجتماعاتكم وحتى نتدبر معا كيف نكافح، لا لمصر وحدها، ولا لتونس ومراكش وحدها. ولكن لكل شبر في هذه الأرض تدنسه أقدام الاستعمار، ويعمل فيه عملاء الاستعمار).

 

وفي مقال آخر تحت عنوان: عقيدة وكفاح، في نفس كتابه يقول: (إن الوطنية الحائرة المتحمسة قد تدفع بأصحابها إلى النضال، وإن العدالة الاجتماعية الثائرة قد تدفع بأصحابها إلى الكفاح.. ولكن هذه أو تلك لا تزيد على أن مطلبها قريب، وأفقها محدود، أما أصحاب العقيدة في الله ـ على طريقة الإخوان ـ فمطالبهم أكبر وآفاقهم أشمل.

 

إنهم يطلبون العزة للإنسان كافة، فهم أشد حماسة للوطن من حماسة الوطنيين المحدودين، وإنهم يطلبون العدالة في كل مجال، فهم أشد حماسة للعدل الاجتماعي من كل إنسان.)

 

وآخر ما خطه قلم سيد، كان كتابه: (معالم في الطريق)، وقد عقد فصلا كاملا عن الموضوع، بعنوان: (جنسية المسلم عقيدته)، جمع فيه النصوص القرآنية والنبوية، والتي تتحدث عن انتماء الإنسان، وأن الانتماء أولا يكون لدينه، ولا يعني ذلك رفض الوطن أو النسب أو الجنس أو العرق أو اللغة، إنما ذلك كله لا بد أن يكون في إطار ألا يكون هناك فصام نكد بين دينه ووطنيته.

 

مستدلا بنصوص قرآنية وافرة وواضحة، وختم كلامه بأن الارتباط بالأرض أو الدم أو القبيلة، دون ضابط الدين والعقيدة، فهو ارتباط على حساب الثابت، واستدل بذلك بهجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة، وأنه حارب مشركي مكة، حتى فتحها وأصبحت موطن وقبلة الإسلام، فهل كان في ذلك غير وطني؟!

 

لقد بنى سيد قطب تصورا عن الجنسية والوطن، وأنها مبنية على المكان الذي تمارس فيه عقيدتك وحرية اعتقادك وعبادتك، والذي تعيش فيه لا تحارب، وهو نفس تصور العلماء في مسألة الهجرة والتجنس، والخروج من بلدان عربية ومسلمة يضطهد فيها الإنسان، وهو لا يخرج في تصوره عن فتاوى وتصورات علماء الأزهر ومفكريه، الاختلاف الذي يختلف عنهم سيد هو تصوره للمجتمع الجاهلي والمجتمع الإسلامي في تصوره المعروف، أو العبارات التي هي موضع خلاف في فهم الباحثين لمفهوم الجاهلية عند سيد، لكن لا نجد له عبارة واحدة تشير للعبارة التي تنسب إليه، بأن الوطن حفنة من تراب عفن!!

 

ولو ذهبنا لموسوعته الكبرى: (في ظلال القرآن)، وتتبعنا النصوص التي تدعو المسلم للدفاع عن دينه ووطنه، وعن حرية عبادة الآخرين واعتقادهم، سنجده يسير في نفس الإطار، والآيات التي تحدث فيها عن الجهاد ضد المستعمر، فهو حديث عن طرد مستعمر يحتل الأرض، ويدمر البشر والحجر.

 

وموقف سيد قطب من قضية الوطنية والوطن هو نفس الموقف الذي نراه عند حسن البنا، وقد نقل ذلك كتاب لا ينتسبون للإخوان، وكان منهم الدكتور مصطفى الفقي في كتابه: (تجديد الفكر القومي)، والذي نقل موقف البنا مشيدا بموقفه ومترحما عليه.

 

وهو نفس موقف مفكري وفقهاء الإخوان، سواء من بقوا في التنظيم أو من غادروه، فهو نفس الموقف عند السادة العلماء والمفكرين: محمد الغزالي، يوسف القرضاوي، عبد الكريم زيدان، راشد الغنوشي، وغيرهم كثر، وهم في موقفهم لا يختلفون عن مواقف رواد التجديد الديني في الأزهر الشريف والإسلام، كالإمام محمد عبده، ومن قبله الأفغاني، ثم محمد رشيد رضا، ومحمد مصطفى المراغي، ومحمود شلتوت، وغيرهم كثر لا يحصون.

 

لقد روج أعداء سيد قطب والإخوان لمقولة نبتت في رؤوسهم، ولا وجود لها في كتابات الرجل، وهو ما نلاحظه في كثير من نقاشات هؤلاء لسيد والإخوان، أنهم ليسوا مطلعين على أدبيات الإخوان، ولا أدبيات رموزها، ويعتمدون على وسائل التواصل الاجتماعي، وعلى ما يشاع من عبارات لا تثبت صحتها عند البحث والتدقيق!!