كشفت قفزة أسعار اللحوم في أسواق المدن المصرية إلى أكثر من 500 جنيه للكيلو عن ارتباك واسع، بعدما حدد نقيب الفلاحين السعر العادل عند 400 جنيه، لتندلع مواجهة علنية حول المسؤول عن الغلاء.
وتفضح هذه المواجهة عجز حكومة السيسي عن حماية حق المصريين في الغذاء، إذ تركت سوقًا تمس ملايين الأسر رهينة الدولار وحلقات الوساطة وتبادل الاتهامات، بينما تحولت اللحوم إلى سلعة بعيدة عن موائد محدودي الدخل.
وبدايةً، حمّل حسين أبو صدام نقيب الفلاحين الجزارين مسؤولية استمرار الأسعار المرتفعة، مؤكدًا أن تراجع سعر الماشية الحية كان يفترض أن ينعكس سريعًا على المستهلك، لا أن يتوقف أثره عند أبواب محال الجزارة.
وفي المقابل، رفض هيثم عبد الباسط رئيس شعبة القصابين اختزال الأزمة في جشع الجزارين، وقال إن الاعتماد الكبير على الاستيراد وتقلب أسعار العملات الأجنبية يجعلان تكلفة اللحوم شديدة الحساسية لأي اضطراب عالمي أو محلي.
وبحسب عبد الباسط، تنتج مصر نحو 198 ألف طن سنويًا وتستورد قرابة 441 ألف طن، أي نحو 60 بالمئة من الاستهلاك المحلي، وهي فجوة تكشف هشاشة الأمن الغذائي بعد سنوات من الخطاب الرسمي عن زيادة الإنتاج.
ومع ذلك، لا تفسر فاتورة الاستيراد وحدها الفارق بين 380 جنيهًا في بعض محافظات الصعيد وأكثر من 500 جنيه بمناطق أخرى، خصوصًا مع تأكيد أبو صدام أن البيع بالسعر الأقل يحقق ربحًا فعليًا للتجار.
وعليه، تبدو حلقات النقل والوسطاء وتفاوت الإيجارات جزءًا من المشكلة، لكن غياب بيانات حكومية شفافة عن تكلفة الكيلو من المزرعة حتى منفذ البيع يسمح لكل طرف بصناعة روايته وإخفاء هامش ربحه الحقيقي.
وفوق ذلك، أدى ضعف الرقابة على الأسواق إلى اتساع الفروق بين المناطق دون معيار معلن، فأصبح المواطن يواجه تسعيرًا متروكًا للقوة الشرائية والموقع الجغرافي، بدل منظومة تضمن منافسة عادلة وتمنع المغالاة والاستغلال.
الدولار يطارد المائدة
اقتصاديًا، يرى هيثم عبد الباسط أن استيراد الأعلاف واللحوم بالعملات الأجنبية ينقل تراجع الجنيه مباشرة إلى الأسعار، لأن المربين والمستوردين يعيدون احتساب التكلفة كلما تحرك الدولار، حتى قبل بيع المخزون الموجود فعليًا.
ومن جانبه، يوضح أستاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة القاهرة أحمد جلال أن اعتماد مصر على الذرة الصفراء وفول الصويا المستوردين يجعل الإنتاج المحلي رهينة للأسواق العالمية وسعر الدولار، ويكشف خللًا هيكليًا في منظومة الغذاء.
وبالتالي، لا يبدأ أثر الدولار عند اللحوم المستوردة فقط، بل يمتد إلى الحيوان المحلي عبر العلف والأدوية والمعدات والنقل، ما يمنح المتعاملين مبررًا دائمًا لرفع السعر، بينما نادرًا ما تنخفض الأسعار عند تحسن العملة.
كما أن تحميل الخارج كامل المسؤولية يعفي السلطة من محاسبة اختياراتها، فالحكومة التي وسعت الديون وأضعفت الجنيه لم تبن قاعدة كافية لإنتاج الأعلاف أو تنمية الثروة الحيوانية بما يقلص الانكشاف على الاستيراد.
ولزيادة الضغط، تمر الشحنات المستوردة بسلسلة من الرسوم والتخزين والنقل والتمويل، ثم تدخل دوائر توزيع غامضة، فيما يغيب إعلان رسمي دوري يوضح سعر الوصول والتكلفة النهائية ونسب الأرباح المسموح بها لكل حلقة.
وفي غضون ذلك، يدفع المستهلك ثمن تقلب العملة مرتين، مرة عبر ارتفاع مدخلات الإنتاج ومرة عبر تسعير التجار على أساس توقعات الدولار المقبلة، بينما تبقى الأجور ثابتة وعاجزة عن ملاحقة قفزات الغذاء الأساسية.
أما الأرقام التي قدمتها شعبة القصابين فتؤكد أن المشكلة أعمق من مخالفة فردية، لأن استيراد غالبية الاحتياجات يضع السوق كله تحت رحمة العملة، لكنه لا يمنح أي طرف تفويضًا مفتوحًا لفرض سعر بلا حساب.
لهذا، يصبح السؤال الضروري هو أين تنتهي التكلفة الحقيقية وأين تبدأ المغالاة، وهو سؤال تتجنب الحكومة الإجابة عنه بنشر حسابات مفصلة، مكتفية بحملات رقابية موسمية لا تغير بنية السوق ولا تعيد اللحوم للموائد.
وفي المحصلة، أسهمت إدارة اقتصادية تستهلك الدولار ولا تحمي الإنتاج الزراعي في تحويل اللحوم إلى مؤشر يومي لأزمة أوسع، فيما يُترك المواطن للاختيار بين الامتناع عن الشراء أو استنزاف دخله في وجبة واحدة.
المربون بين الكلفة والربح
وعلى صعيد الإنتاج، يقول أبو صدام إن المربي هو الأقل ربحًا، إذ ينفق قرابة 80 ألف جنيه على تربية رأس ماشية لمدة عامين ثم يبيعه بنحو 90 ألفًا، محققًا 10 آلاف جنيه فقط.
غير أن شعبة القصابين توجه الاتهام إلى بعض كبار المربين والمستوردين، معتبرة أنهم يرفعون أسعار العجول المخزنة مع كل زيادة في الدولار أو أزمة عالمية، حتى عندما تكون دورة التربية أو الشراء قد تمت بتكلفة أقدم.
ومن ثم، تكشف الروايتان انقسامًا داخل سلسلة التوريد نفسها، فصغار المربين قد يواجهون تكلفة مرتفعة وربحًا محدودًا، بينما يستطيع كبار المنتجين والمستوردين التحكم في المعروض والتوقيت والسعر بصورة لا يملكها المنتج الصغير.
إضافة إلى ذلك، يؤدي غياب أسواق منظمة وبيانات لحظية عن أعداد الرؤوس والأسعار إلى تفاوت القوة التفاوضية، فيبيع المربي الصغير تحت ضغط السيولة بينما يحتفظ القادرون بالمخزون انتظارًا لسعر أعلى يدفعه المستهلك لاحقًا.
وبناءً على ذلك، لا يجوز استخدام معاناة صغار المربين ستارًا يحمي كبار المحتكرين، كما لا يجوز شيطنة كل المنتجين، بل ينبغي تتبع مسار التسعير وكشف المستفيد الحقيقي من الفارق بين الحيوان القائم واللحم المباع.
ومن زاوية أخرى، يمثل ضعف الإنتاج المحلي نتيجة مباشرة لسياسات أهملت دعم صغار المربين وتوفير العلف والتمويل البيطري، ثم لجأت إلى الاستيراد بوصفه حلًا سريعًا، فعمقت التبعية بدل معالجة جذور العجز.
الجزارون والرقابة الغائبة
في المقابل، يقول عبد الباسط إن الجزارين أنفسهم يخسرون بسبب الركود وتراجع القدرة الشرائية، وإن بعض المحال القديمة أغلقت أو أُجرت بعدما عجز أصحابها عن تحمل أجور العمال والإيجارات والكهرباء مع انخفاض المبيعات.
لكن دفاع الشعبة لا يفسر تمسك بعض المحال بسعر 500 أو 600 جنيه رغم انخفاض القائم، ولا يبرر فروقًا تتجاوز 100 جنيه بين مناطق متقاربة، ما يعيد شبهة المغالاة إلى واجهة النقاش.
ولذلك، طالب عبد الباسط بوضع سقف للأرباح بين 20 و25 بالمئة منذ دخول الشحنات حتى طرحها، وهو اقتراح يعترف ضمنيًا بأن ترك السلسلة بلا ضوابط يسمح بتراكم هوامش ترفع السعر النهائي بصورة منفلتة.
أخيرًا، ليست الأزمة خناقة بين نقيب وشعبة بقدر ما هي شهادة على سوق بلا حوكمة، فالدولار يرفع الكلفة وبعض الكبار يضغطون المعروض وبعض الجزارين يغالون، والحكومة تراقب المصريين وهم يُطردون من طابور اللحوم.

