يكشف استيراد 230 شحنة غاز مسال خلال العام المالي 2026 و2027 حجم الانهيار الذي أصاب الطاقة، بعدما هبط الإنتاج المحلي إلى 3.8 مليار قدم مكعبة يوميا، وقفزت الفاتورة المتوقعة إلى 11.5 مليار دولار.
وبينما قدم نظام السيسي مصر بوصفها مركزا إقليميا للغاز، تعود البلاد اليوم إلى السوق الدولية كمشتر كبير، يدفع بالدولار لتغطية عجز صنعته إدارة أخفقت في تثبيت الإنتاج ومواجهة تدهور الحقول.
فاتورة الفشل تتضخم
أولا، ترتفع الشحنات المقررة من 186 إلى 230 شحنة، بزيادة تقارب 24 بالمئة، لكن قفزة التكلفة أشد قسوة، إذ تصعد من 6.8 مليارات دولار إلى 11.5 مليار دولار خلال عام.
وفوق ذلك، زاد متوسط سعر الشحنة إلى 50 مليون دولار مقابل 40 مليونا سابقا، بما يعني أن مصر تشتري كمية أكبر بسعر أعلى، بينما تتآكل موارد النقد الأجنبي تحت ضغط الديون والواردات.
وبالتالي، تبلغ الزيادة المطلقة في فاتورة الغاز 4.7 مليارات دولار، بنسبة تقارب 69 بالمئة، وهي قفزة لا تتحملها موازنة مثقلة بالفوائد، ولا اقتصاد يعتمد على الاقتراض وبيع الأصول لتدبير احتياجاته.
وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور عبد المطلب عبد النبي أن فاتورة الطاقة المستوردة لا تتوقف عند ثمن الشحنات، بل تمتد آثارها إلى سعر الصرف والتضخم وكلفة الإنتاج والدعم وعجز الموازنة.
كذلك، تحمل الأرقام اعترافا ضمنيا بسقوط خطاب الاكتفاء، إذ لم تعد الواردات حلا موسميا أو احتياطيا، بل تحولت إلى ركيزة دائمة لتشغيل الكهرباء ومنع اضطراب الإمدادات في المصانع والمنازل خلال الصيف.
ومن جهة أخرى، لا تكشف الجهات الرسمية شروط التعاقد أو آجال السداد أو هوية الموردين بوضوح، رغم أن 11.5 مليار دولار ستدفع من موارد عامة يعاني أصحابها الغلاء وتراجع الخدمات والأجور.
ومع ذلك، تواصل السلطة تسويق خطط الاستكشاف المستقبلية، بينما تأتي النتائج الحالية معاكسة، إنتاج أقل وواردات أكبر وكلفة أعلى، من دون محاسبة علنية للمسؤولين عن تقديرات التفاؤل وخيارات إدارة الثروة.
وعليه، تتحول الفاتورة الجديدة إلى ضريبة مباشرة على فشل الإدارة، لأن تدبير الدولار للاستيراد يضغط على الجنيه، ويرفع تكاليف الكهرباء والنقل والصناعة، ثم ينتقل العبء إلى المواطن عبر الأسعار والرسوم.
الإنتاج ينهار والاستهلاك يصعد
ثانيا، يبلغ الاستهلاك المعتاد 6.2 مليارات قدم مكعبة يوميا، مقابل إنتاج لا يتجاوز 3.8 مليارات، ما يترك فجوة قدرها 2.4 مليار قدم كل يوم قبل حلول ذروة الطلب الصيفية المرتفعة.
وحين يرتفع الاستهلاك إلى 7.5 مليارات قدم مكعبة صيفا، تتسع الفجوة إلى 3.7 مليارات يوميا، أي أن الإنتاج المحلي يغطي نحو نصف الاحتياجات، ويترك الكهرباء رهينة الشحنات الخارجية وتقلبات الأسعار.
لذلك، لا يمكن اختزال الأزمة في حرارة الصيف أو زيادة استهلاك المحطات، فهذه عوامل متوقعة، بينما جوهر المشكلة هو تراجع الإنتاج وغياب الاحتياط الكافي بعد سنوات من الاحتفاء الرسمي بالاكتشافات.
وفي المقابل، يعتقد الدكتور مراد علي، خبير الإدارة والأزمات، أن تحويل الاستيراد إلى مسار دائم يكشف خللا استراتيجيا، لأن أمن الطاقة لا يستقيم مع اعتماد واسع على موردين خارجيين وأسواق معرضة للصدمات.
كما أن الاعتماد المتزايد على الغاز المستورد يمنح الموردين قدرة أكبر على التأثير في السوق المصرية، ويجعل أي تعطل فني أو نزاع إقليمي أو ارتفاع عالمي للأسعار تهديدا فوريا للكهرباء والإنتاج الصناعي.
بالتوازي، يفقد الاقتصاد ميزة كان يفترض أن توفرها حقول الغاز المحلية، وهي تقليل الواردات ودعم الصناعة وجذب الاستثمار، لتتحول الطاقة بدلا من ذلك إلى باب جديد لاستنزاف الدولار وتوسيع العجز.
فضلا عن ذلك، يثير تراجع الإنتاج أسئلة بشأن مستحقات الشركاء الأجانب، وسرعة تنمية الآبار، وكفاءة الصيانة، ومدى توجيه العائدات السابقة إلى استثمارات تحافظ على القدرة الإنتاجية بدلا من استهلاكها فعليا.
ولهذا، تبدو أزمة الكهرباء مرشحة للتكرار كل صيف، لأن الحكومة تعالج النقص بالشحنات المؤقتة، من دون إعلان برنامج زمني ملزم يعيد الإنتاج إلى مستوى يوازي الطلب المحلي المتنامي فعليا.
وعود مؤجلة حتى 2030
ثالثا، تستهدف الحكومة رفع إنتاج الغاز إلى 6.6 مليارات قدم مكعبة يوميا بحلول 2030، غير أن هذا الهدف يظل أقل من استهلاك الذروة الحالي البالغ 7.5 مليارات، حتى إذا تحقق كاملا.
غير أن الانتقال من 3.8 إلى 6.6 مليارات قدم يتطلب إضافة 2.8 مليار يوميا، عبر اكتشافات واستثمارات وتنمية سريعة للحقول، وهي شروط لا تضمنها البيانات المعلنة ولا سجل التراجع خلال السنوات الماضية.
وعلاوة على ذلك، تحذر خبيرة التخطيط الاستراتيجي والاقتصاد الدكتورة سالي صلاح من أن ربط أمن الطاقة بالاستيراد يخلق تبعية خطرة، ويحمّل الاقتصاد تكلفة دولارية ممتدة، بينما تتراجع القدرة المحلية على التحكم بالإمدادات.
ومن ثم، لا تمثل سنة 2030 موعدا مؤكدا للخروج من الأزمة، إذ تقر التقديرات باستمرار الاستيراد حتى 2029 وربما بعدها، ما يعني تراكم عشرات المليارات من الالتزامات قبل ظهور أي تحسن إنتاجي.
وبناء على ذلك، يحتاج قطاع الغاز إلى كشف حساب يوضح أسباب هبوط الإنتاج، ومستحقات الشركات، وخطط الحفر، وتكاليف التغييز والنقل، بدلا من الاكتفاء بأهداف بعيدة تستخدم لتأجيل المساءلة عن الأزمة.
وفي المحصلة، بددت إدارة السيسي فرصة تحويل اكتشافات الغاز إلى قاعدة لأمن الطاقة، ثم أعادت مصر إلى الاستيراد المكلف، بينما يتحمل المواطن النتيجة في فواتير الكهرباء والأسعار وتراجع قيمة الجنيه.
وأخيرا، تقول الأرقام إن الأزمة ليست نقصا عابرا، بل حصيلة مسار جعل الاستهلاك يسبق الإنتاج، والواردات تبتلع الدولار، والوعود تحل محل المحاسبة، حتى أصبحت 230 شحنة عنوانا للفشل لا الاكتفاء.

