مصطفى عبد السلام
رئيس قسم الاقتصاد في موقع وصحيفة "العربي الجديد"
واقعة أراد صاحبها المسؤول بالدولة المصرية أن تتحول إلى "ترند" يأخذ خلاله "اللقطة"، ويحقق "شو" إعلاميًا، مع استعراض إنجازات وهمية وتسويقها وإبراز قوة مفرطة، فإذا بالواقعة تهيل التراب على هذا المسؤول وغيره، وتفتح واحدًا من أخطر الملفات في مصر وهو إهدار المال العام والفساد المستشري، وسوء استخدام إيرادات الدولة، وإنفاق مئات المليارات من الجنيهات على مشروعات لا علاقة لها بالمواطن واحتياجات الدولة الحقيقية ومشروعات التنمية، والأعباء المعيشية الضخمة الناتجة عن تضخم مرتفع وتراجع قيمة الجنيه المصري وزيادة أسعار سلع أساسية، وسفه الاقتراض الخارجي.
كما تفتح الواقعة التي باتت حديث الرأي العام في مصر ملف تراجع الإنفاق على قطاعات خدمية حيوية، مثل التعليم والصحة والإسكان، وتوفير فرص عمل لملايين الشباب، وإقامة مصانع ومراكز إنتاج وابتكار جديدة، ومشروعات صغيرة ومتوسطة، تقلل البطالة وتزيد الصادرات وتلبي احتياجات الأسواق المحلية.
الواقعة التي أعنيها هنا هي زيارة حسام عبد الفتاح، محافظ القليوبية بمصر، مدرسة الشهيد أحمد سمير بكفر الجزار ببنها، شمال القاهرة، وما صاحبها من مواجهة بين مديرة المدرسة صالحة عبد الفضيل والمحافظ بعد انتقاده مستوى النظافة بالمدرسة، لتكشف المديرة عن إنفاقها من مالها الخاص على توصيل الصرف الصحي والكهرباء وتحمل أعباء الصيانة للمدرسة التي تتولى إدارتها، وذلك بعد أن رفض المسؤولون تدبير التمويل الهزيل المطلوب.
وبدلًا من أن يعالج المحافظ الأمر ويرد للسيدة ما أنفقته من مالها الخاص، ويتعرف إلى احتياجات المدرسة التمويلية والتشغيلية والبشرية، ومسار العملية التعليمية، ويبحث عن حلول للمشاكل التي تواجه المدرسين والطلاب، راح يشكك في حديث السيدة، ويكرر أخطاء مسؤولين سابقين وحاليين، خلال تلك الزيارات التفقدية من إهانة المعلمين، والحط من هيبتهم، وتوجيه اللوم إليهم، والتوبيخ بصورة علنية، والتعامل مع المديرة بأسلوب غير لائق.
الواقعة فتحت ملف أزمة التعليم المزمنة في مصر، التي من أبرز ملامحها نقص عدد المعلمين، حيث الزحام الشديد داخل الفصول، وتدني العملية التعليمية، ومعاناة المدارس الحكومية من عجز كبير في الأعداد يتراوح بين 320 ألفًا و470 ألف معلم، مع زيادة مستمرة في أعداد الطلاب، وكذا تدني الرواتب الذي دفع بآلاف المعلمين إلى ترك المدارس الحكومية، والبحث عن مصادر دخل بديلة كالدروس الخصوصية.
هذا جانب مما كشفته واقعة المديرة صالحة مع المحافظ، لكن ما بيّنته الواقعة أكبر من ذلك الأمر، ويتعلق بهدر موارد الدولة المحدودة، فجزء مهم من الميزانية العامة بات يوجه لإقامة أكبر ناطحة سحاب وأطول فندق في أفريقيا، وأكبر دار أوبرا في منطقة الشرق الأوسط، وشراء أضخم كريستالة، وإقامة أكبر مسجد ومأذنة وأضخم كنيسة في العاصمة الإدارية الجديدة، وإنشاء أكبر مدينة ترفيهية وملاهٍ في المنطقة على مساحة خمسة آلاف فدان، وبكلفة مبدئية 50 مليار جنيه، أي ما يعادل مليار دولار.
كما تنفق الحكومة تلك الموارد على مؤتمرات الشباب، واستضافة شباب من كل دول العالم على حساب دافعي الضرائب، وإقامة فنادق فخمة في العلمين والمدن العمرانية الجديدة، وعلى مشروعات سكنية فارهة وقطارات يرتادها الأثرياء، بل لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فهناك مشروعات عملاقة في الطريق، منها تدشين النهر الأخضر، أحد أضخم المشروعات الخضراء في العالم، الذي يضم أكبر حديقة مركزية في الشرق الأوسط، وملاعب ومطاعم وكافيهات، كما أعلنت الحكومة أكثر من مرة عن التوجه لبناء أكبر بحيرات صناعية في العاصمة الإدارية الجديدة، وإقامة موانئ لليخوت على ساحل البحر المتوسط.
ومع واقعة السيدة تذكّر المصريون بحسرة أن هناك مئات المشروعات العملاقة التي تستنزف موازنة الدولة، وأن الحكومة تبيع أصول الدولة لتمويل تلك المشروعات، وأن فوائد الديون وأقساطها تلتهم الجزء الأكبر من تلك الموازنة التي تعاني من عجز حاد، وتلتهم نحو 87% من حصيلة الضرائب، وأن الحكومة أنفقت أكثر من 60 مليار دولار على عاصمة إدارية يقطنها حتى الآن 25 ألف شخص بشهادة رئيس الشركة المنفّذة، وبالتالي ماذا يتبقى من موازنة الدولة للإنفاق على التعليم والصحة ودعم الكهرباء والمياه والمواصلات العامة ومشتقات الوقود؟

