معتز الفجيري
أكاديمي وحقوقي مصري. أستاذ مساعد ورئيس برنامج حقوق الإنسان في معهد الدوحة للدراسات العليا
عاد الاحتلال الإسرائيلي إلى التصعيد العسكري مجدّدًا في لبنان بتنفيذ غارات متتالية على الجنوب ومناطق أخرى، راح ضحيتها عشرات. تحاول إسرائيل الضغط على الحكومة اللبنانية في مفاوضاتها بشأن الترتيبات الأمنية ونزع سلاح حزب الله، وتكريس منطقة أمنية حدودية داخل الأراضي اللبنانية لتحجيم القدرات العسكرية للحزب. ويعكس هذا التصعيد الدائرة المفرغة للصراعات الإقليمية في المشرق العربي واستمرار تجدّدها نظرًا إلى التداخل الكبير في مسبباتها وآثارها على دول الإقليم، ووصول هذه الصراعات إلى مستوى يصعب معه الفصل بينها أو التعامل معها بمعزل عن بعضها بعضًا.
أتذكر أول زيارة طويلة لي إلى بيروت في منتصف 2005 حيث حظيت بتجربة مراقبة الانتخابات البرلمانية في هذه الفترة، بالتعاون مع الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات، وقد كان لهذه الانتخابات مغزى مهم في تطور السياسة اللبنانية. مثلتْ أول انتخابات بعد الانسحاب السوري من لبنان، وجاءت في أعقاب اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، وفي ظل سلسلة من الاغتيالات السياسية التي استمرّت في السنوات التالية، وطاولت شخصيات سياسية وإعلامية بارزة، منها سمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني وبيار الجميل.
وقد تشكل في ظل هذا السياق ما عرف بتيار 14 آذار الذي ضم قوى سياسية مطالبة باستقلال القرار اللبناني وتعزيز سيادة الدولة. وقد كان شائعًا أن الإرهاصات الأولى لثورات الربيع العربي حدثت هناك في بيروت في تلك السنوات الساخنة. لكن التدافع السياسي الداخلي في لبنان يظلّ دائما أسير توازنات أو اختلالات سياسية إقليمية او دولية. كان للكاتب الصحافي اللبناني الراحل سمير قصير كتاب صدر عام 2004 عن دار النهار للنشر بعنوان معبّر، "ديمقراطية سوريا واستقلال لبنان"، حيث أدرك قصير العلاقة الوثيقة آنذاك بين الطموح الإقليمي لنظام الأسد الاستبدادي في سورية ومحاولات تحجيم السيادة اللبنانية.
فلبنان منذ استقلاله عن الانتداب الفرنسي، وبحكم حساسية توازناته الطائفية الداخلية وموقعه الجغرافي وسط بؤر سياسية ملتهبة في المشرق العربي دفعت وما زالت تدفع أثمانًا باهظة في تكبيل قدرتها على بناء دولة قوية مستقرة، رغم ما يتمتع به من مساحة سياسية وفكرية أكثر انفتاحًا، مقارنة بدول كثيرة في المنطقة العربية. وقد شكلت التدخلات العسكرية الإسرائيلية المتكرّرة في لبنان، منذ عقود، أحد عوامل إضعاف الدولة وتيار الاستقلال والسيادة، وصولا إلى حرب يوليو (2006)، فضلًا عن الانقسامات داخل هذا التيار، وفشله أيضًا في تحقيق حكم جيد اقتصاديًا واجتماعيًا، ما أعاد دائرة النفوذ السياسي والعسكري الداخلي لحزب الله منذ عام 2008.
تفرض الطبيعة التاريخية والسكانية للبنان ضرورة ممارسة سياسية توافقية ودقيقة، خصوصًا في السياسة الخارجية. فالمواقف الخارجية الحادة التي لا تأخذ في الاعتبار مقتضيات هذا التوازن تقود الدولة إلى مخاطر أمنية واقتصادية جسيمة، وهو ما وقع فيه لبنان سنوات طويلة مع ضعف سلطة الدولة المركزية ومؤسّساتها الدستورية والسياسية. لا يعني هذا التحليل إخراج لبنان من صف المقاومة أو التضامن مع القضايا العربية الكبرى، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، ولكن أن يكون ذلك في إطار الدولة وإرادة الشعب اللبناني المعبر عنها في مؤسّساتها المنتخبة من دون فرض أو تجاوز لأهداف سياسية ضيقة تتجاوز اعتبارات الدولة اللبنانية نفسها.
ومع أهمية تقوية سلطة الدولة وإنهاء أي سلاح أو تنظيم عسكري خارج الدولة، يظلّ تحقيق هذا الهدف الآن نظريًا إذا لم يرتبط بوضع إقليمي أكبر، خصوصًا في ظل علاقة ارتباطية نشأت وتعزّزت تاريخيًا بين استقرار لبنان داخليًا ومواقف الفاعلين الإقليميين في دول الجوار، خصوصًا مع اصطفاف داخلي، أيًا كانت هذه المواقف. منذ العدوان الإسرائيلي على غزّة ثم لبنان وفي أعقاب الحرب الإسرائيلية والأميركية على إيران، لم يؤد الضغط العسكري إلى إنهاء نفوذ طهران الإقليمي، بل أعاد ترتيب موازين القوة وعمّق تعقيدات الصراع في المنطقة.
ولم تنجح الولايات المتحدة في فرض شرط على إيران لوقف التدخل في دول الإقليم، خصوصًا لبنان في مفاوضات إطلاق النار مع إيران. وفي المقابل، ضغطت أميركا وإسرائيل على الحكومة اللبنانية في اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، الذي وقع عليه في 26 يونيو الماضي، والذي يضع مسارًا تدريجيًّا لاستعادة الدولة اللبنانية سلطتها السيادية على كامل أراضيها، ونزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، مقابل إعادة انتشار القوات الإسرائيلية وانسحابها تدريجيا من الأراضي اللبنانية.
وللتنصيص على بسط السيادة واستعادة الجيش اللبناني تدريجيًا السيطرة على الأراضي اللبنانية وحصر السلاح بيد المؤسّسات الرسمية للدولة، سعت الحكومة اللبنانية في الشهور الأخيرة إلى إقرار بعض التدابير الأمنية والميدانية، والإجراءات القانونية والمالية لتفكيك الجناح المسلح لحزب الله، لكنها ظلت غير قابله للتطبيق إما لافتقاد الدولة اللبنانية القدرة الميدانية واللوجستية على الإنفاذ، في ظل رفض حزب الله ومقاومته هذا التوجه، أو لاستمرار العدوان الإسرائيلي المتكرّر على الأراضي اللبنانية، بالإضافة إلى استمرار إيران لاعبًا إقليميًّا مؤثرًا، مع رفضها المساس بدور حزب الله الإقليمي.
ستبقى المطالب الغربية بنزع سلاح حزب الله حملا ثقيلا على الدولة اللبنانية، وسيصعب تطبيقها ما لم تندرج ضمن رؤية أوسع للتعامل مع المسألة الإيرانية، والقضية الفلسطينية، واستمرار الطغيان الإسرائيلي في المنطقة. فأي طرح يعزل لبنان عن هذه التسويات في هذه المرحلة الخطيرة سيحمّل الدولة والمجتمع اللبناني أعباء تفوق قدرتهما على الاحتمال، وقد يعرض نسيجه الداخلي لمخاطر كبيرة. ومن ثم، فإن استقلال لبنان وسيادة الدولة، وهما هدفان غير قابلين للتأجيل، يتطلبان مقاربة تتجاوز الضغط على الدولة اللبنانية وحدها أو اختزال الأزمة في سلاح حزب الله، نحو تسوية إقليمية أوسع تراعي أيضا مخاوف مختلف المكونات اللبنانية.

