أثارت جولة محافظ القليوبية التفقدية لعدد من المدارس، قبل انطلاق العام الدراسي الجديد، حالة من الجدل، بعد وقائع تعامل المحافظ مع مديري ومديرات المدارس.
وبين إقالة مدير مدرسة بسبب ارتداء الجلابية، وأزمة مديرة مدرسة تحدثت عن إنفاقها على تجهيزات، انتهت التطورات بإقالة مدير إدارة كفر شكر التعليمية.
غضب بسبب طريقة التعامل مع مديري المدارس
خلال اليومين الماضيين، تصاعد الجدل حول الجولة التفقدية لمحافظ القليوبية داخل عدد من المدارس، وما صاحبها من تصريحات وقرارات.
وبدأت الأزمة عندما واجه المحافظ مديرة مدرسة الشهيد أحمد سمير، الأستاذة صالحة أبو الفضل، بشأن حالة المدرسة وتجهيزاتها.
المديرة أوضحت، بحسب ما جرى تداوله، أنها والوكيلة تحملتا بعض تكاليف تجهيز المدرسة وإدخال الخدمات إليها من أموالهما الخاصة.
هذه الواقعة فتحت الباب أمام تساؤلات واسعة حول أوضاع المدارس الحكومية، ومن يتحمل مسؤولية توفير احتياجاتها الأساسية.
وفي واقعة أخرى، انتقد المحافظ مدير مدرسة برقطا الإعدادية بسبب ارتدائه الجلابية أثناء الجولة التفقدية.
وجاء ذلك رغم أن الدراسة لم تكن قد انتظمت داخل المدرسة، بحسب الروايات المتداولة حول الواقعة.
وانتهت الواقعة بقرار إبعاد المدير عن منصبه، قبل أن يصدر لاحقا قرار بإقالة مدير الإدارة التعليمية في كفر شكر.
وأثارت هذه التطورات غضبا بين عدد من الأهالي، خاصة في قرية برقطا بمركز كفر شكر، وفقا لما نقلته تقارير صحفية.
وتساءل الأهالي عن الأولويات الحقيقية داخل المدرسة، خصوصا في ظل الحديث عن غياب سور يحمي الطلاب والمنشأة التعليمية.
فبينما انصب الاهتمام على مظهر مدير المدرسة، بقيت مشكلة تتعلق بأمن الطلاب والبنية الأساسية مطروحة دون أن تحظى بنفس الاهتمام.
كما أثارت طريقة التعامل مع العاملين بالمدارس انتقادات نقابية، بعدما اعتبرت نقابة المعلمين أن بعض هذه الممارسات تسيء إلى هيبة المعلم.
وطالبت النقابة بوضع أكواد واضحة وملزمة تنظم جولات المسؤولين داخل المدارس، وتمنع تحول الزيارات إلى وسيلة للاستعراض.
كما نقل عن أمين المهن التعليمية بالمحافظة تعجبه من اصطحاب كاميرا وميكروفون خلال جولة تفقدية داخل مدرسة.
إقالة مدير الإدارة تفتح باب الأسئلة
بدلا من أن تنتهي الأزمة عند معالجة المشكلات التي ظهرت داخل المدارس، انتقل الخلاف إلى البيانات والتصريحات المتبادلة.
وأصدر المحافظ بيانا تناول خلاله ما قالته مديرة مدرسة الشهيد أحمد سمير، مؤكدا أن المديرة لم تقدم ما يثبت إنفاقها على المدرسة.
وأشار البيان إلى أن المستندات أثبتت مخاطبة المديرة للإدارة التعليمية أكثر من مرة بشأن مشكلات المدرسة، وسعيها إلى حلها.
وهنا يظهر سؤال أساسي: إذا كانت المديرة قد خاطبت الإدارة التعليمية بالفعل، فهل جرى التأكد من تنفيذ مطالبها؟.
وإذا لم تنفذ الإدارة تلك المطالب، فمن المسؤول عن عدم تنفيذها، خصوصا إذا كانت المشكلات تتعلق بخدمات وتجهيزات أساسية؟.
أما إذا كانت المديرة قد تحملت فعليا تكاليف الإصلاح، فإن غياب المستندات لا يعني بالضرورة انتهاء المسألة.
كان يمكن، في هذه الحالة، طلب المستندات والتحقق منها، ثم تحديد المسؤولية وإعادة الحقوق لأصحابها إذا ثبت تحملهم نفقات تخص المدرسة.
الأكثر إثارة للجدل كان ما ورد بشأن اتهام المديرة بالحصول على أموال من مقاول مقابل هدم سور قيل إنه آيل للسقوط.
مثل هذه الاتهامات، إذا كانت قد صدرت بالفعل، تحتاج إلى تحقيق رسمي واضح، لا أن تبقى مجرد جزء من سجال إعلامي.
فالحديث عن مخالفة مالية أو منفعة شخصية مسألة خطيرة، وتحتاج إلى أدلة وإجراءات قانونية تحدد المسؤولية بشكل لا يحتمل التأويل.
وفي المقابل، أعلن المحافظ أنه لم يكن قد قرر إقالة المديرة قبل إعلان قرار إقالة مدير الإدارة التعليمية.
وهنا تبرز علامة استفهام أخرى تتعلق بالأساس الذي صدر بناء عليه قرار إقالة مدير الإدارة.
إذا كانت المديرة مخطئة، فلماذا لم تتحمل الإدارة التعليمية مسؤوليتها عن المشكلات التي تحدثت عنها؟.
وإذا كانت الإدارة قد تقاعست عن التعامل مع تلك المشكلات، أليس من الطبيعي أن يكون هناك تحقيق في أسباب التقصير؟.
أما إذا لم يكن هناك تقصير، فتبقى الحاجة قائمة لتوضيح أسباب إقالة مدير الإدارة للرأي العام والعاملين في التعليم.
لذلك، فإن قرار الإقالة يحتاج إلى تفسير واضح، حتى لا يبدو للرأي العام وكأنه جاء نتيجة مباشرة لأزمة الجولة التفقدية.
أين وزارة التعليم ومسؤولية الدولة؟
وسط كل هذا الجدل، يظل السؤال الأكبر موجها إلى وزارة التربية والتعليم، باعتبارها الجهة المسؤولة عن إدارة منظومة التعليم الحكومي.
فالمشكلات التي ظهرت خلال الجولة ليست جديدة، ولا تقتصر على مدرسة واحدة أو إدارة تعليمية واحدة داخل محافظة بعينها.
هناك مدارس تعاني من نقص في التجهيزات، وأخرى تحتاج إلى صيانة، إضافة إلى مشكلات تتعلق بالأسوار والخدمات الأساسية والبنية التحتية.
كما تواجه المنظومة التعليمية تحديات أخرى، من بينها العجز في أعداد المعلمين، وتكدس بعض الفصول، واحتياجات الصيانة والتطوير.
وبالتالي، فإن تحويل هذه المشكلات إلى مادة للجدل حول ملابس مدير أو تصريحات مديرة لا يعالج أصل الأزمة.
الأصل أن تتحول الجولة التفقدية إلى فرصة لرصد المشكلات ووضع جدول زمني لحلها، وليس مناسبة للبحث عن أخطاء شخصية أمام الكاميرات.
وفي المقابل، أعلن حسام الخولي، نائب رئيس حزب مستقبل وطن، تحمل الحزب تكلفة إصلاح وصيانة المقاعد المدرسية المتهالكة في المدارس الحكومية على مستوى الجمهورية.
وبعيدا عن تفاصيل المبادرة، يطرح الإعلان سؤالا مهما حول مسؤولية الدولة عن تمويل وصيانة المدارس الحكومية.
فهل تصبح الأحزاب بديلا عن الجهات الحكومية المسؤولة عن صيانة المدارس وتجهيزها، أم أن دورها يفترض أن يكون داعما داخل إطار واضح؟.
الأمر لا يتعلق فقط بالمقاعد المدرسية، وإنما أيضا بالأسوار والمياه والكهرباء والصرف الصحي والصيانة الدورية وسلامة المنشآت.
وإذا كانت مدرسة تحتاج إلى سور لحماية الطلاب، فالأولوية ينبغي أن تكون لبناء السور، لا التركيز على الملابس التي يرتديها مدير المدرسة.
وإذا كانت مدرسة تحتاج إلى خدمات أساسية، فالمطلوب هو توفيرها من خلال المؤسسات المسؤولة، ومحاسبة من يثبت تقصيره في أداء واجبه.
التعليم ليس مجالا مناسبا للقطات المؤقتة، لأن نتائج الإهمال فيه يتحملها الطلاب وأسرهم والعاملون داخل المدارس.
كما أن هيبة الدولة لا تتحقق بإحراج موظف أمام الكاميرات، وإنما تتحقق عندما يرى المواطن مدرسة آمنة ونظيفة ومجهزة، ومعلمين قادرين على أداء عملهم.
المطلوب الآن هو كشف ملابسات قرارات الإقالة، والتحقيق في الاتهامات المتبادلة، وتحديد المسؤوليات عن مشكلات المدارس دون تصفية حسابات.
أما وزارة التربية والتعليم، فعليها أن تكون حاضرة في المشهد، لا أن تترك الأزمات المحلية تتحول إلى سجالات بين مسؤولين وموظفين.
وفي النهاية، فإن أزمة مدارس القليوبية لا ينبغي اختصارها في جلابية مدير أو رد مديرة على محافظ.
القضية أكبر من ذلك بكثير، لأنها تتعلق بمدى قدرة الدولة على حماية الطلاب، وتوفير بيئة تعليمية مناسبة، وتحمل مسؤولية الإنفاق والصيانة.
والأهم أن تكون الزيارات التفقدية وسيلة لاكتشاف الخلل وإصلاحه، لا صناعة مشاهد تنتهي بقرارات إدارية وجدال إعلامي جديد.

