حَميد دباشي

مفكر وأكاديمي أمريكي من أصل إيراني، وأستاذ الأدب المقارن بجامعة كولومبيا، وناقد بارز للمركزية الأوروبية وما بعد الاستشراق

 

صادف الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 يوم ثلاثاء، ولم يكن يوم تدريس بالنسبة لي. استيقظت وبدأت يومي في وقت مبكر جدا؛ فبينما كنت أتناول فطورا بسيطا في منزلي بحرم "كولومبيا مورنينغسايد" الجامعي، رن هاتفي الذي كان أرضيا كما جرت العادة في تلك الأيام. كان المتصل صديقا من أوروبا يسألني: "هل أنت بخير؟". أجبته بالإيجاب، متسائلا عن سر نبرته القلقة، فرد قائلا: "ربما يجدر بك تشغيل التلفاز".

 

بعد تناول الفطور، نزلت إلى حرم جامعتنا ومضيت أمشي في شارع "برودواي". خيم على الشوارع هدوء مخيف، وندرت السيارات المارة فيها. في نيويورك، نحن مدمنون على الضجيج؛ إذ لطالما سرى طنين دائم في هواء مدينتنا، لكنه غاب كليا في ذلك اليوم. قررت التوجه نحو وسط المدينة لإلقاء نظرة عن كثب، وكان الوقت حينها قد قارب أوائل فترة ما بعد الظهيرة.

 

كانت الشوارع مغلقة بدءا من شارع "هيوستن"، ولم يسمح لأحد بالاقتراب أكثر من موقع "غراوند زيرو". وأتذكر رؤية بضعة سياح يابانيين يجمعون الغبار المتساقط من الهواء على السيارات المتوقفة، ويضعونه في أكياس بلاستيكية للاحتفاظ به كتذكارات.

 

دخلت مدينتنا في حالة من الجنون الهادئ. وما لبث أن حضر الرئيس جورج دبليو بوش إلى موقع الهجوم في مركز التجارة العالمي متوعدا بالانتقام. وكحال معظم الأمريكيين، كنت أعيش داخل إطار من المرجعيات الأخلاقية والسياسية، غافلا تماما عن أن العالم من حولنا يوشك أن يتغير إلى الأبد، وأن حياة وأرزاق الملايين من سكان هذا الكوكب قد أضحت على المحك.

 

تشير الأرقام الرسمية إلى أن حوالي 2976 إنسانا بريئا فقدوا حياتهم في ذلك العمل الإجرامي. في المقابل، أزهقت أرواح 940 ألف إنسان بريء في أفغانستان والعراق وسوريا واليمن وباكستان إبان "الحرب على الإرهاب" التي تلت تلك الأحداث.

 

ويقفز هذا الرقم ليصل إلى 3.7 ملايين حالة وفاة غير مباشرة ارتبطت بـ"الحرب على الإرهاب" ذاتها. كما يقدر عدد اللاجئين الذين شردتهم هذه الحرب بـ38 مليون شخص، بينما تقدر تكلفتها المادية بـ8 تريليونات دولار؛ لتظل هذه الأرقام تطارد إنسانيتنا حتى اليوم.

 

يتناول الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين في مقالته "نقد العنف" المنشورة عام 1921 كيفية مساهمة العنف في خلق وتفكيك الأنظمة السياسية المستندة إلى مسوغات قانونية. وتتمحور نظريته حول الرابط الذي لا ينفصم بين نطاق القانون ومساحة العنف؛ فلا وجود لقانون يخلو من عنصر العنف، كما لا يوجد عمل عنيف لا يؤدي إلى خرق القانون أو صياغته.

 

وفي 11 سبتمبر من ذلك العام المشؤوم 2001، استغلت مجموعة من المغامرين المتشددين تلك المفارقة، فارتكبت عملا من أعمال العنف الانتحاري الذي أطلق العنان لنظام إمبراطوري استهدفته؛ بهدف تجريده من كل ادعاءات الشرعية.

 

البنية المتغيرة للإمبراطورية العسكرية الأمريكية

 

أحدثت هجمات 11 سبتمبر تحولات كبرى في السياسة العالمية والأمن الداخلي، وطالت تفاصيل الحياة اليومية لجل مشهد الوجود البشري على وجه الأرض. فبعد وقت قصير من تلك الأحداث، غزت الولايات المتحدة أفغانستان في أكتوبر 2001؛ بهدف تفكيك تنظيم القاعدة الذي حمل مسؤولية الهجمات، وإسقاط حركة طالبان التي آوته من السلطة، لتبدأ بذلك أطول حرب أمريكية امتدت لنحو 20 عاما.

 

وعقب ذلك بقليل، غزا تحالف بقيادة الولايات المتحدة العراق في مارس 2003 بذريعة القضاء على أسلحة دمار شامل لا وجود لها، وخوض غمار "الحرب على الإرهاب" الأوسع نطاقا. حينها، أقنع رئيس الوزراء الإسرائيلي، مجرم الحرب "بنيامين نتنياهو"، السلطات الأمريكية بامتلاك صدام حسين أسلحة دمار شامل، وكعادته كان يكذب.

 

وقد ساهمت مراسلة صحيفة "نيويورك تايمز" (New York Times)، فاقدة المصداقية "جوديث ميلر"، في جعل الأمريكيين يصدقون تلك الفرية. وبعد مضي عقد من الزمان، وتحديدا في 2 مايو 2011، تمكنت قوات المهام الخاصة التابعة للبحرية الأمريكية من تحديد موقع زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، الذي اعتبرته واشنطن المسؤول الأول عن أحداث 11 سبتمبر، وقتلته في باكستان.

 

وفي أكتوبر 2001، أي بعد وقت قصير من أحداث 11 سبتمبر، أقر الكونغرس الأمريكي "قانون باتريوت" (USA Patriot Act) الذي وسع صلاحيات الحكومة في المراقبة وجمع المعلومات الاستخبارية بشكل غير مسبوق. كما شكلت وزارة الأمن الداخلي، وأحدثت إدارة أمن النقل تغييرات جذرية في أمن المطارات (كفرض قواعد أكثر صرامة على الأمتعة ونقاط التفتيش).

 

وفي عام 2002، افتتح السجن العسكري الأمريكي في خليج "غوانتانامو" بكوبا لاحتجاز المشتبه في تورطهم بالإرهاب دون الخضوع للإجراءات القانونية الواجبة. في غضون ذلك، واجه المسلمون الأمريكيون والأشخاص المتحدرون من أصول شرق أوسطية عموما زيادة حادة في التمييز، وجرائم الكراهية، والعداء الشعبي الصارخ. وقد ساهمت وسائل الإعلام الأمريكية، المكتظة بالمروجين للصهيونية، في تسهيل الشيطنة العدوانية للمسلمين.

 

استغرقت الحرب في أفغانستان (2001-2021) ما يقارب العقدين من الزمان دون أن تسفر عن نتائج ملموسة، لتعود حركة طالبان إلى السلطة أقوى مما كانت عليه. وخلال الحرب على العراق (2003-2011)، أسقطت الولايات المتحدة وقوات التحالف نظام صدام حسين، مما تسبب في صعود عصابة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) المتشددة. بيد أن انطلاق شرارة الربيع العربي سرعان ما جرد كل تلك الأعمال العنيفة من مصداقيتها، مفسحا المجال أمام احتجاجات عربية عارمة تطالب بالديمقراطية.

 

من جهة أخرى، أدى هجوم حلف شمال الأطلسي (الناتو) على ليبيا عام 2011، وتدخلات الولايات المتحدة في سوريا في العام ذاته، إلى انهيار هاتين الدولتين. وعقب ذلك، شنت معظم الأنظمة العربية، هجمة مرتدة قاسية فككت زخم الربيع العربي.

 

الحملات العسكرية الإسرائيلية منذ 11 سبتمبر

 

بمساعدة وتحريض من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، شكلت المستعمرة الاستيطانية الإسرائيلية بؤرة الخلاف الرئيسية والمستفيد الأبرز من تبعات أحداث 11 سبتمبر. ويثير القتل الجماعي الوحشي الذي تمارسه إسرائيل بحق الفلسطينيين في وضح النهار، وعلى مرأى ومسمع من العالم، قلقا بالغا لدى البشرية جمعاء. فمنذ 11 سبتمبر 2001، انخرطت إسرائيل في حملات وعمليات عسكرية كبرى ضد الفلسطينيين في غزة، وكذلك في لبنان والضفة الغربية.

 

وواصلت الانتفاضة الثانية (2001-2005) مسيرة النضال الفلسطيني من أجل التحرر. وعقب اندلاع الانتفاضة الفلسطينية عام 2000، نفذ الجيش الإسرائيلي عمليات عسكرية واسعة النطاق في الضفة الغربية وقطاع غزة لقمع التطلعات الديمقراطية للفلسطينيين.

 

وعلى مدار عقود تلت أحداث 11 سبتمبر، نفذت إسرائيل عمليات عسكرية كبرى ومتعددة ضد الفلسطينيين، بلغت ذروتها في نهاية المطاف بشن حرب إبادة جماعية على الفلسطينيين منذ أكتوبر 2023 وحتى يومنا هذا.

 

وقد استغل المروجون الإسرائيليون في إسرائيل وأوروبا والولايات المتحدة أحداث 11 سبتمبر بصورة منهجية ومستمرة لشيطنة العرب والمسلمين كافة. وحتى اليوم، ومع حلول الذكرى الـ25 لأحداث 11 سبتمبر، يواصل العملاء الإسرائيليون في الولايات المتحدة تأجيج مشاعر الكراهية ضد العرب والمسلمين؛ في مسعى لصرف الأنظار عن ممارساتهم الإجرامية الأشد فظاعة في فلسطين ولبنان وسوريا واليمن والعراق، والآن في إيران.

 

المقاومة كينونة ووجود

 

لقد كانت الأعمال الإرهابية في 11 سبتمبر من صنع مجموعة من العدميين المتشددين الذين فقدوا الأمل إزاء ظروفنا الأليمة؛ تلك الظروف التي تسببت فيها المستعمرة الاستيطانية الإسرائيلية الممارسة للإبادة الجماعية، والأنظمة العربية والإسلامية الغارقة في فساد يستعصي على الإصلاح، وقبل هذا وذاك، الإمبراطورية الأمريكية المختلة.

 

لذا، ظن هؤلاء ألا شيء لديهم ليخسروه، فأقدموا على عمل يائس من التحدي الانتحاري، لتغدو أجسادهم ذاتها البؤرة الأولى للعنف الذي أنكروه على أنظمة السلطة الحاكمة التي تعيث نهبا في العالم. وبهذا العمل من العنف العدمي، أحدثوا تشويها لتاريخ حافل بالمقاومة المبدئية والهادفة ضد الإمبريالية الأوروبية والأمريكية. فقد نفذ عملهم الإجرامي كاستعراض للعنف المجرد من أي غاية أخلاقية أو سياسية أو ثورية.

 

لقد كان عملا يائسا من العنف المروع الذي أنذر وأطلق العنان لهجمة متصاعدة من عنف الإبادة الجماعية السافر على يد إسرائيل وداعميها في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة؛ هجمة أودت بحياة ملايين العرب والمسلمين، والفلسطينيين على وجه الخصوص، أو تركتهم يعانون الإعاقة بقية حياتهم، أو أجبرتهم على الخضوع لمرارة لا تنتهي تتمثل في التشرد والعيش كلاجئين ومنفيين.

 

لقد انطوت العمليات المشتركة للولايات المتحدة وإسرائيل منذ 11 سبتمبر على نية مبيتة لفرض هيمنة عالمية تمتد من السيطرة على الموارد وصولا إلى التحكم في الجغرافيا السياسية. وقد غدا دونالد ترمب وبنيامين نتنياهو اليوم الرمزين الأبرزين والشارة الختامية لربع قرن من الهيمنة العالمية، عبر مزيج شرس من العنف والخداع.

 

لقد أطلقت أحداث 11 سبتمبر العنان لتصاعد في الأحداث بدأ بتسييس فعل إجرامي، وانتهى، في المقابل، بتجريم العمل السياسي برمته. وتتلاشى اليوم مصائر الأمم في مهب أهواء المخططات الاستعمارية والإمبريالية الساعية لحكم العالم والهيمنة عليه.

 

وتبرز المرحلة الأحدث من التطهير العرقي والإبادة الجماعية في فلسطين اليوم كبؤرة مركزية للسياسة العالمية، حيث أضحت سرقة الأراضي والموارد بشكل سافر هي أسلوب العمل المعتمد للقوة والسياسة على مستوى العالم.

 

ومع ذلك، لم تخضع شعوب العالم، مستلهمة عزيمتها من إرادة الفلسطينيين التي لا تقهر في سبيل استعادة وطنهم، لسلوكيات "دونالد ترمب" الماكرة، ولا للبلطجة الاستعراضية التي يمارسها "بنيامين نتنياهو" والصهيونية القائمة على الإبادة الجماعية. بل أصبحت مقاومة السلطة الغاشمة اليوم هي الجوهر الحقيقي لوجودنا.

 

وبعد مرور ربع قرن على أحداث 11 سبتمبر، وعقب إزهاق ملايين الأرواح وتدمير المنازل، باتت إسرائيل اليوم تحتقر في جميع أنحاء العالم بوصفها كيانا يمارس الإبادة الجماعية.

 

وفي غضون ذلك، يهب ملايين الأمريكيين لتحرير أنفسهم من نير عملاء إسرائيل، كمليارديرات لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك)، الذين يخضعونهم لأهواء مستعمرة استيطانية دموية. لتغدو قضية التحرر الوطني الفلسطيني اليوم هي المعيار الحاسم لأي أمل في غد متحضر.