صعّدت قوات الاحتلال الصهيوني إجراءاتها في الضفة الغربية المحتلة خلال سبتمبر، مع إغلاق الحرم الإبراهيمي في الخليل وتشديد الحواجز المحيطة به، بالتزامن مع اقتحامات للمسجد الأقصى وحملات اعتقال واسعة في مدن وبلدات فلسطينية.

 

تزامنت هذه الإجراءات مع الأعياد اليهودية التي أعلنت القوات الإسرائيلية أنها تستدعي ترتيبات أمنية إضافية، بينما تقول جهات فلسطينية إن القيود المتكررة تمس حرية العبادة والتنقل وتفرض واقعا متغيرا حول المقدسات الإسلامية.

 

 

الحرم الإبراهيمي تحت الإغلاق

 

أغلقت القوات الإسرائيلية الحرم الإبراهيمي أمام المصلين الفلسطينيين يوم الأربعاء 16 سبتمبر، وقررت استمرار الإغلاق حتى مساء الخميس، معللة الخطوة بتأمين احتفالات المستوطنين خلال الأعياد اليهودية في مدينة الخليل.

 

وشملت الإجراءات إغلاق الحواجز العسكرية والبوابات الإلكترونية المؤدية إلى الحرم، مع تعزيز الانتشار العسكري على الطرق والمداخل المحيطة، الأمر الذي انعكس مباشرة على حركة السكان والوصول إلى البلدة القديمة ومرافقها.

 

وتسببت القيود في وقف الدراسة بصورة كاملة داخل المدرسة الإبراهيمية الأساسية للبنين، كما عرقلت وصول الطالبات والمعلمات إلى مدرسة الفيحاء الأساسية للبنات، بعدما أغلقت القوات الإسرائيلية الممرات المؤدية إلى المنطقة.

 

واستنكر مدير أوقاف الخليل أمجد كرجة قرار الإغلاق، معتبرا أن منع المسلمين من الوصول إلى الحرم يمثل اعتداء على حرية العبادة وحرمة المكان، وطالب بوقف الإجراءات التي تقيد دخول المصلين.

 

وتفرض القوات الإسرائيلية قيودا إضافية في أحياء جابر والسلايمة وغيث ووادي الحصين المحاذية لمستوطنة كريات أربع، بينما تؤدي عمليات الإغلاق المتكررة إلى تراجع الحركة التجارية والسياحية داخل البلدة القديمة بالخليل.

 

وتشير شهادات تجار فلسطينيين إلى أن إغلاق الطرق والمداخل وتقليص حركة الزوار والمصلين يترك المحال التجارية دون زبائن لفترات طويلة، بينما يُطلب من بعض أصحاب المتاجر إغلاق محالهم في أوقات محددة.

 

ويمثل الإغلاق الحالي حلقة جديدة في سلسلة إجراءات شهدها الحرم خلال الشهور الماضية، شملت منع رفع الأذان منذ 21 يونيو، وإجراء أعمال داخل أقسام خاضعة للسيطرة الإسرائيلية وتقييد حركة موظفي الأوقاف.

 

واستمر منع المؤذن من الوصول إلى غرفة الأذان رغم انتهاء أعمال مرتبطة بسقف صحن الحرم في يوليو، وفقا لمسؤولين فلسطينيين قالوا إن استمرار المنع يثير مخاوف من تثبيت واقع دائم.

 

 

تغييرات متواصلة داخل الحرم

 

يعود الوضع المعقد في الحرم الإبراهيمي إلى عام 1994، عندما قُسمت مساحاته بين المسلمين واليهود عقب مذبحة قتل فيها مستوطن إسرائيلي 29 مصليا فلسطينيا أثناء أدائهم الصلاة داخل الحرم.

 

وبموجب الترتيبات التي ترسخت بعد المذبحة، خُصصت أجزاء من الحرم لليهود وأخرى للمسلمين، بينما بقيت بعض المواقع، وبينها غرفة الأذان، مرتبطة بتنسيقات تسمح للعاملين الفلسطينيين بالوصول إليها في أوقات محددة.

 

وسجلت الجهات الفلسطينية خلال يوليو سلسلة إجراءات داخل الحرم، بينها منع الأذان بصورة متواصلة وإغلاق الباب الشرقي وتنفيذ أعمال في الصحن والممرات، إلى جانب تقييد دخول عدد من موظفي الأوقاف.

 

وتقول إدارة الحرم إن صعوبة الوصول إلى الأقسام الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية تحد من قدرتها على معرفة طبيعة الأعمال التي تنفذ فيها، وهو ما يزيد المخاوف الفلسطينية المتعلقة بتغيير المعالم المعمارية التاريخية.

 

وتزداد تلك المخاوف مع تواتر الحديث الفلسطيني عن إدخال تجهيزات وأبواب جديدة وإجراء تعديلات داخل مناطق لا يستطيع موظفو الأوقاف معاينتها، فيما لم تتوافر معلومات مستقلة كافية توضح جميع تفاصيل تلك الأعمال.

 

كما رصدت جهات فلسطينية خلال سبتمبر مظاهر مرتبطة بالأعياد اليهودية في محيط الحرم، بينها أعلام إسرائيلية وإضاءات على بعض الجدران، واعتبر مسؤولون فلسطينيون هذه المظاهر جزءا من محاولة تكريس السيطرة الإسرائيلية.

 

وتصاعد الخلاف بالتوازي مع استمرار الإجراءات العسكرية حول البلدة القديمة، حيث تخضع حركة الفلسطينيين للتفتيش عبر بوابات وحواجز ثابتة، بينما تنتشر القوات الإسرائيلية لتأمين وصول المستوطنين إلى مناطق داخل الخليل.

 

وتقول إسرائيل إن الإجراءات ترتبط باعتبارات أمنية وتأمين المناسبات الدينية، بينما ترى وزارة الأوقاف الفلسطينية أن تكرار الإغلاق ومنع المصلين يمثل انتهاكا لحرية العبادة ويستدعي تدخلا دوليا لحماية الحرم.

 

 

الأقصى والضفة في التصعيد

 

وفي القدس المحتلة، اقتحم مستوطنون المسجد الأقصى من جهة باب المغاربة تحت حماية القوات الإسرائيلية، وتجولوا في باحاته، وسط تقارير فلسطينية عن أداء طقوس دينية خلال الاقتحامات التي تزامنت مع الأعياد اليهودية.

 

وتحذر الجهات الفلسطينية منذ فترة من أن تكثيف الاقتحامات خلال الأعياد قد يؤدي إلى تغييرات جديدة في ترتيبات الدخول إلى المسجد، فيما تؤكد إسرائيل أن الشرطة تتولى تأمين المنطقة خلال الزيارات الدينية.

 

وتأتي هذه الاقتحامات بعد زيارات سابقة لمسؤولين إسرائيليين من اليمين، وفي مقدمتهم وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، وهي زيارات أثارت إدانات فلسطينية ومخاوف من تغيير الوضع القائم داخل المسجد.

 

وبالتزامن مع أحداث القدس والخليل، شهدت مناطق مختلفة من الضفة الغربية حملات دهم واعتقال، وتفاوتت التقارير المنشورة حول حصيلة معتقلي 16 سبتمبر بين 18 فلسطينيا على الأقل وأرقام أعلى في تقارير أخرى.

 

وكانت القوات الإسرائيلية قد اعتقلت 20 فلسطينيا على الأقل في حملة منفصلة يوم 9 سبتمبر، بينهم طفلان، وشملت الاعتقالات جنين والخليل ونابلس وبيت لحم وطولكرم خلال اقتحامات ليلية للمنازل.

 

وتشير الوقائع الأخيرة إلى اتساع نطاق الضغط على الفلسطينيين بين القيود الدينية والحواجز العسكرية والاعتقالات وهدم المنشآت، فيما تصاعدت خلال الفترة نفسها اعتداءات المستوطنين وعمليات الإخلاء في تجمعات فلسطينية بالضفة.

 

ويربط مسؤولون فلسطينيون بين تشديد القيود حول المقدسات واتساع النشاط الاستيطاني، بينما تصر السلطات الإسرائيلية على أن كثيرا من الإجراءات الأمنية تستهدف منع هجمات وحماية المستوطنين والمواقع التي يرتادونها خلال الأعياد.

 

وتبقى الخليل والقدس في قلب هذا التصعيد، لأن أي تغيير في قواعد الوصول إلى الحرم الإبراهيمي أو المسجد الأقصى يتجاوز الإجراءات اليومية إلى صراع أوسع حول السيطرة والهوية والحقوق الدينية.

 

ويعني استمرار إغلاق الحرم ومنع الأذان وتشديد الحواجز أن الأزمة لم تعد مرتبطة بيوم واحد من الأعياد، بل بسلسلة إجراءات متراكمة يخشى الفلسطينيون أن تتحول تدريجيا إلى ترتيبات ثابتة يصعب التراجع عنها.

 

ويضع هذا المسار المقدسات الفلسطينية أمام مرحلة شديدة الحساسية، وسط مطالب فلسطينية بتدخل دولي يضمن حرية العبادة ويحمي الوضع التاريخي للأماكن الدينية، في وقت تستمر فيه إسرائيل في تطبيق إجراءاتها الأمنية والعسكرية.