يفتح وصول آيفون 18 إلى السوق المصرية بأسعار مرتفعة ملفاً يتجاوز ضرائب هاتف فاخر إلى سؤال أكثر حساسية يتعلق بالمستفيدين من سياسات الدولة التي قلصت الاستيراد الفردي ورفعت تكلفة الأجهزة القادمة من الخارج، بينما تتوسع شركات موزعين كبار داخل السوق.

 

يضع تمدد مجموعة صافي وهبة، المرتبط عائلياً بأسرة قائد الإنقلاب عبد الفتاح السيسي عبر زواج نجله من ابنة شقيق الرئيس، هذا السؤال في قلب قضية المنافسة، خصوصاً مع توسع شركته في منتجات آبل واقترابها، بحسب تقرير حديث، من إدارة فروع الموزع الإقليمي المعتمد للشركة.

 

 

رسوم تحاصر الاستيراد لصالح الموزعين

 

تفرض منظومة الهواتف الواردة من الخارج أعباء تصل إلى نحو 38.5 بالمئة، وهي تكلفة تجعل استيراد هاتف للاستخدام الشخصي أو التجاري أقل جاذبية، وتمنح الأجهزة الموجودة داخل شبكة التوزيع الرسمية ميزة سعرية وتنظيمية واضحة.

 

ولا تبدو المسألة مجرد تحصيل ضريبة تقليدية، بعدما أنهت الدولة في يناير 2026 الإعفاء الاستثنائي للهاتف الشخصي القادم من الخارج، وربطت تشغيل الأجهزة المستوردة بسداد المستحقات عبر منظومة إلكترونية مخصصة لذلك.

 

ويقول وليد رمضان، نائب رئيس شعبة الاتصالات والمحمول بالغرفة التجارية، إن فرض رسوم وضرائب مرتفعة على الهاتف القادم من الخارج يحمي الموزع والتاجر أكثر مما يحمي المصنع، منتقداً تحميل المستهلك هذه التكلفة.

 

وتزداد أهمية انتقاده عند الحديث عن آبل تحديداً، لأن الشركة لا تمتلك تصنيعاً محلياً لهواتف آيفون داخل مصر، وبالتالي يصعب تفسير التضييق على الاستيراد باعتباره حماية مباشرة لمصنع مصري ينتج الهاتف نفسه.

 

كما يرى محمد طلعت، رئيس شعبة الاتصالات والمحمول بالغرفة التجارية بالقاهرة، أن نسبة 38.5 بالمئة تحتاج إلى مراجعة، لأنها كبيرة وتزيد العبء النهائي حتى على الأجهزة التي لا يجري تصنيعها داخل مصر.

 

وتعني هذه السياسة عملياً أن المستهلك الذي كان يستطيع شراء هاتف من الخارج والمنافسة به في السوق أصبح مطالباً بتكلفة إضافية كبيرة، بينما تصبح قنوات الوكلاء والموزعين المعتمدين الطريق الأسهل للحصول على الجهاز وتشغيله.

 

وهنا يتحول قرار يفترض أنه يستهدف ضبط التهريب وتشجيع التصنيع إلى أداة يعاد بها تشكيل السوق، لأن تقييد البديل المستورد يمنح شبكات التوزيع الرسمية مساحة أكبر للتسعير والحركة أمام المستهلك.

 

 

صافي يتمدد داخل شبكة آبل

 

تملك مجموعة الصافي بالفعل حضوراً واسعاً في سوق التكنولوجيا، إذ تعلن أنها الموزع الحصري لشاومي في مصر، وموزع معتمد لمنتجات سامسونج وآبل، بينما تعمل سويتش بلس التابعة لها في بيع منتجات الشركة الأميركية.

 

وتزداد حساسية هذا التمدد بسبب العلاقة العائلية، إذ تشير المصادر المتاحة إلى زواج محمد صافي، نجل رجل الأعمال صافي وهبة، من مريم ابنة المستشار أحمد السيسي شقيق قائد الإنقلاب  غبد الفتاح السيسي.

 

ولا تثبت المصاهرة وحدها وجود محاباة أو فساد، لكنها تجعل توسع المجموعة بالتزامن مع قرارات حكومية تصب في مصلحة قنوات التوزيع الرسمية مسألة تستوجب شفافية أكبر ورقابة أكثر صرامة على المنافسة.

 

وتشير معلومات حديثة منسوبة إلى مصدر في شعبة المحمول إلى أن سويتش بلس تستعد لإدارة فروع شركة ABM، الموزع الإقليمي المعتمد لمنتجات آبل، مع افتتاح مركز توزيع في الشيخ زايد خلال أكتوبر.

 

ولا يوجد حتى الآن تأكيد رسمي مستقل منشور لهذه الخطوة، لذلك تظل المعلومة منسوبة إلى مصدر في السوق، لكنها إذا تأكدت ستمنح مجموعة الصافي موقعاً أكثر تقدماً داخل شبكة توزيع الآيفون المصرية.

 

ويصف الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني، نائب رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، السياسة الضريبية الحكومية بأنها تعتمد بصورة مفرطة على الضرائب غير المباشرة التي يتحمل المستهلك جانباً كبيراً من آثارها.

 

ويرى الميرغني أن الحكومة تلجأ إلى الجباية بدلاً من معالجة الاختلالات الأوسع في الاقتصاد، وهي قراءة تكتسب وزناً في سوق المحمول عندما تقترن الضرائب المرتفعة بتقليص البدائل أمام المستهلك.

 

 

شبهة الاحتكار تعود من جديد

 

لا تبدأ مخاوف تقييد المنافسة مع صافي وهبة أو آيفون 18، فقد قرر جهاز حماية المنافسة في 2018 أن ممارسات مرتبطة بآبل وموزعيها خالفت قانون المنافسة عبر عزل السوق المصرية وحظر الاستيراد الموازي.

 

وقال الجهاز وقتها إن اتفاقات التوزيع الحصرية والقيود على الاستيراد أدت إلى ارتفاع أسعار منتجات آبل في مصر بصورة غير مبررة مقارنة بأسواق الولايات المتحدة وعدد من دول المنطقة.

 

وكانت ABM ضمن شبكة التوزيع التي أثير حولها الملف، بينما تشير معلومات السوق الحالية إلى أن سويتش بلس كانت إحدى الشركات التي تعاملت معها، قبل توسيع شبكة البيع لاحقاً لتشمل موزعين آخرين.

 

وهنا يبرز السؤال الأهم بشأن ما إذا كانت السياسة الحالية تعيد، بطريقة مختلفة، البيئة نفسها التي سبق أن تدخل جهاز حماية المنافسة لكسرها، عبر تقليص المنافسة القادمة من الاستيراد الموازي وتقوية الموزعين الكبار.

 

ويقول الخبير الاقتصادي ممدوح الولي إن الرسوم على الهواتف لا يمكن فصلها عن حاجة الحكومة إلى زيادة الإيرادات، منتقداً تقديم توطين صناعة المحمول باعتباره التفسير الوحيد لهذه الإجراءات.

 

ويشير الولي كذلك إلى أن جانباً كبيراً مما يوصف بالتصنيع المحلي يعتمد في حقيقته على تجميع مكونات مستوردة، وهو ما يجعل حماية الصناعة مبرراً يحتاج إلى تقييم حجم القيمة المحلية الفعلية.

 

ولا يعني ذلك أن توسع مجموعة الصافي يمثل في ذاته احتكاراً مثبتاً، لكن اجتماع الرسوم المرتفعة وقيود الاستيراد وتمدد موزع مرتبط عائلياً بأسرةقائد الإنقلاب يجعل غياب الإفصاح والرقابة أكثر إثارة للتساؤلات.

 

وتصبح القضية في النهاية أكبر من ثمن آيفون 18، لأنها تتعلق بما إذا كانت الدولة تنظم السوق لصالح المنافسة والمستهلك، أم أن قراراتها تمنح الموزعين الأقوى مساحة أكبر بينما يدفع المواطن فاتورة الرسوم وقلة البدائل.