في عالم تتنافس فيه القوى الكبرى على النفوذ الدولي، تتبع مصر سياسة تقوم على الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف بدلًا من الانحياز الكامل إلى قوة واحدة، بحسب التقرير الذي يستعرض ملامح التحرك المصري بين الولايات المتحدة وروسيا والصين.
ويركز التقرير على ما يصفه بـ«التعددية القطبية»، حيث تسعى القاهرة إلى الاستفادة من علاقاتها مع واشنطن وموسكو وبكين في مجالات الدفاع والطاقة والاستثمار والتجارة، بما يعزز هامش تحركها على الساحة الدولية.
وينقل فيرست بوست أفريكا أن القاهرة تواصل الانفتاح على القوى العالمية الثلاث في وقت يشهد فيه النظام الدولي انقسامًا متزايدًا بين مراكز نفوذ متنافسة.
ويشير التقرير إلى أن مصر تسعى إلى تحديث قدراتها العسكرية عبر الولايات المتحدة، وتطوير قطاع الطاقة والصناعة بالتعاون مع روسيا، فيما توسع الصين استثماراتها ومشروعاتها الصناعية في البلاد. كما يلفت إلى اتجاه القاهرة وبكين إلى استخدام العملات المحلية في جانب من معاملاتهما التجارية والاستثمارية بدلًا من الاعتماد الكامل على الدولار الأمريكي.
مصر والولايات المتحدة.. شراكة دفاعية رغم التقارب مع موسكو وبكين
تحتفظ الولايات المتحدة بمكانة رئيسية في العلاقات الأمنية المصرية، ويشير التقرير إلى أن التركيز الحالي بين القاهرة وواشنطن ينصب بدرجة كبيرة على تحديث المعدات العسكرية، ولا سيما القوات الجوية.
ووفقًا للتقرير، تشغل مصر أكثر من 220 مقاتلة من طراز «إف-16»، ما يجعلها رابع أكبر مشغل لهذا الطراز عالميًا، إلا أن نحو 129 طائرة منها يعود إلى ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، ما يعني أن بعض هياكل الطائرات يقترب عمرها من 45 عامًا.
ويقول التقرير إن تقادم جزء من الأسطول دفع القاهرة إلى البحث عن بدائل أكثر تطورًا، مشيرًا إلى طلب مصري للحصول على مقاتلات «إف-16 فايبر بلوك 70» الجديدة خلال معرض العلمين الجوي 2026. وتتميز هذه النسخة برادار متطور من نوع «إيه إي إس إيه» أو الرادار ذي المصفوفة الممسوحة إلكترونيًا، إلى جانب قمرة قيادة رقمية وعمر هيكلي مضاعف مقارنة ببعض الطائرات الأقدم.
ولم تؤكد واشنطن، وفق التقرير، إتمام الصفقة بصورة علنية، إلا أن طرحها يعكس استمرار أهمية التعاون العسكري بين البلدين. ويرى التقرير أن توسيع مصر علاقاتها مع الصين وروسيا لا يلغي الدور الذي تؤديه الولايات المتحدة في منظومة الدفاع المصرية، بل يضيف إلى شبكة العلاقات التي تعتمد عليها القاهرة في تأمين مصالحها الاستراتيجية.
روسيا ومصر.. الطاقة النووية والصناعة والتجارة
في المقابل، ترتبط القاهرة وموسكو بمشروعات استراتيجية في مجالات الطاقة والصناعة والتجارة. ويشير التقرير إلى لقاء رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي ونظيره الروسي فلاديمير بوتين على هامش قمة بريكس في الهند، حيث بحث الجانبان عددًا من المشروعات المشتركة.
ويأتي مشروع محطة الضبعة النووية في مقدمة هذه المشروعات، إذ تنفذه مصر بدعم روسي، ومن المنتظر أن يوفر عند اكتماله مصدرًا كبيرًا ومستقرًا للطاقة. ولا تقتصر الشراكة المصرية الروسية على الطاقة النووية، إذ يشير التقرير إلى إنشاء منطقة صناعية روسية داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، إلى جانب تنامي العلاقات التجارية والسياحية.
كما يلفت التقرير إلى اعتماد مطاري الإسكندرية والعلمين لاستقبال الرحلات الدولية الروسية، وهو ما قد يدعم حركة السياحة الروسية إلى الساحل الشمالي. وخلال المحادثات بين السيسي وبوتين، ناقش الجانبان كذلك ملفات إقليمية، بينها جهود وقف الحرب في غزة، وخفض التصعيد المتعلق بإيران، والحفاظ على سيادة السودان.
ويضع التقرير إمدادات الطاقة والبنية التحتية الصناعية والقمح ضمن أبرز المجالات التي تمنح العلاقات المصرية الروسية أهمية اقتصادية واستراتيجية، في وقت تسعى فيه القاهرة إلى تنويع مصادر احتياجاتها وشراكاتها الدولية.
الصين.. استثمارات وصناعة وتراجع الاعتماد على الدولار
على الجانب الآخر، تشكل الصين شريكًا رئيسيًا لمصر في الاستثمار والبنية التحتية والتصنيع. ويشير التقرير إلى زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى القاهرة، والتي جاءت بالتزامن مع مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
ويقول التقرير إن الاستثمارات الصينية في مصر تجاوزت حاجز 10 مليارات دولار، فيما تبحث القاهرة وبكين شراكة جديدة تصل قيمتها إلى ملياري دولار لتوسيع المنطقة الصناعية الصينية المصرية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس. ويشمل التوسع قطاعات يصفها التقرير بالمستقبلية، من بينها الطاقة المتجددة وصناعة السيارات الكهربائية والمنسوجات.
لكن الجانب الأبرز في العلاقات الاقتصادية المصرية الصينية، بحسب التقرير، يتمثل في زيادة استخدام العملات المحلية في تسوية التجارة والاستثمارات الثنائية. واتفق البلدان على توسيع التعامل بالجنيه المصري واليوان الصيني بدلًا من الاعتماد على الدولار الأمريكي في جزء من معاملاتهما.
ويشير التقرير كذلك إلى إطلاق بنك مقاصة بالرنمينبي في مصر، بما يتيح للشركات المصرية وصولًا أكثر مباشرة إلى النظام المالي الصيني، ويقلل الحاجة إلى المرور بالدولار في بعض المعاملات التجارية.
وتندرج هذه الخطوات، وفق التقرير، ضمن توجه أوسع نحو تنويع الشراكات الاقتصادية والمالية لمصر. وتتناول تحليلات أخرى لمسألة النظام الدولي الصاعد قدرة القوى المختلفة على التعامل مع أكثر من مركز قوة في الوقت نفسه، في ظل سعي الصين وروسيا والولايات المتحدة إلى توسيع نفوذها العالمي.
وبالنسبة إلى مصر، يلخص التقرير هذا النهج بمفهومي «التحوط» و«الموازنة»، إذ تحافظ القاهرة على علاقاتها مع واشنطن في مجال الدفاع، وتوسع تعاونها مع موسكو في الطاقة والصناعة، بينما تستفيد من الاستثمارات والتعاون الصناعي الصيني. وبهذا، لا تبدو العلاقات المصرية مع هذه القوى منفصلة عن بعضها، بل تتحرك ضمن شبكة أوسع من المصالح المتداخلة.
ويخلص التقرير إلى أن القاهرة تسعى من خلال إبقاء قنواتها مفتوحة مع القوى الثلاث إلى تعزيز قدراتها الدفاعية، ودعم اقتصادها، وتوسيع هامش المناورة الاستراتيجية في ظل نظام دولي أكثر تنافسًا وتعددًا في مراكز القوة. ويقدم فيرست بوست أفريكا هذه السياسة بوصفها نموذجًا للتحرك الدبلوماسي الذي يسمح للدول النامية بالحفاظ على علاقات متعددة بدلًا من الاضطرار إلى اختيار معسكر دولي واحد.
https://www.firstpost.com/web-show/firstpost-africa/playing-every-side-inside-egypts-balancing-act-with-trump-xi-and-putin-firstpost-africa-vd2156186/amp/

