يكشف الإعلان الجنوب سوداني عن الاستعداد لبناء سد جراند فولا قرب الحدود الأوغندية حجم الفراغ الذي تركته القاهرة في حماية أمنها المائي، وسط حديث عن تراجع الإمدادات الموسمية الوافدة من النيل الأزرق هذا العام.
وتضع الأزمة مصر والسودان أمام خطر متراكم، إذ تتشابك الإدارة الإثيوبية الأحادية لسد النهضة مع تراجع الأمطار فوق الهضبة الإثيوبية بفعل النينيو، بينما تتسع مشروعات السدود دون ضمانات حقيقية لدول المصب.
سد فولا وأسئلة الأمن المائي
ويرى الدكتور محمد نصر الدين علام، وزير الري المصري الأسبق والخبير المائي المنتقد لسياسات الحكومة، أن الإعلان المبكر عن سد بلا تمويل مكتمل يخلق توترا مفتعلا بين مصر وجنوب السودان ودول الهضبة الاستوائية.
وفي المقابل، لا يجوز التعامل مع التصريح كضجة عابرة، لأن مشروع جراند فولا مطروح قرب شلالات فولا بولاية الاستوائية الشرقية على النيل الأبيض، وبقدرة تصميمية تصل إلى 1080 ميغاوات.
كما أن المشروع ظل متوقفا 10 سنوات بسبب نقص التمويل والاضطرابات الأمنية، قبل أن يعلن وزير الطاقة والسدود أغوك ماكور كور استعداد جوبا للمضي فيه باعتباره مشروعا للتنمية وتوليد الكهرباء.
وبينما تؤكد جوبا حقها في استغلال مواردها، فإن الحق التنموي لا يلغي واجب الشفافية والإخطار المسبق، خاصة عندما يتعلق الأمر بنهر دولي تعتمد عليه شعوب كاملة في الشرب والزراعة والبقاء.
ولذلك، تبقى تفاصيل خزان فولا وقواعد ملئه وتشغيله والتصرفات المائية الناتجة عنه أكثر أهمية من رقم الكهرباء المعلن، لأن الخطر الحقيقي لا يقاس بالشعارات بل بحجم المياه المحجوزة والمطلقة.
ثم إن النيل الأبيض لا يمثل مجرد مجرى ثانوي يمكن تجاهله، فهو يمد مصر بتدفقات أكثر استقرارا طوال العام، بينما يبقى النيل الأزرق شديد التذبذب ومرتبطا بالمواسم والأمطار.
ومع غياب الدراسات المنشورة عن السعة التخزينية والتأثير الهيدرولوجي، تصبح طمأنة القاهرة للناس عملا ناقصا، وتتحول إدارة ملف المياه إلى تصريحات عامة لا تحمي حقا ولا تمنع مفاجأة جديدة.
ويؤكد علام أن السدود الكهرومائية ليست كلها تهديدا تلقائيا، فبعضها يعتمد على سرعة جريان المياه لتدوير التوربينات، لكن هذا التمييز الفني لا يعفي الحكومة من طلب البيانات الكاملة ومراجعتها.
دبلوماسية القاهرة بين الانكشاف والتردد
ويؤكد خبير إفريقي مستقل ينتقد سياسات الحكومة أن القاهرة أنفقت سنوات في استعراض الحضور بالقارة، لكنها لم تحوّل علاقاتها مع جوبا إلى اتفاقات ملزمة تحمي المصالح المائية المصرية من التقلبات السياسية.
فمصر شاركت في افتتاح سد ومحطة جوليوس نيريري في تنزانيا يوم 21 آب، بتكلفة 2.9 مليار دولار وقدرة 2115 ميغاوات، عبر شركات مصرية، بعد مساهمتها في سد أوين بأوغندا وخزان جبل الأولياء بالسودان.
لكن هذه المشروعات لا تمنح القاهرة صكا دائما للثقة، لأن النفوذ الحقيقي يقاس بقدرتها على تأمين التفاهمات القانونية والفنية، لا بعدد الاحتفالات أو الصور أو الوعود المتبادلة بين المسؤولين.
كذلك، وقعت القاهرة مع جوبا عام 2021 اتفاقا لدعم سد واو على نهر سيوي بقدرة 10.40 ميغاوات، بهدف الكهرباء ومياه الشرب والري والحد من الفيضانات، إضافة إلى إدارة 3 محطات لقياس المناسيب والتصرفات.
كما امتد التعاون إلى تدريب ضباط جنوب السودان بمذكرة أمنية في كانون الثاني 2024، مع احتفاظ مصر بقوة حفظ سلام في منطقة أبيي المتنازع عليها، بما يكشف عمق الحضور السياسي والعسكري المصري.
ثم إن القاهرة اعترفت بجنوب السودان فور انفصاله في 9 تموز 2011، وزار السيسي جوبا في تشرين الثاني 2020، بينما زار سلفا كير القاهرة أعوام 2014 و2017 و2019 و2021 و2023.
وعندما تنقطع الزيارات الرئاسية 3 سنوات، تتسع مساحة الشك وتتراجع قدرة التواصل المباشر، خصوصا مع دولة تتعرض لضغوط إقليمية ومنافسة حادة بين قوى تسعى لاستغلال موقعها الحساس على النيل الأبيض.
وبين ادعاءات إغلاق قاعدة مصرية بمنطقة جوت في أيار، والنفي المصري الجنوب سوداني السابق لوجودها في حزيران 2020، يبدو أن الغموض صار لغة مفضلة بدل المصارحة التي تحتاجها الملفات الاستراتيجية.
تمويل خارجي ومخاطر تشغيل مجهولة
ويقول الباحث في الشأن الإفريقي هاني إبراهيم، المنتقد لارتباك الحكومة في إدارة العلاقات الإفريقية، إن تحديد أضرار فولا بدقة غير ممكن قبل نشر دراسات السعة التخزينية والملء والتشغيل والغرض النهائي للسد.
فالمشروع يراوح بين 890 و1080 ميغاوات، وتقدر كلفته الحالية بنحو 2 مليار دولار، ويحتاج سنوات طويلة للتنفيذ إذا توافر التمويل، ما يجعل الإعلان السياسي أسرع كثيرا من الحقائق الفنية المتاحة.
لكن زيارة وفد من الاتحاد الأوروبي لموقع السد المقترح مع الوزير كور في آذار تفتح أسئلة مشروعة عن التمويل الخارجي، وعن مدى تحول المشروع إلى ورقة ضغط جديدة ضد مصر والسودان.
كما أن انضمام جنوب السودان إلى اتفاقية عنتيبي في تموز 2024، بعد 16 عاما من رفض مصر والسودان لها، مثّل تحولا سياسيا لا يجوز التقليل منه أو دفنه تحت عبارات العلاقات الأخوية.
ولذلك، تبدو شكوى جوبا في نيسان بشأن ترحيل لاجئين من مواطنيها، وما سبقها من توترات سياسية، إنذارا بأن العلاقات لا تدار بضمانات ثابتة، بل بميزان مصالح قابل للاهتزاز.
ومع توقف مشروع قناة جونجلي، الذي كان يفترض أن يدعم تدفقات المياه إلى مصر والسودان، انكشفت عجز القاهرة عن استكمال مشروع مائي مهم أمام اعتراضات قبلية وبيئية وارتفاع التكلفة.
ويربط هاني إبراهيم خطورة فولا أيضا بمخطط أوسع يشمل سد بدن بقدرة بين 540 و780 ميغاوات، وسد لاكي بقدرة 410 ميغاوات، وسد شوكولي بقدرة 235 ميغاوات دون تمويل أو دراسات معلنة.
لكن سد واو نفسه، بسعة 2 مليار متر مكعب، يبرهن أن دول المنبع تتحرك تدريجيا في مشروعات متعددة الأغراض، وأن تجاهل التراكم أخطر من انتظار سد ضخم واحد حتى يفرض واقعا جديدا.
كما أن علاقات جوبا بإثيوبيا، ودور أديس أبابا القديم في دعم انفصال جنوب السودان، وصلاتها بإسرائيل، تفرض على القاهرة يقظة دبلوماسية لا تسمح بتحويل النيل إلى ساحة مساومات إقليمية.
ولذلك، تحتاج مصر إلى كشف الحقائق للرأي العام، ومطالبة جوبا بدراسات فولا كاملة، وبناء تفاهمات تشغيل ملزمة، بدل ترك الملايين رهائن لتصريحات متأخرة وسياسة مائية تتعامل مع الخطر بعد وقوعه.

