لم يعد غرق سفن المهاجرين في عرض البحر الأبيض المتوسط خبرًا مفاجئًا، بعدما تحوّل إلى مأساة متكررة تتجدد مشاهدها بصورة مؤلمة، وفقًا للكاتب والباحث التونسي في الفكر السياسي سمير حمدي.

 

ويرى حمدي أن هؤلاء الذين دفعتهم أحلامهم، ورغبتهم في بناء مستقبل أفضل لهم ولأبنائهم، ما زالوا يحاولون باستمرار الوصول إلى الضفة الأخرى من المتوسط، بحثًا عن حياة يرون أنهم يستحقونها.

 

ومن السهل تحميل الضحية مسؤولية ما يحدث لها، باعتبارها الحلقة الأضعف في معادلة ثلاثية تضم المهاجرين، وأنظمة شرق المتوسط، والاتحاد الأوروبي. لكن الحقيقة أن أحدًا لا يرغب في مغادرة وطنه والمغامرة بحياته لو وجد الحد الأدنى من العيش الكريم في بلده.

 

ويؤكد الكاتب أن أولئك الذين غرقت مراكبهم، سواء كانوا من تونس أو مصر أو الجزائر، وكذلك الذين اجتازوا الحدود بالآلاف إلى سبتة، إنما قتلهم الأمل؛ ذلك الأمل الكاذب في الوصول إلى حياة كريمة يستحقونها، بكل تأكيد، بحكم إنسانيتهم.

 

 

أنظمة شرق المتوسط.. بين دفع المهاجرين وحراسة الحدود

 

ويرى الكاتب والباحث التونسي أن أنظمة شرق المتوسط تتحمل مسؤولية مزدوجة عما جرى ويجري لهؤلاء المهاجرين، الذين تصفهم وسائل الإعلام أحيانًا بأنهم «غير شرعيين»، وأحيانًا أخرى بأنهم «غير نظاميين»، رغم أنهم، وفق القانون الدولي، مهاجرون بدوافع اقتصادية.

 

فمن جهة، تدفع هذه الأنظمة شعوبها إلى ركوب المخاطر ومحاولة الهجرة، نتيجة سياساتها الاقتصادية الفاشلة، ومن جهة أخرى تستخدم أجهزتها الأمنية القمعية لمنع مجرد التعبير عن الضيق الاقتصادي والاجتماعي.

 

ويبدو التناقض أكثر وضوحًا حين تواصل هذه الأنظمة، عبر أجهزتها الإعلامية، بث دعايات عن الازدهار والرخاء الذي يعيشه المواطنون، بينما تلعب في الوقت ذاته دور حارس الحدود الأوروبية، فتعمل على منع قوارب المهاجرين من الوصول إلى شواطئ الاتحاد الأوروبي.

 

وتحصل هذه الأنظمة، في مقابل ذلك، على بعض المنح المالية الغربية، أو تسعى إلى انتزاع اعتراف سياسي أوروبي هي في أمس الحاجة إليه، خصوصًا في ظل فقدانها الشرعية الانتخابية داخل بلدانها.

 

 

أوروبا.. من خطاب الإنسانية إلى أولوية حماية الحدود

 

أما على الجانب الأوروبي، وفقًا لحمدي، فقد جاءت أزمة الهجرة في سبتة لتقدم تذكيرًا صارخًا بواقع أكثر وحشية؛ فأوروبا التي يراها المهاجرون حلمًا لم تعد، وفق الكاتب سمير حمدي، هي أوروبا التي يتخيلونها قبل خوض رحلة الهجرة.

 

ففي الوقت الذي حاول فيه أكثر من 60 ألف مهاجر دخول سبتة خلال ساعات قليلة، دعت أغلبية ساحقة من الدول الأعضاء إلى اتخاذ مواقف أكثر صرامة تجاه الهجرة، مقابل مواقف محدودة من حكومات يسارية في إسبانيا والبرتغال دعت إلى اتباع نهج أكثر حذرًا.

 

وفي هذا السياق، أرسلت 22 دولة عضوًا في الاتحاد الأوروبي رسالة مشتركة تدعو إلى تشديد جذري لسياسة الهجرة الأوروبية. وضمت قائمة الموقعين حكومات عديدة ذات توجهات سياسية متنوعة، إلا أنها اجتمعت حول قناعة مشتركة مفادها أن القواعد الحالية لم تعد تحمي حدود أوروبا بصورة فعالة.

 

ويكشف هذا الموقف الأوروبي عن تحول سياسي عميق، إذ بدأت، على مدى سنوات، أفكار جديدة تترسخ تدريجيًا في أوروبا، من بينها تصور لأوروبا ذات طابع حكومي أكثر ترابطًا. وبناءً على ذلك، ينبغي أن يتركز التكامل الفيدرالي، الذي لا يُستبعد تمامًا، كما أراد الآباء المؤسسون لأوروبا، على مجالات محددة واستراتيجية.

 

ومع صعود أحزاب اليمين، أصبحت أوروبا تمنح أولوية أكبر لحماية الحدود والسيادة والواقعية السياسية، على حساب الأفكار اليسارية ذات النزعة الإنسانية، التي تحاول التوفيق بين مصالح الدول الأوروبية ومنح شعوب الضفة الأخرى فرصة الحصول على معاملة أكثر عدلًا.

 

 

أوروبا الغد.. يمين أكثر وتشدد أكبر تجاه الهجرة

 

ويرى الكاتب والباحث التونسي سمير حمدي أن أوروبا الغد من المرجح أن تكون أكثر ميلًا إلى اليمين، وأكثر براغماتية، وأقل أيديولوجية بكثير.

 

وتشارك في عملية إعادة تشكيل المشهد الأوروبي قوى وحكومات متعددة، من بينها جورجيا ميلوني في إيطاليا، ودونالد توسك في بولندا، والحكومات الإسكندنافية، ودول البلطيق، والنمسا، وجمهورية التشيك، وعديد من دول البلقان، بحيث يسلك كل طرف طريقته الخاصة في التعامل مع ملف الهجرة.

 

ويعني هذا الاتجاه، وفق قراءة الكاتب، مزيدًا من التضييق على المهاجرين، وبناء علاقات أكثر متانة مع أنظمة الاستبداد في شرق المتوسط، باعتبارها الضامن الوحيد لمنع تدفق آلاف المهاجرين غير المرغوب فيهم أوروبيًا.

 

فاليمين الأوروبي الصاعد، بحسب سمير حمدي، يستعيد بعض أكثر الشعارات الغربية تمييزًا، وتقوم هذه الشعارات على فكرة الفصل بين أسباب الهجرة وتمظهراتها.

 

فالتدفق المتواصل للفائض البشري من شرق المتوسط هو، في نهاية المطاف، نتيجة لسياسات دعم أنظمة فاسدة وفاقدة للشرعية وعاجزة عن تحقيق الحد الأدنى من الرخاء الاجتماعي لمواطنيها.

 

وفي المقابل، فإن كلفة دعم مسارات التنمية والحرية والديمقراطية في شرق المتوسط وأفريقيا، وإن بدت أكثر تكلفة من دعم الأنظمة السلطوية، فإن نتائجها، وفق هذا الطرح، أكثر ديمومة وتحقق مصالح الجميع.

 

ذلك أن استمرار خيار دعم الأنظمة القمعية القائم اليوم لا يضمن لأحد ما قد يحدث مستقبلًا، ولا حجم التدفق البشري الهائل الذي قد نشهده عند انهيار هذه الأنظمة. وهذا السيناريو يظل واردًا، بل إن المنطقة شهدت مثالًا عليه عقب ثورات الربيع العربي التي أُجهضت.

 

وفي النهاية، فإن الهجرة ليست سوى الفصل الأول.