صلاح الدين الجورشي
محلل سياسي وإعلامي، مدير مكتب العربي الجديد في تونس
اختار الرئيس التونسي، قيس سعيّد، في كلمته بمناسبة يوم العلم قبل سنة، أن يتوقف عند موضوع الذكاء الاصطناعي الذي قال في شأنه: "فيه ذكاء ولكن في جوهره اغتيال للفكر البشري". واعتبره "خطرًا داهمًا مهدّدًا لا للعلم بل للإنسانية جمعاء". يومها ظن بعضهم أن في كلامه مبالغة وتضخيمًا لسلبيات تولد مع كل علم جديد. لكن اليوم أصبح أهل الاختصاص يتجادلون في المخاطر الكبرى التي ستترتب على هذا العلم. وعندما تدرس إدارة الرئيس ترامب عقد اجتماع مع رؤساء شركات الذكاء الاصطناعي في أميركا تزامنًا مع لقائه الرئيس الصيني شي جين بينغ، فذلك يعكس أهمية الموضوع وخطورته.
أكد المدير التنفيذي لشركة Anthropic احتمال أن تتمكّن مجموعات من وكلاء الذكاء الاصطناعي السيطرة على أجزاء من شبكة الإنترنت خلال فترة وجيزة قد لا تتجاوز السنة، "إذا ما استمر التطور بلا ضوابط كافية". وتكمن الخطورة في أنه "لا يوجد نموذج ذكي واحد ينفذ هجومًا محدودًا، بل هناك وكلاء كثيرون قادرون على التنسيق والتكيف والاستمرار في العمل حتى بعد اكتشاف بعضها، وهنا تصبح الهجمات أخطر، لأنها لا تعتمد على أوامر ثابتة فقط، بل على أنظمة تغير سلوكها وتعيد ترتيب مهامها في أثناء التنفيذ"، فالذكاء الاصطناعي لم يعد يكتفي باكتشاف الثغرات التقنية والأمنية الموجود على الشبكة للتصدي لها، بل أصبحت له القدرة على خداع البشر بطرق خبيثة للاختراق. وهو ما أكده معهد الأمن للذكاء الاصطناعي البريطاني. وهذا يعني أن الماسكين بهذه التكنولوجيا قد أخفوا عن الناس المخاطر القاتلة التي قد تترتب على هذا النوع من الذكاء، الذي قال عنه إيلون ماسك إنه "أخطر من القنبلة النووية".
"وكيل الذكاء الاصطناعي" برنامج يستخدم نموذج الذكاء الاصطناعي لتنفيذ مهمة ما نيابة عن مستخدم البرنامج. هؤلاء الوكلاء يتمتعون بالقدرة على إنشاء أنظمة خاصة بهم قائمة على دساتير لتنظيم الحكم في بيئتهم الخاصة، ويمكنهم إقامة شبكة تحالفات فيما بينهم ضد وكيل ما يراد التخلص منه عبر تصويت 70% منهم، حسب تجربة قامت بها شركة إيمرجنس إي آي. وبينت التجربة أن هؤلاء الوكلاء يمكنهم أن ينحرفوا في سلوكهم فيرتكبوا جرائم متعدّدة مثل السرقة والإضرار بالممتلكات العامة. لكن السؤال الذي بدأ يثير حيرة الباحثين أن هذه السلوكيات الخطيرة التي وضعها المبرمج، هل يمكن منع حدوثها أو التحكّم في نتائجها، لو تمكن هؤلاء الوكلاء من التصرّف باستقلالية تامة، خصوصًا في حقول خطرة، مثل المجال العسكري؟ أو تمكن بعض السياسيين الذين لا تحكمهم ضوابط أخلاقية وقانونية من توجيه هذا "الذكاء" نحو تحقيق رغبات شخصية أو فئوية مدمرة، مثلما هو الشأن مع حكام إسرائيل، أو متغطرس مثل الرئيس ترامب الذي قال في هذا الشأن: "من يتفوّق في مجال الذكاء الاصطناعي سيكون هو الفائز". واعتبر هذا الذكاء أكبر من الإنترنت، وسيكون أكبر مما كان يتخيله أي شخص، وحجمه سيفوق ما يمكن تصوره". لهذا السبب، رفض ترامب إبطاء السباق العالمي لهذا الذكاء، نظرًا إلى أنه سيحدد ميزان القوى العالمي بين أميركا والصين في المرحلة المقبلة.
شارك بناء هذا المسار العلمي عقول البشرية بمختلف الجنسيات والألوان والأديان، لكن ما يحصل أن أباطرة التكنولوجيا يعملون على السيطرة عليه وتوظيفه لمصلحة الأقوى والأكثر ثراءً، ما دفع السيناتور الأميركي بيرني ساندرز إلى إعلان استعداده لتقديم مشروع قانون يمنح حصة ملكية بنسبة 50% في أكبر شركات الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة، للحد من مساوئ الانفراد بهذا العلم القادر على وضع نهاية للحياة البشرية إذا خرج تطوره عن السيطرة، خصوصًا أن تقنيته "تخطّت الحد الذي يمكن إيقافها عنده" وفق تقرير موقع "بوليتيكو".
الخطر مؤكد ووشيك أكثر من أي وقت مضى. ولم تعد نهاية العالم بعيدة ولا مستحيلة إذا لم تحصل معجزة ما تضع حدًا لهذه الذئاب البشرية.

