تتجه مصر إلى عام مائي أكثر قسوة، بعدما أظهرت مؤشرات الإيراد منذ أغسطس مستويات متوسطة أو أقل، وسط مخاوف من تحول التراجع المحدود إلى موجة جفاف ممتدة.

 

وتضع التصريحات الحادة لوزير الري هاني سويلم أزمة سد النهضة أمام اختبار جديد، لأن انخفاض التدفقات بالتزامن مع التشغيل الأحادي قد يدفع مخزون الأمان إلى منطقة شديدة الحساسية.

 

 

عام مائي يهدد حسابات القاهرة

 

فبحسب مصادر مطلعة، لم تعد المشكلة مرتبطة بسنة ضعيفة منفردة، بل باحتمال بدء سلسلة متتالية من الأعوام الأقل إيرادًا، بما يعيد إلى الواجهة ذكريات جفاف الثمانينيات.

 

كما أن تجاوز عدد السكان مئة مليون نسمة يجعل أي نقص إضافي أكثر كلفة، إذ تتوزع المياه المحدودة على الشرب والزراعة والصناعة، بينما تبقى الحصة السنوية ثابتة عند 55.5 مليار متر مكعب.

 

وفي المقابل، يرى الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الأراضي والمياه بجامعة القاهرة والناقد لتوقيع إعلان المبادئ قبل اكتمال التفاوض، أن الخلل بدأ بقبول إطار سياسي دون ضمانات تشغيلية واضحة.

 

ويعارض نور الدين هذا المسار لأنه نقل القاهرة من موقع الاعتراض على السد إلى موقع التفاوض على قواعد تشغيله، بعدما أصبح المشروع واقعًا مكتملًا تفرض إثيوبيا شروطه من طرف واحد.

 

ويعني ذلك أن انخفاض الإيراد الطبيعي لم يعد يتحرك داخل مساحة تفاوض مريحة، فكل متر مكعب محجوز أو متأخر يضغط مباشرة على قرارات الزراعة والطاقة وتوزيع مياه الشرب.

 

ومن ثم، فإن الحديث عن عام متوسط لا ينبغي أن يتحول إلى غطاء لتجاهل الخطر، لأن السنوات الجافة لا تصل بإعلان مسبق، بل تتراكم عبر مؤشرات صغيرة يصعب عكسها.

 

ولا تقف الأزمة عند كمية المياه الواصلة، إذ إن طريقة تشغيل السد وتوقيتات التصريف قد تخلق ارتباكًا مفاجئًا في السودان، ثم تنقل أثره سريعًا إلى مصر.

 

كذلك، فإن استمرار الإدارة المنفردة يحرم دولتي المصب من بيانات دقيقة تسمح بالتخطيط، ويجعل كل موسم مطير أو جاف اختبارًا جديدًا لسلامة البنية الزراعية والاجتماعية المصرية.

 

 

السد العالي يفقد هامش الأمان

 

وعلى الجانب الآخر، يظل السد العالي خط الدفاع الأخير، لكنه ليس خزينة بلا نهاية، لأن السحب المتكرر من بحيرته يستهلك ما يفترض أن يبقى للطوارئ الممتدة.

 

لكن الخطاب الرسمي الذي يكتفي بترديد أن المخزون جيد يتجاهل طبيعة الأرصدة المختلفة، ولا يميز بوضوح بين المياه القابلة للاستخدام والمياه المخصصة للرسوبيات أو الحالات الاستثنائية.

 

وبحسب المهندس محمد نصر الدين علام، وزير الموارد المائية والري الأسبق والمنتقد للطمأنة الحكومية الواسعة، فإن رقم المخزون الإجمالي لا يعني أن الكمية كلها متاحة للاستهلاك الفوري.

 

ويرى علام أن جزءًا من بحيرة السد العالي مخصص للرسوبيات، وجزءًا آخر يمثل المخزون الحي، بينما تظل كمية إضافية محجوزة للطوارئ، ولذلك فإن الحساب السياسي المريح قد يخفي عجزًا عمليًا.

 

وتعني هذه القراءة أن مصر لا تملك رفاهية التعامل مع البحيرة باعتبارها موردًا دائمًا، لأن كل خفض في المنسوب يضعف قدرة البلاد على امتصاص صدمة أخرى خلال العام نفسه.

 

وفوق ذلك، لا يحل ثبات الحصة التاريخية المشكلة، فعدد المستهلكين يرتفع، والفجوة المائية تتسع، والاعتماد على إعادة الاستخدام والتحلية لا يلغي الحاجة إلى تدفق مستقر من النيل.

 

أما أخطر السيناريوهات فيبدأ عندما تتزامن سنوات الإيراد المنخفض مع تشغيل إثيوبي غير منسق، إذ ستضطر القاهرة إلى المفاضلة القاسية بين حماية الزراعة وتأمين مياه الشرب والحفاظ على الصناعة.

 

وبالتالي، يصبح استنزاف المخزون قرارًا سياسيًا واقتصاديًا لا إجراءً فنيًا مؤقتًا، لأن آثاره تمتد إلى أسعار الغذاء وفرص العمل وكلفة الإنتاج وقدرة الدولة على تمويل البدائل.

 

ويصطدم هذا الواقع مع لغة التهدئة التي تظهر أحيانًا في البيانات، فالمواطن لا يحتاج إلى أرقام إجمالية، بل إلى إجابة صريحة عن المدة التي يمكن أن يصمد فيها المخزون.

 

ومع ذلك، لا تبدو هذه الإجابة متاحة علنًا بصورة تفصيلية، وهو ما يفتح الباب أمام الشائعات ويزيد القلق، خصوصًا عندما تتزامن التصريحات الرسمية المتشددة مع تحذيرات المصادر الداخلية.

 

 

التفاوض يتآكل والخيارات تضيق سريعًا

 

في المقابل، لم تعد المفاوضات الطويلة تقدم لمصر ما يكفي من الحماية، بعدما تحولت الجولات المتكررة إلى مسار مفتوح يسمح بالوقت والتشغيل معًا دون اتفاق قانوني ملزم.

 

ويؤكد نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة والمعارض لنهج التفاوض الذي سبق التوافق، أن استمرار الحوار بلا قواعد تنفيذ ورقابة يجعل المسار الدبلوماسي غطاءً للتأجيل.

 

لكن الحكومة لا تستطيع الاكتفاء بتجديد الرفض، لأن رفض التشغيل الأحادي يحتاج إلى أدوات ضغط قانونية وسياسية وفنية، وإلى خطاب يشرح بوضوح ما ستفعله عند تجاوز الخطوط المائية الحمراء.

 

وعندما تتحدث وزارة الري عن الاحتفاظ بكل التدابير التي يتيحها القانون الدولي، فإن السؤال الحاسم يصبح متعلقًا بحدود هذه التدابير وتوقيت استخدامها وضمان عدم بقائها مجرد رسالة إعلامية.

 

وبينما تدفع إثيوبيا نحو تثبيت الأمر الواقع، تبدو القاهرة مطالبة بإعادة ترتيب أولوياتها، بدءًا من نشر بيانات المخزون، وصولًا إلى إعلان خطة طوارئ قابلة للفهم والقياس.

 

ثم إن حماية المياه لا تبدأ من التصريحات، بل من مراجعة السياسات الزراعية التي تستهلك كميات كبيرة، ومن وقف التوسع في محاصيل شديدة الاحتياج للمياه دون حساب دقيق للموسم.

 

ومن الناحية السياسية، فإن تحويل الأزمة إلى ملف أمني مغلق يضعف النقاش العام، لأن غياب المعلومات لا يحمي الأمن المائي، بل يمنح التقديرات المتضاربة فرصة للانتشار.

 

وعليه، تحتاج الحكومة إلى مصارحة المجتمع بحجم العجز المحتمل، وتكلفة البدائل، وحدود قدرة السد العالي، بدل الاكتفاء بتأكيدات عامة قد تنهار أمام أول موسم جاف متتالٍ.

 

ويفرض التهديد الإثيوبي كذلك إعادة بناء العلاقة مع السودان، فالتنسيق بين دولتي المصب لا ينبغي أن يظهر فقط عند الأزمات، بل يجب أن يتحول إلى آلية يومية لتبادل البيانات.

 

وفوق ذلك، يتطلب اللجوء إلى القانون الدولي ملفًا فنيًا متماسكًا، يثبت أثر التصرفات الأحادية على التدفقات، ويفصل بين حق التنمية وواجب عدم إلحاق الضرر بالدول المشاركة في النهر.

 

وفي النهاية، فإن أخطر ما يواجه مصر ليس انخفاض موسم واحد، بل الاعتياد على إدارة الخطر بعد وقوعه، ثم استهلاك المخزون دون إعلان حدود واضحة أو محاسبة سياسية معلنة.

 

وتؤكد الوقائع أن السد العالي ما زال يمنح البلاد وقتًا ثمينًا، لكنه لا يستطيع حماية سياسة مائية مرتبكة إلى الأبد، ولا تعويض غياب الاتفاق والبيانات والقرار المبكر.

 

لذلك، فإن نقطة المياه لا تصبح خطًا أحمر بالشعارات، وإنما بخطة معلنة، ومخزون محسوب، وتفاوض مشروط، وموقف قانوني قابل للتنفيذ، قبل أن تتحول سنوات الجفاف إلى واقع دائم.

 

وتحتاج القاهرة الآن إلى وقف رسائل الاطمئنان غير المشروطة، لأن إدارة القلق بالمعلومات أدق من إخفائه، ولأن حماية الحصة المائية تبدأ بالاعتراف الكامل بحجم الخطر لا بإنكاره.

 

وبهذا المعنى، فإن التصعيد اللفظي لوزير الري قد يكون إنذارًا متأخرًا، لكنه لن يكفي وحده، ما لم يصاحبه تغيير فعلي في أسلوب التفاوض وإدارة المخزون والسياسة الزراعية.

 

ومع دخول العام المائي الجديد، تقف مصر أمام اختبار مزدوج: هل تستطيع منع الجفاف من التحول إلى أزمة ممتدة، وهل تملك شجاعة مراجعة خياراتها قبل نفاد هامش الأمان؟

 

وتظل الإجابة معلقة بين مياه تأتي أقل من المتوقع، وسد يدار بلا اتفاق، وبحيرة يُنظر إليها كأنها ضمان دائم، بينما الحقيقة أن كل احتياطي له نهاية.