تفرض التوترات الإقليمية وارتفاع أسعار النفط ضغطًا جديدًا على السوق المصرية، بعدما تحولت كلفة النقل والطاقة والشحن إلى عبء إضافي يهدد بتوسيع فجوة الأسعار بين المنتج والمستهلك.
وتدفع هشاشة سلاسل الإمداد، وتراجع القدرة الشرائية، وارتفاع تكلفة الأعلاف، أسعار اللحوم والدواجن إلى مسار مرتبك، بينما تكتفي السياسات الحكومية بتسكين الأزمة بدل معالجة جذورها الإنتاجية.
النفط يرفع كلفة المائدة المصرية
وفي قلب المشهد، لا يصل أثر النفط إلى طبق الطعام دفعة واحدة، لكنه يتحرك عبر الوقود والنقل والتخزين والتبريد، ثم يظهر تدريجيًا في تكلفة كل حلقة من حلقات التداول.
وبحسب الدكتور رشاد عبده، الخبير الاقتصادي المتخصص في أسواق الطاقة، فإن تمرير زيادة الوقود إلى المستهلك يعكس قصورًا حكوميًا؛ وهو يرفض تحميل الأسر التكلفة قبل خفض الهدر والكلفة.
كما يرى عبده أن اضطراب الملاحة وارتفاع الخام يضغطان على فاتورة الاستيراد، لكن ترك السوق بلا رقابة فعالة يمنح الوسطاء مساحة أوسع، ويجعل المواطن يدفع ثمن الطاقة مرتين.
ومن ناحية أخرى، تتسع الفجوة بين السعر العالمي والتكلفة المحلية بسبب سعر الصرف ومصروفات الموانئ والتأمين، ما يجعل أي ارتفاع خارجي قابلًا للتحول إلى زيادة داخلية مضاعفة.
ومع أن اللحوم تبدو أكثر استقرارًا من الدواجن، فإن هذا الاستقرار هش؛ إذ يعتمد على المعروض وحركة الشراء وقدرة التجار على تحمل الركود، وليس على انخفاض حقيقي في التكلفة.
كذلك يظل العلف والنقل والرعاية البيطرية والتخزين عناصر ضاغطة على المربين، ولذلك قد تتأخر الزيادة في سعر اللحوم، ثم تظهر فجأة عندما تنفد قدرة المنتج على الامتصاص.
ولهذا تبدو وعود السيطرة على الأسعار منفصلة عن الواقع، ما لم تقترن بخطة معلنة لخفض تكلفة الإنتاج، وتنظيم الوسطاء، وتحسين النقل، وتوسيع منافذ البيع المباشر للمستهلك.
وتتضاعف الضغوط حين تتحول مخاطر البحر والتأمين إلى رسوم إضافية على الواردات، إذ لا تتوقف الزيادة عند النفط، بل تمتد إلى الحبوب والزيوت والأعلاف وقطع الغيار اللازمة للإنتاج.
وبالتالي، فإن صدمة الطاقة لا تضرب المستهلك وحده، بل تهدد هامش المنتج الصغير، وتدفعه إلى تقليص دوراته أو خفض الجودة، ثم تترك السوق أكثر اعتمادًا على الواردات المكلفة.
الحكومة تنقل التكلفة للمستهلك
وفي هذا الاتجاه، يحذر الدكتور مدحت نافع، أستاذ الاقتصاد والتمويل وعضو لجان استشارية اقتصادية، من اختزال الإصلاح في زيادة الأسعار، منتقدًا تحميل الأسر تكلفة ضعف الكفاءة.
كما يؤكد أن السؤال العادل لا يبدأ بكم سيدفع المواطن، بل بكيف تخفض الحكومة التكلفة أولًا، عبر تقليل الفاقد وتحسين التحصيل ومراجعة إنفاق الجهات العامة.
وبينما تتحدث البيانات الرسمية عن تراجع معدلات التضخم أحيانًا، يواجه المواطن مستوى أسعار مرتفعًا لا يعود إلى الوراء، ولذلك يصبح انخفاض المعدل بلا أثر كافٍ على المائدة.
فضلًا عن ذلك، تؤدي زيادة الوقود إلى رفع أجور النقل وعمولات التوزيع، فتصل السلعة إلى الحي بسعر أعلى حتى إذا خرجت من المصنع أو المزرعة دون تغيير.
أما الدواجن، فتتأثر بسرعة أكبر لأن دورة الإنتاج قصيرة، والأعلاف مستوردة جزئيًا، والطلب يتبدل يوميًا، ما يخلق قفزات سعرية متلاحقة لا تفسرها تكلفة واحدة، ولا تبررها رقابة غائبة.
وفي المقابل، يؤدي تراجع الطلب إلى ضغط عكسي على المربين، فيبيع بعضهم بأقل من التكلفة، ثم ينسحب آخرون، فتقل المعروضات وتعود الأسعار للارتفاع بعنف بعد فترة قصيرة.
ومع استمرار هذا الدوران، تصبح الحكومة أمام نتيجة سياستها نفسها: رفع كلفة المدخلات يضغط على المنتج، ثم يرفع السعر، ثم يخفض الطلب، ثم يهدد استمرار الإنتاج.
لذلك لا تكفي حملات ضبط الأسواق، لأن العقوبة لا تعالج سعر العلف أو الدولار أو النقل، كما أن التسعير الإداري المؤقت يؤجل الانفجار ولا يبني سوقًا مستقرة.
وتحتاج الحماية الاجتماعية، في المقابل، إلى إعادة تصميم تضمن وصول الدعم إلى الأسر الأشد احتياجًا، بدل توزيعه بصورة عامة لا تواكب الغلاء ولا تمنع تآكل الدخل الحقيقي.
كما أن رفع الأجور وحده لا يضمن تحسن المعيشة، إذا سبقته زيادات في الوقود والنقل والسلع، لأن الدخل الاسمي قد يرتفع بينما تنكمش قدرته الفعلية على شراء الغذاء.
ومن جهة أخرى، فإن ربط السوق المصرية بالخارج دون زيادة الإنتاج المحلي يتركها عرضة لكل اضطراب عالمي، ويجعل القرارات الحكومية دفاعية ومتأخرة بدل أن تكون جزءًا من خطة وقائية.
الدواجن واللحوم تحت الضغط
وفي قطاع الدواجن، ينتقد الدكتور عبدالعزيز السيد، الخبير في اقتصاديات الإنتاج وعضو شعبة الدواجن بالغرفة التجارية بالقاهرة، بطء الجهات الحكومية والمعنية في تنظيم حلقات التداول داخل السوق.
كما يطالب بمعادلة سعرية واضحة ومعلنة تربط البيع بتكلفة العلف والكتكوت والدواء والطاقة، معتبرًا أن ترك التسعير للمضاربات يظلم المنتج والمستهلك معًا ويعمق عدم الاستقرار.
وبحسب رؤيته، لا تكمن الأزمة في ارتفاع السعر وحده، بل في التذبذب الحاد بين المزرعة والمتجر، حيث تتسع هوامش الوسطاء بينما يتحمل المربي الخسارة ويتحمل المواطن الزيادة.
ومن ثم، فإن أي صعود في النفط قد يرفع تكلفة تشغيل المزارع والنقل والتبريد، لكنه لا يبرر وحده كل زيادة، ما لم تُراجع حلقات التوزيع وتُعلن تكاليفها.
وعلى مستوى اللحوم، يضغط ضعف القوة الشرائية على الجزارين، بينما يواجه المربون تكلفة طويلة للرعاية والتسمين، فينشأ استقرار ظاهري يخفي ركودًا وخسائر وتراجعًا في الاستهلاك.
كذلك يظل الاعتماد على الاستيراد عاملًا حساسًا، لأن الدولار والشحن والتأمين تحدد تكلفة جزء كبير من المعروض، بينما لا يحصل المنتج المحلي على تمويل ميسر أو حماية كافية.
ومع غياب بيانات يومية موحدة، يظل المستهلك أسيرًا لفروق كبيرة بين منطقة وأخرى، ويصعب عليه معرفة السعر العادل، فتتحول الفوضى المعلوماتية إلى فرصة للمتاجرة والاحتكار.
وتزداد المخاطر عندما تخرج مزارع صغيرة من النشاط، لأن السوق تفقد تنوع المنتجين، وتصبح قدرتها أضعف على مواجهة الطلب، بينما تستفيد الكيانات الأكبر من الفراغ لتوسيع نفوذها.
وبالإضافة إلى ذلك، لا يستطيع المربي الصغير تحمل قروض مرتفعة أو دورات خاسرة طويلة، لذلك يحتاج إلى تمويل قصير الأجل وتأمين على الإنتاج، لا إلى وعود عامة وقت الأزمات.
ولهذا تحتاج الدولة إلى سياسة غذاء متكاملة تبدأ من العلف والحبوب وتنتهي عند البائع، بدل الاكتفاء بقرارات منفصلة لا تمنع تكرار الأزمة ولا تحمي المنتج الصغير.
وفي النهاية، ستظل أسعار الغذاء رهينة النفط وسعر الصرف والنقل ما دامت الحكومة تؤجل إصلاح الإنتاج، بينما يدفع المواطن الفاتورة من دخله، ويدفع المربي ثمن الانسحاب.
كما أن استمرار المعالجة المؤقتة يفتح الباب لموجة أغلى لاحقًا، لأن خفض المعروض وتراكم الخسائر لا يظهران فورًا، لكنهما يصنعان صدمة أكبر حين يعود الطلب إلى التحسن.
ومن ثم، فإن كبح الغلاء يحتاج إلى شفافية في التكلفة، ومنافسة حقيقية، ومعلومات يومية، وتدخل سريع في حلقات الوساطة، وإلا بقيت كل زيادة عالمية مبررًا جاهزًا لزيادة محلية.

