تسجل طنطا في الأيام الماضية لحظة قاسية من التراجع الصناعي بعدما انتقلت شركة الدلتا للغزل والنسيج، التي تأسست عام 1960، من مشروع وطني إلى مبان تُفكك وماكينات تُنقل و44 فداناً تُجهز للطرح، بينما يواجه نحو 850 عاملاً مصيراً غامضاً.

 

ويحوّل القرار المعلن عن نقل العمال إلى زفتى وإخلاء الموقع الصناعي قضية إدارة عادية إلى اختبار علني لمعنى الاستثمار، حين تصبح الأرض أغلى من الخبرة والآلات والوظائف، وتتحول وعود التطوير إلى سؤال عن المسؤولية والشفافية.

 

 

من خطة الإحلال إلى قرار الهدم

 

وبالعودة إلى 30 أكتوبر 2022، كانت الخطة المعلنة تتحدث عن إحلال ماكينات مصنع غزل 1، والاستفادة من معدات من دمياط وكفر الدوار، ثم رفع الطاقة الإنتاجية، لا إخلاء الموقع وبيع أرضه.

 

ثم بدأ الواقع يبتعد عن ذلك المسار مع تفكيك الماكينات وطرح مناقصة لهدم المباني والأنقاض في أكتوبر 2026، وفق ما أُعلن، الأمر الذي يجعل التحول من الإحلال إلى الإخلاء بحاجة إلى تفسير معلن ومحاسبة واضحة.

 

ويحمل هذا التناقض كلفة مزدوجة؛ إذ قد تكون الدولة دفعت أموالاً لتكهين ونقل وتجهيز معدات جديدة، ثم وجدت نفسها أمام هدم المنشأة، من دون نشر حسابات توضح ما أُنفق وما تبقى.

 

ويرى ممدوح الولي، الخبير الاقتصادي والباحث في الموازنات العامة، أن استهلاك الممتلكات العامة لحل ضغوط مؤقتة يحول الأزمة من مشكلة إدارة إلى فقدان دائم للقدرة الإنتاجية.

 

وبالتالي لا تكفي عبارة التطوير لتبرير المسار الجديد، فالتحديث الصناعي يقاس بما يضيفه من إنتاج وتشغيل وتصدير، لا بعدد المباني التي تُزال ولا بقيمة الأرض عند إعادة تسويقها.

 

ومن هنا تبرز أسئلة لا يصح دفنها مع الأنقاض: من اتخذ قرار تغيير الخطة، ولماذا لم تُعلن دراسة الجدوى، ومن يتحمل تكلفة المعدات، وكيف حُسبت خسائر تعطيل الخبرة المتراكمة؟

 

كذلك فإن نقل وحدات العمل من طنطا إلى زفتى لا يثبت وحده أن التشغيل سيستمر بالكفاءة نفسها، لأن الصناعة شبكة مترابطة من موردين ومهارات وأسواق وخدمات نشأت حول المصنع عبر عقود.

 

وفي غياب جدول زمني معلن للتشغيل، وضمانات مكتوبة للعمال، وخطة واضحة لاستغلال المعدات، يصبح النقل إجراءً إدارياً يسبق الإجابة عن السؤال الأهم: هل يجري إنقاذ النشاط أم تفريغ الموقع تمهيداً لبيعه؟

 

 

الأرض تبتلع قيمة المصنع

 

أما الباحث الاقتصادي مجدي عبد الهادي، فيرى أن البيع تحت ضغط الحاجة للنقد يشتري وقتاً قصيراً، لكنه يخصم من المستقبل الإنتاجي ويعمق التبعية ويضعف قدرة الدولة على خلق فرص عمل مستقرة.

 

وتصبح الأرض في هذه الحالة هي البطل الوحيد للحسابات، بينما تتراجع قيمة العلامة الصناعية، وسلاسل التوريد، والمعرفة الفنية، والزبائن، والقدرة على تحويل القطن المحلي إلى خيوط ومنسوجات قابلة للمنافسة.

 

وإذا كانت الأرض ستطرح للاستثمار، فالمعيار الحقيقي يجب أن يكون نوع النشاط، وعدد الوظائف، ونسبة التصنيع المحلي، ومدة الالتزام، وضمان بقاء العمل، لا مجرد أعلى رقم يدفعه مشتري يبحث عن مكسب عقاري سريع.

 

كما أن بيع موقع صناعي داخل مدينة مزدحمة قد يحقق حصيلة عاجلة، لكنه يحرم الاقتصاد من أصل نادر لا يمكن تعويضه بسهولة، خصوصاً عندما تكون البنية الأساسية والخبرة البشرية جاهزتين بالفعل.

 

ولا يمكن اختزال الخسارة في سعر الأرض، لأن المصنع يربط الزراعة بالنقل والتجارة والصيانة والتدريب، ويمنح آلاف الأسر دخلاً غير مباشر، ويصنع طلباً مستمراً على خدمات محلية لا تظهر في ميزانية البيع.

 

ومن المفارقات أن المشروع الذي شُيد في عهد جمال عبد الناصر لربط القطن المصري بالغزل والنسيج وتحويل المحصول إلى قيمة مضافة، صار مهدداً بالتحول إلى أرض خام، بينما تستمر البلاد في استيراد منتجات قابلة للتصنيع.

 

ومن ثم فإن هدم المصنع لا يمحو جدراناً فقط، بل يقطع سلسلة إنتاجية كان يمكن إصلاحها وتحديثها، ويبعث رسالة خطيرة إلى المستثمرين الصناعيين مفادها أن الأرض قد تتغلب في النهاية على أي حساب إنتاجي.

 

ويضيف ذلك عبئاً على المال العام، فالعائد الناتج عن طرح الأرض مرة واحدة لا يساوي بالضرورة قيمة الضرائب والأجور والصادرات والإنتاج الذي كان يمكن أن يتراكم لعشرات السنين.

 

وبناءً عليه تحتاج أي عملية طرح إلى إعلان تقييم مستقل، وشروط استخدام ملزمة، وضمانات عمالية، ومراجعة برلمانية ومجتمعية، حتى لا يتحول لفظ الاستثمار إلى ستار لغلق مصنع قائم وتسويق موقعه.

 

 

العمال يدفعون فاتورة التصفية

 

وأمام هذا المشهد، يحذر كمال عباس، الناشط النقابي والمنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية، من أن تصفية الشركات وتحميل العمال ثمن الأزمة يبددان فرص إنقاذ الاقتصاد، ويفصلان القرارات المالية عن حقوق الإنتاج والعمل.

 

فالـ850 عاملاً وعاملة ليسوا بنداً قابلاً للمحو من دفتر الحساب، بل أصحاب مهارات وتجارب وأسر تعتمد على دخلهم، وأي نقل مفاجئ يفرض كلفة اجتماعية تتجاوز ما يظهر في كشوف المرتبات.

 

وبالنسبة للعامل، الانتقال اليومي من طنطا إلى زفتى يعني وقتاً أطول ومصاريف مواصلات أعلى وإرهاقاً إضافياً، وقد يقتطع جزءاً كبيراً من الأجر، خصوصاً مع الغلاء وتراجع القدرة الشرائية.

 

وبينما قيل للعمال إن إحلال الماكينات سيحمي التشغيل ويرفع الإنتاج، يواجهون الآن قراراً ينقلهم بعيداً عن موقعهم، ويتركهم أمام غموض المستحقات، وبدلات الانتقال، ومصير الوظائف بعد الهدم.

 

ولا تكفي وعود عامة بالحفاظ على العمالة، فالمطلوب عقود واضحة تحدد الأجر ومكان العمل وساعات الانتقال والتأمينات والحوافز، وتمنع استخدام إعادة الهيكلة طريقاً غير معلن لتقليص الوظائف.

 

ثم تأتي مسؤولية الشركة القابضة والجهات الحكومية في نشر محاضر التفاوض، وتفاصيل خطة النقل، وموقف كل عامل، وتكلفة التشغيل في زفتى، والضمانات التي تحول دون تسريح لاحق بعد إخلاء الموقع.

 

ومع ذلك لا ينبغي أن يتحول العامل إلى خصم في معركة الأرض، لأن استمرار المصنع أو تطويره يحتاج إلى الخبرات القديمة، وإلى تدريب منظم يربط الماكينات الحديثة بالمهارات التي راكمها العمال.

 

ويظل تجاهل البعد الاجتماعي خطأً اقتصادياً قبل أن يكون ظلماً إنسانياً، فكل عامل يفقد استقراره قد ينعكس اضطرابه على أسرة، ومدرسة، وسوق محلية، وشبكة إنفاق كاملة تعتمد على راتبه.

 

وفي النهاية لا يصبح الاستثمار مقنعاً إلا إذا أضاف مصنعاً أو خط إنتاج أو وظيفة جديدة، أما إزالة منشأة قائمة وطرح أرضها من دون مشروع إنتاجي معلن، فليست تنمية بل تسييل لأصل عام.

 

وبذلك يتحول ملف غزل طنطا إلى امتحان حقيقي لسياسة الدولة الصناعية: هل تقيس النجاح بحجم الإنتاج والوظائف، أم بحصيلة بيع العقار وسرعة إغلاق الملفات الحكومية؟

 

أما الإجابة العادلة فتبدأ بوقف الهدم مؤقتاً، ونشر الدراسات والعقود، وفتح تفاوض علني مع العمال، وفحص بدائل الشراكة والتحديث، قبل اتخاذ قرار لا يمكن التراجع عنه بعد إزالة المباني.

 

وحين تُهدم الماكينات وتغادر الخبرة، لن يكون من السهل إعادة بناء ما ضاع، لأن الصناعة ليست أسواراً ومتر أرض، بل وقت وتدريب وثقة وعلاقات إنتاج تتشكل ببطء وتنهار بقرار سريع.

 

وعلى الدولة أن تختار بين ترميم الإرث الصناعي وتحويله إلى طاقة جديدة، أو بيع ذاكرة المكان ثم مطالبة الأجيال المقبلة بدفع ثمن قرار لم تشارك في صنعه.