تعود عبارة «أنا مبحبش الواسطة والمحسوبية» التي قالها قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي في مايو 2014 إلى الواجهة كلما ظهر تعيين أقاربه أو أبناء مسؤولين داخل مؤسسات قضائية ورقابية حساسة.
وتعيد حركة النيابة الإدارية الصادرة في 16 سبتمبر 2026 فتح الملف من زاوية أوسع، لأن الجدل لم يعد متعلقًا بمن يدخل الهيئة فقط، بل بمن ينتقل إلى المواقع الفنية والإشرافية وكيف تطبق القواعد الداخلية.
التعيينات العائلية تحت المجهر
ففي حوار مايو 2014، قال السيسي إن نجله محمود يعمل في المخابرات العامة، ومصطفى في الرقابة الإدارية، وإن نجلًا آخر رُفض في الخارجية، مؤكدًا أنه لم يتدخل لتعيين أبنائه.
لكن بعد أشهر، ضمت تعيينات النيابة الإدارية هاجر أحمد سعيد خليل السيسي، ابنة شقيقه، ضمن دفعة أثارت وقتها جدلًا واسعًا بين خريجي الحقوق بسبب كثافة أبناء القضاة والمسؤولين داخلها.
وفي المقابل، قالت الهيئة آنذاك إن هاجر حصلت على 71.74% بجامعة الأزهر، وإن آخر المقبولين من الجامعة نفسها من غير أبناء القضاة حصل على 71.06%، معتبرة أنها استوفت معيار المفاضلة.
ثم في أبريل 2016، تضمن القرار رقم 177 لسنة 2016 تعيين داليا محمود إبراهيم محمود حجازي معاونًا بالنيابة الإدارية، وهي ابنة الفريق محمود حجازي وزوجة حسن نجل السيسي.
وبذلك لا تقدم القرابة وحدها دليلًا قانونيًا على المحاباة، لكنها تجعل معايير التعيين ودرجات المقبولين وأسباب الاستبعاد عناصر ضرورية للحكم على مدى تساوي الفرص بين المتقدمين من خلفيات مختلفة.
وعلى المستوى الأوسع، أظهر تحليل منشور لقوائم تعيينات يناير 2026 أن 40% من دفعة 2019 ارتبطوا بعائلات قضائية، مع نسبة إضافية من أبناء أو خريجي مؤسسات شرطية وعسكرية.
كما قال التحليل نفسه إن النسبة الإجمالية لمن ينتمون إلى عائلات قضائية أو أمنية أو عسكرية بلغت نحو 55% من بعض القوائم، وهي نسبة تستدعي مقارنة تفصيلية بمؤهلات بقية المتقدمين.
وفي مارس 2026، تقدم أكثر من 1200 من أوائل خريجي الحقوق والشريعة والقانون بتظلمات بعد استبعادهم من تعيينات النيابة الإدارية وقضايا الدولة، رغم حصول عدد منهم على تقديرات مرتفعة ودراسات عليا.
ثم تحولت الاعتراضات لاحقًا إلى أكثر من 800 دعوى خلال أبريل ومايو أمام القضاء الإداري، طعنًا على قرارات تعيين دفعات 2019 و2020، مع تمسك الطاعنين بمبدأ الكفاءة وتكافؤ الفرص.
ومع ذلك، لا تعني إقامة الدعاوى ثبوت المحسوبية، لأن الفصل في مشروعية قرارات التعيين يظل من اختصاص القضاء، بينما تظل الأرقام والقرابة والتفاوت في الدرجات قرائن تستوجب الفحص لا أحكامًا نهائية.
حركة سبتمبر واختبار القواعد
وفي 16 سبتمبر 2026، أصدرت هدى أحمد عيسى القرار رقم 394 لسنة 2026 بشأن الحركة القضائية للنيابة الإدارية، بعد موافقة المجلس الأعلى للهيئة في جلسته المنعقدة في اليوم السابق.
كما استند القرار إلى قانون تنظيم النيابة الإدارية، والتعليمات القضائية والهيكل القضائي الصادرين عام 2024، وإلى قرار وزير العدل رقم 4465 لسنة 2026 بشأن إعادة تشكيل وحدات ومكاتب داخل الهيئة.
لكن المادة المتداولة حول الحركة تشير إلى مذكرة للتفتيش القضائي تضع قيودًا على شغل بعض المكاتب الفنية وفروع الدعوى التأديبية، وتربط تلك المواقع بدرجات وظيفية محددة داخل السلم القضائي.
ووفق الرواية المنشورة، تضمنت الحركة حالات إسناد إلى أعضاء بدرجات أدنى من المحددة في المذكرة، إلى جانب حالات لمديرين يعملون في دوائر إقامتهم رغم الحديث عن ضوابط مغايرة.
كذلك تناولت المادة حالات قرابة داخل موقع عمل واحد، بينها أب وابنته وشقيقتان، وهو ما يثير مسألة تضارب المصالح حتى عندما لا توجد مخالفة جنائية أو تأديبية مثبتة.
وفي هذه النقطة، يصبح السؤال الأدق هو ما إذا كانت الضوابط المشار إليها قواعد ملزمة أم تعليمات قابلة للاستثناء، ومن يملك الاستثناء، وما إذا كانت أسبابه مكتوبة وقابلة للمراجعة.
ومن جهة أخرى، فإن القرار المنشور رسميًا يصف الحركة باعتبارها إعادة لتنظيم العمل وتوزيع الاختصاصات، ولا يتضمن في مادته المتاحة إقرارًا بوجود مخالفات أو استثناءات غير مشروعة داخل التوزيعات الجديدة.
ولهذا تظل المقارنة بين نصوص الضوابط الداخلية وأسماء ودرجات المكلفين بالمواقع المختلفة هي الطريق المهني الأوضح لتقييم الاعتراضات، بدل القفز مباشرة من وجود صلة قرابة إلى اتهام بالفساد.
وفي يوليو 2026، تولت هدى عيسى قيادة الهيئة بقرار صدر في نهاية يونيو، ثم استقبلت وزير العدل محمود حلمي الشريف خلال زيارة تهنئة بحضور أعضاء المجلس الأعلى وقيادات الجهتين.
ومن ثم فإن أي خلاف حول الحركة يحتاج إلى التمييز بين سلطة الهيئة في توزيع أعضائها، ودور وزارة العدل في القرارات التنظيمية المرتبطة بالهيكل، وأي مراجعة قانونية قد تطرأ لاحقًا.
من الدخول إلى توزيع النفوذ
وفي يناير 2026، صدر القرار رقم 51 بتعيين معاونين جدد من دفعات 2017 حتى 2020 بعد موافقة المجلس الأعلى للهيئة وعرض وزير العدل، ما أعاد ملف معايير الدخول للمؤسسة.
كما أظهرت إجراءات تظلمات لاحقة قبول 99 مرشحًا من أصل 124 بعد استيفاء الشروط والضوابط والتحريات الأمنية والرقابية، وهو ما يوضح أن التقدير الجامعي ليس العامل الوحيد في مسار الاختيار.
لكن إدخال التحريات ضمن معايير القبول يطرح بدوره سؤالًا عن مدى شفافية الأسباب، لأن المتقدم يستطيع قياس درجته وترتيبه الجامعي، بينما يصعب عليه فحص تقييم أمني لا تنشر عناصره بالتفصيل.
وفي السياق نفسه، تبرز حالة عبد الرحمن أحمد سعيد حسين السيسي، نجل شقيق السيسي، الذي عُين ضمن دفعة النيابة العامة لعام 2015 ثم انتقل إلى نيابة أمن الدولة العليا في 2019.
ومع أن هذا المسار لا يثبت وحده تفضيلًا غير مشروع، فإن اجتماع أكثر من حالة عائلية داخل جهات قضائية ورقابية يجعل نشر معايير الاختيار والترقية والندب أكثر أهمية لحماية الثقة العامة.
كذلك لا يمكن فصل الجدل الحالي عن أزمة أقدم تخص ما يسمى اجتماعيًا «توريث القضاء»، وهي عبارة سياسية وإعلامية أكثر منها توصيفًا قانونيًا، لأن إثباتها يتطلب بيانات مقارنة شاملة لا حالات فردية.
ومن ناحية أخرى، قدمت الهيئة في 2014 دفاعًا رقميًا عن دفعة أثارت الانتقادات، ونشرت نسب بعض أبناء القضاة ومقارنتها بآخر المقبولين من الجامعات نفسها، كما قالت إن بعض أبناء القضاة استُبعدوا.
وبالتالي فإن الحسم المهني لملف 2026 يحتاج المنهج نفسه ولكن بصورة أوسع: نشر الدرجات، ترتيب المتقدمين، نتائج المقابلات، أسباب الاستبعاد، ونسب القرابة، مع إتاحة رقابة قضائية فعلية على القرارات.
وفي ملف مختلف، توفي المستشار محمد مسعد الفخراني في 2 يوليو 2026 إثر انقلاب سيارة على محور 26 يوليو، وأشارت المعاينة الأولية المنشورة إلى اختلال عجلة القيادة قبل الحادث.
ثم توفي والده المستشار مسعد عبد المقصود الفخراني في 21 سبتمبر، وجرى تشييع جثمانه بحضور قضاة وأفراد أسرته، من دون نشر معلومات موثوقة تربط الوفاتين بصراع داخل المؤسسة.
ولهذا فإن ضم الوفاتين إلى ملف التعيينات أو الحركة باعتبارهما «تصفية حسابات» يتجاوز الأدلة المتاحة حاليًا، ولا توجد في المصادر الموثقة التي راجعتها قرائن منشورة تثبت شبهة جنائية مشتركة.
وفي النهاية، يجمع ملف النيابة الإدارية بين ثلاثة مستويات متصلة: من يدخل المؤسسة، وكيف يتوزع أعضاؤها داخل مواقعها، وما الضمانات التي تمنع القرابة أو السلطة التقديرية من التحول إلى أفضلية غير معلنة.
وبهذا تصبح القضية الأساسية ليست أسماء أقارب السيسي وحدهم، بل قابلية قواعد التعيين والحركة للقياس والمراجعة؛ فكلما كانت المعايير منشورة ومسببة، تقل مساحة الشك، وكلما غابت، اتسعت أسئلة المحسوبية.

